بريدك الالكتروني


English

 

10:00 مكة - السبت 5 جمادى الآخرة 1427 هـ - 1/7/2006م

أوروبا » أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا » تحليلات وآراء
أرسل لصديق
روابط من إسلام أون لاين
  أهم الأخبار

 

عبر الأطلسي.. جوانتانامو لا تفسد للود قضية

نبيل شبيب**

جانب من فاعليات القمة الأوروبية الأمريكية الثامنة

هل يمكن وضع جوانتانامو عنوانًا لأزمة قيم تؤثر على العلاقات الأمريكية - الأوروبية، أم وضع حصار الفلسطينيين عنوانًا للتفاهم على مذبح القيم الإنسانية؟

هل يغلب مفعول الخلاف المصلحي على العلاقات، كما في المنتجات الزراعية ومنظمة التجارة العالمية؟ أم يغلب عليها مفعول التلاقي المصلحي "الأمني" -أو التقني لا الأمني فقط- كما في التعامل مع الملف النووي الإيراني؟

القمة الأوروبية - الأمريكية الأخيرة التي عقدت في النمسا يوم 21 يونيو 2006 كانت فرصة لإلقاء الأضواء على هذه الجوانب معًا، وبيان حصيلة تأثيرها على نسيج العلاقات القائمة وتقلب أمواجها عبر المحيط الأطلسي.

لقطات أطلسية

متظاهرون نمساويون يعترضون على سياسات الرئيس الأمريكي جورج بوش

اللقطة الأولى: قبيل وصول بوش إلى فيينا للمشاركة في القمة الأوروبية - الأمريكية؛ إذ كان عدد من الساسة النمساويين، بمن فيهم شوسل، مستشار النمسا التي ترأس حاليًّا الاتحاد الأوروبي، يؤكدون علنًا وبصورة استعراضية، وبمشاركة منظمات المجتمع المدني كالعفو الدولية، إصرار الأوروبيين على مطالبة واشنطن بإغلاق جوانتانامو، وبالتوقف عن انتهاك حقوق الإنسان تحت عنوان الحرب على الإرهاب، ووضع حد للممارسات الاستخباراتية المنحرفة، بما في ذلك ما انكشف بصدد فضائح الاختطاف والتعذيب، فضلاً عن الرحلات الجوية السرية والمعتقلات السرية في عدة دول أوروبية.

ويخيل لمن تابع تلك المواقف وانتشارها سياسيًّا وإعلاميًّا وأساليب التعبير عنها، أنها ستجعل من اللقاء الدوري الجديد بين الزعماء الأوروبيين والأمريكيين أزمة علنية، وستقضي على التقارب المتجدد منذ عامين تقريبًا، وتجاوزه سحابة الخلاف العلني السابق على حرب احتلال العراق.

اللقطة الثانية: في فيينا أثناء المؤتمر الصحفي وما طُرح فيه كحصيلة للمحادثات، وبالتالي تأثير مثل تلك القضايا عليها؛ إذ واجه أحد المحررين الرئيس الأمريكي الضيف -الذي استقبلته وودعته مظاهرات شعبية نمساوية- بأن آخر عمليات استطلاع الرأي في النمسا (أجرته صحيفة دي برسّه) صنَّف الولايات المتحدة الأمريكية بأنها البلد الأخطر على السلام والأمن من إيران، فاكتفى بوش بالابتسام والقول إن ممارسته لسياسات بلاده لا تعتمد على نتائج استطلاعات الرأي. وليس مجهولاً أن ما يسري على الموقف الشعبي في النمسا، يسري على البلدان الأوروبية الأخرى جميعًا.

وبين ما قبل اللقاء وختامه تلفت اللقطة الثالثة الانتباه والتفكير لا الأنظار والإعجاب أو الاستغراب فقط، وهي حصيلة بعض الأرقام المعلنة من داخل قاعات اللقاء، ومنها أن حجم التبادل التجاري (بما يشمل قطاع الخدمات) بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي بلغ أكثر من 650 مليار يورو عام 2005، ومن ذلك تبادل البضائع بحجم 414 مليارًا، بزيادة بلغت 5.4% مقارنة بالعام السابق، كما بلغت نسبة الزيادة في الربع الأول من عام 2006 زهاء 15%، ويسري شبيه ذلك على قطاعات أخرى كالاستثمارات المالية المتبادلة، فيؤكد استمرار ازدهار الروابط الوثيقة بين جانبي الأطلسي.

إن العلاقات الأمريكية - الأوروبية، وإن سلّطت التصريحات السياسية والمقالات الإعلامية الأضواء على جانب حقوق الإنسان منها، في خلافات بقيت دون مستوى إثارة الانزعاج الفعلي دبلوماسيًّا، هي علاقات ثابتة بأبعاد إستراتيجية، قائمة على مصالح ضخمة متبادلة، في حقبة تتميز بأن أصحاب المال والأعمال باتوا يتحكمون إلى حد كبير بصناعة القرار السياسي والأمني دوليًّا. ولا ينبغي إذن تضخيم مفعول قضية "جانبية" عليها، وإن كانت بحجم ما ترمز إليه جوانتانامو وأبو غريب والحديثة والفلوجة، إنسانيًّا، وأخلاقيًّا، وبموازين الضحايا، ومعايير الشعوب إقليميًّا.

التأثير المحتمل رهن احتمال واحد، أن يتحول التنافس الاقتصادي الشديد الراهن عبر الأطلسي إلى صراع متصاعد، فتُوظّف من أجله قضايا إنسانية وسياسية من هذا القبيل. ومن المؤكد أن الاحتمال في اتجاه معاكس ضعيف للغاية.

أما ازدياد حدة اللهجة الدبلوماسية في المواقف الأوروبية، وتخفيف حدة العنجهية في الخطاب الرسمي الأمريكي للأوروبيين، فهو أسلوب للتعامل مع أسباب "داخلية مؤقتة"، وليس مؤشرًا على تطور جذري في العلاقات عبر الأطلسي.

الساسة الأوروبيون يرصدون انتشار المعارضة الشعبية للسياسات الأمريكية وما تصنع في العراق وأفغانستان وسواهما، ويواجهونها بمواقف استعراضية علنية تطالب واشنطن بإصلاح مواقفها وسياساتها على صعيد حقوق الإنسان، ولكن دون اتخاذ خطوة عملية تؤثر على العلاقات، ودون تجاوز عبارات تعميمية أقرب للتهدئة والتمويه، في البيان الختامي والتصريحات الصحفية.

كما يرصد بوش هبوط أسهم شعبيته في استطلاعات الرأي الأمريكية- وهذه لا يمكن أن ينفي مفعولها في صنع سياساته كما قال عن الاستطلاعات الأوروبية- وقد بلغ هذا الهبوط حضيضًا لم يُعرف عن رئيس أمريكي سابق أثناء فترة الولاية الثانية، فهو يجمع بين إظهار التفهم للأوروبيين وكيل عبارات الثناء لهم عسى ينتشر الانطباع في الداخل الأمريكي بتأييد الدول الأوروبية لسياسات الهيمنة الأمريكية عالميًّا، أو التسليم لها بعد "عناد" سابق!

خلافات "ودّية"

على هذه الخلفية كان لقاء القمة الأمريكي - الأوروبي الثامن من نوعه في فيينا منذ مايو 1998، جامعًا للعناصر الرئيسية للعلاقات عبر الأطلسي، ما بين:

1 - توافق كبير على التعاون الوثيق فيما لا خلاف حوله، كما ظهر تخصيص عبر اتفاقية جديدة لمدة 8 سنوات حول قضايا التعليم والعلم العالي وما يتفرع عنهما.

2 - اتخاذ مواقف ودية دون مضامين ملموسة في قضايا خلافية. ففي سياسة الطاقة مثلاً، يستمر الانفراد الأمريكي بالتأثير على أسواقها النفطية خاصة، ويستمر القلق الأوروبي من مستقبل الاعتماد على الغاز الروسي، وفي المناخ العالمي مثل آخر، لا تتعدى المواقف المشتركة، وفق الساسة الأوروبيين، أن مجرد ذكرها خطوة إيجابية.

3 - تكرار مواقف قديمة مثل رغبة واشنطن في طيّ ملف خلافات حرب احتلال العراق، ليشارك الأوروبيون في مساعي الخروج من المأزق الأمريكي الراهن، ثم الإشادة بالمشاركة الأوروبية عبر حلف شمال الأطلسي في أفغانستان.

4 - مواقف استعراضية لحجم التفاهم الذي يحصره كثير من المحللين الأوروبيين في إطار التعامل مع ما يُسمى منطقة الشرق الأوسط، ومن تلك المواقف تأكيد التفاهم الأمريكي - الأوروبي في قضيّتي الملفّ النووي الإيراني، وحصار الحكومة الفلسطينية المنتخبة.

ليس فيما سبق تطوّر جوهري في العلاقات، وعنصر الاستمرارية فيها شامل لتجاور نقاط الاختلاف والتوافق من جهة، وتبدّل ما تتخذه من قوالب دبلوماسية للتعبير عنها من جهة أخرى. وربما انحصر التطوّر الإيجابي في تحسين اللهجة الدبلوماسية بالمقارنة مع الخلافات العلنية وتبادل التصريحات الساخنة قبل بضعة أعوام. ومن الأسباب: حاجة الساسة الأوروبيين والأمريكيين إلى بعض ما يعوّض المفعول الراهن لنكسات ذاتية؛ فإلى جانب ارتفاع حدّة الانتقادات العالمية لانتهاكات حقوق الإنسان، تزامنت القمة الثنائية الأخيرة بالمنظور الأمريكي مع مسلسل الانسحابات العسكرية، الياباني والإيطالي وربما البريطاني، من العراق، دون تحقيق أي صيغة للاستقرار فيه، وكذلك مع تجدد ظهور طالبان في الساحة الأفغانية، وبالمقابل تزامنت القمة مع انتهاء فترة الاستراحة التي أعطاها الأوروبيون لأنفسهم بشأن التصديق على الدستور، دون أن تظهر احتمالات جديدة، ولو في صيغة معالم مبدئية.

كان اللقاء لقاء قمة بين ساسة مسئولين في مرحلة الضعف على جانب حلف شمال الأطلسي، وهي حالة تقترن دومًا بتخفيف استعراض الخلافات، ولو دبلوماسيًّا، أو تأجيلها على الأقل، ولا يقترن ذلك بالضرورة بتراجع فعلي في المواقف الأساسية. ومثال ذلك عدم التراجع عن المواقف المتصلّبة في مسألة الدعم المالي للمنتجات الزراعية، مع المخاطرة ببقاء العقبة الرئيسية في وجه التوصل إلى اتفاق جديد في مسيرة منظمة التجارة الدولية فيما يُسمّى "جولة الدوحة" التي تتابع لقاءاتها الدورية في نهاية يونيو 2006.

نقاط الخلاف مؤجلة، ونقاط الاتفاق قائمة كما كانت من قبل، والود الدبلوماسي استعراضي إعلاميًّا وشعبيًّا، والصراع أو التنافس بروح الصراع اقتصاديًّا وماليًّا ماضٍ على ما كان عليه حتى الآن.

خارج القمة

قمة فيينا جزء من مسيرة تطوير العلاقات الأوروبية - الأمريكية على أساس ما سُمّي "بيان العلاقات عبر الأطلسي" من عام 1990. وسبق تجديد محتواه مرتين، عامي 1995 و1998، لينتهي إلى "ميثاق بون" بعد عام واحد، وليتضمن آنذاك التزام الجانبين "بزمالة على قدم المساواة في القضايا الاقتصادية والسياسية والأمنية". وانعقدت تبعًا لذلك عشرة لقاءات قمة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، ولكنها لم تشهد خلال سبع سنوات ترسيخ "علاقات زمالة"، ناهيك أن تكون على قدم المساواة، بل أخذت مسيرة العلاقات عبر الأطلسي مجراها بتأثير عوامل أخرى، صنعتها سياسات عسكرة الهيمنة الأمريكية منذ استلام بوش منصب الرئاسة، وسياسات التميز الأمني والسياسي الأوروبي.

ويدرك الاتحاد الأوروبي أن دوره في مستقبل خريطة نظام دولي محتمل، لم يَعُد يكفيه الاعتماد على قوته الاقتصادية والمالية في حقبة تعزيز عسكرة الهيمنة الأمريكية عالميًّا. بينما تبقى الجهود المبذولة لتصعيد حجم الطاقة العسكرية الذاتية أوروبيًّا محدودة، تحت الضغوط الاقتصادية والمالية الراهنة.

على أن ذلك لا ينفي وجود تطلعات عسكرية وسياسية أوروبية أبعد مما توحي به المواقف الرسمية وحدها. أو هذا ما يكشف عنه التأمل الأعمق فيما يُنشر من كتابات خبراء معتمَدين أو مستشارين في الصياغات الشمولية (الإستراتيجية) الأوروبية، مثل كارل هاينس كامب، وإيريك رايتر، ولوتار رول، وميشائيل شتومر، وغيرهم، وهم يؤكدون ضرورة تطوير القوة العسكرية، بما فيها النووية، في الاتحاد الأوروبي، "فالقوة الدولية هي القوة التي تمتلك السلاح النووي"، كما يقول رايتر. بل يؤكد بعضهم في الآونة الأخيرة أن العنصر الحاسم هو تحويل النظرية القائلة حتى الآن بأن يكون السلاح النووي أداة للردع اعتمادًا على مجرد "امتلاكه"، إلى نظرية تعتمد مصداقية التهديد به، بمعنى جعل "قابلية استخدامه" احتمالاً واقعيًّا، وشبيه ذلك ما عززه سابقًا إعلان فرنسي رسمي.

هذه الأفكار جزء من البحث عن ترسيخ دعائم الوجود الأوروبي دوليًّا على خريطة مستقبلية لا يراد أن تكون زعامتها انفرادية، ويمكن إذا انتقلت إلى واقع الممارسة السياسية، أن تمثّل -إلى جانب طرحها أمريكيًّا من قبل مع عسكرة الهيمنة وشنّ الحروب الوقائية أو الاستباقية- تصعيدًا خطير العواقب في التعامل "الغربي" مع الدول التي لا تملك قوة تردع عن استخدام هذا السلاح، ولا تريد الانضواء تحت جناح الزعامة.. أو الهيمنة.. أو الحضارة الغربية، فلا أهمية للتسمية والعنوان في هذا الإطار. وهذا في مقدمة ما يعنيه أن العلاقات الأمريكية - الأوروبية تتأرجح بين خلاف ووفاق، وحدة في اللهجة الدبلوماسية ولين، ولكنها في الحصيلة أشبه بعلاقات "داخلية" في معسكر واحد بمنظور المنظومة الدولية، وقد تركت نهاية الحرب الباردة آثارها على علاقاته بالشرق، ولكنها أعطتْه في الوقت نفسه موقعًا جديدًا، أشد خطورة مما مضى، بمنظور ما ينطوي عليه من عناصر نشر الهيمنة والسيطرة تجاه "الجنوب" التي تمثل المنطقة الإسلامية أو الدائرة الحضارية الإسلامية القسم الأعظم منه، وليس التوافق في قضايا من قبيل النووي في إيران، ومستقبل السودان، وانتخاب حماس في فلسطين، وتطويع العقبة السورية، إلا نماذج على بعض جوانب هذه الخطورة مستقبليًّا.


** كاتب سوري مقيم في ألمانيا.

 

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع