 |
|
جون ماكلوغلين |
"لا توجد قوى في الوقت الحالي
أكثر من الولايات المتحدة والصين ولا توجد
منطقة أكثر أهمية من الشرق الوسط.. هناك
شيء ما سيحدث في تلك المنطقة من العالم".
عبارة ذكرها "جون ماكلوغلين" أحد
أعضاء كلية "جونز هوبكينز" للدراسات
الدولية، المدير السابق للاستخبارات
المركزية، في ورقته أمام المؤتمر الذي
نظمه مركز الدراسات الإستراتيجية
والدولية CSIS تحت عنوان "المثلث الحيوي:
الصين والولايات المتحدة والشرق الأوسط"،
والذي نشرت خلاصة أعماله على موقع المركز
يوم 14 نوفمبر 2006.
تنافس أم تعاون
وقد حدد ماكلوغلين ثلاثة محددات
متداخلة سوف تشكل مستقبل المواجهة
الصينية- الأمريكية في الشرق الأوسط، وهي:
العلاقات الأمريكية الصينية الثنائية،
والاتجاهات الإقليمية في الشرق الأوسط
وآسيا، والاتجاهات العالمية في المنطقتين.
ويرى ماكلوغلين أن الوضع الضعيف
للولايات المتحدة في الشرق الأوسط حاليا
يقدم إغراء وفرصة للصين، وإغراء لتصبح
بكين قوة موازية لأمريكا، لكنه يؤكد أن
ذلك يتوقف على إدراك بكين أن مصالحها
تتوافق بدرجة كبيرة مع المصالح الأمريكية
وأن تتخذ خطوات على طريق التعاون أو على
الأقل تنسيق المواقف.
بدوره، قال شلونج شو محلل
السياسة الخارجية الصينية والأستاذ
بجامعة تشنجهو: "إن مصالح واشنطن وبكين
في الشرق الأوسط متقاربة ومتوافقة خاصة
رغبتهما في الحفاظ على الاستقرار
الإقليمي، وإن هذه المصالح ستتجاوز أي
خلاف محتمل، موضحا أن بكين تتجه ببطء
للتخلص من سياستها القديمة التي أكدت عدم
التدخل في الشئون الداخلية للدول الأخرى،
حيث باتت الصين حاليا مهتمة بدرجة كبيرة
بقضايا الإرهاب وإعادة إعمار العراق
ومواجهة الانتشار النووي الذي يعد أحد
المصالح والاهتمامات المشتركة بين بكين
وواشنطن، وأصبحت بكين ترى الرقابة على
التسلح مصلحة حيوية لها".
وأضاف شو أن العديد من الباحثين
الصينيين رفضوا هيمنة الولايات المتحدة
على الشرق الأوسط لكنهم لم يدافعوا عن
المواجهة معها، ولأن الصينيين لا يقبلون
القيادة الأمريكية للعالم من حيث المبدأ؛
لذلك لا توجد شرعية أو دعم لهذه القيادة
الأمريكية، ورغم ذلك لا تزال الصين تعتمد
إلى حد كبير على ما تفعله الولايات
المتحدة في الشرق الأوسط وبخاصة فيما
يتعلق بأمن الخليج وحرية تدفق النفط.
أما جون جارفر الأستاذ بمعهد
جورجيا للتكنولوجيا فقد قدم منظورا
مختلفا، مشيرا إلى أن مكانة الصين تتزايد
كقوة عظمى، وهو ما ظهر حديثا من خلال
التعاون الصيني الوثيق مع السعودية، وسعي
الصين لزيادة مساهمتها في قوة حفظ السلام
الدولية في جنوب لبنان. ومن ثم فالصين قد
تختار معارضة الدور الأمريكي كقوة
إقليمية مهيمنة، إلا أنها تسعى لتجنب
المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة.
وأشار جارفر إلى أن الصين لا تتفق مع الخط
العام للسياسة الأمريكية في الشرق
الأوسط؛ فالصينيون يعتقدون أن واشنطن
تفعل العديد من السياسات الخاطئة لأسباب
تتعلق بسيطرة أمريكا، وهم لا يوافقون على
ذلك، ويصممون على توسيع علاقة تعاونية
وثيقة مع دول المنطقة كلها حتى مع تلك التي
ربما تكون عرضة لعقوبات أو ضغوط أمريكية؛
وهو ما يؤدي بالسياسة الصينية إلى التصادم
مع نظيرتها الأمريكية.
ويوضح جارفر أنه من المحتمل أن
تتبع الصين سياسة تدل على معارضتها لدور
الولايات المتحدة في المنطقة، وأن
النموذج الأكثر احتمالا للعلاقات الصينية
الأمريكية في المنطقة هو "لا سلام.. ولا
حرب"؛ ففيما تتجنب الصين المواجهة
المباشرة مع الولايات المتحدة تقوم في
الوقت نفسه ببناء علاقات تعاونية وثيقة مع
كل دول المنطقة.
البديل الصيني
 |
|
جوسوا كورلانتزك |
إن أحد البدائل أمام الصين
لتأكيد دورها في المنطقة هو استخدام "القوة
الناعمة" إلى المدى الذي يمكن أن يمثل
تحديا للهيمنة الأمريكية. هكذا يصف جوسوا
كورلانتزيك الباحث بمعهد كارنيجي للسلام
الدولي الدبلوماسية الصينية الصاعدة بشكل
كبير على الساحة الدولية، موضحا أن أحد
جوانب هذا التحول تكمن في المشاركة في
المؤسسات الدولية، ومن بينها تجمع "آسيان"،
وتأسيس المنتدى العربي الصيني، كما تمارس
الصين نوعا من النفوذ ضد أمريكا بالمنطقة.
أما وجهة النظر العربية والتي
قدمها عبد المنعم سعيد مدير مركز الأهرام
للدراسات الإستراتيجية فتقول: إن الوجود
الصيني في المنطقة والتنافس مع الولايات
المتحدة لن يكون بالضرورة سلبيا؛ فوجود
قوة أحادية مهيمنة في الحقبة الماضية أضر
بالمصالح العربية، وما زال العالم العربي
يتذكر الأيام الذهبية للحرب الباردة حيث
الثنائية القطبية. وأضاف سعيد: "إن
الصين في طريقها للصعود لتصبح قوة عالمية،
إلا أن الشرق الأوسط بعيد جدا عنها، وهناك
بعض الدول العربية حثت الصين أن تؤكد
نفسها كقوة عالمية، لكن الصين قاومت هذا
المطلب سابقا، بيد أن إدراكها للعالم
ولنفسها قد تغير، ومع ذلك قد تصبح الصين
قوة عالمية".
من جانبه، اقترح كورلانتزيك أن
الصين يمكن أن تصبح نموذجا محتملا للتنمية
في المنطقة تتبعه الدول العربية الشرق
أوسطية، أي اتباع "النموذج الصيني"؛
فالنظم السلطوية أو أشباه السلطوية
يروقها النموذج الصيني الذي يتسم بدرجة
كبيرة من النمو الاقتصادي ومحدودية
الإصلاح السياسي، ولكون الصين لا تهتم
كثيرا بحقوق الإنسان والإصلاح السياسي،
فإنها لا تطالب بالمزيد من هذه الأمور من
شركائها، وهي تفعل ذلك في وقت يتزايد فيه
التدخل الأمريكي في الشئون الداخلية لدول
المنطقة؛ وهو ما خلق شعورا عدائيا متزايدا
ضد أمريكا، وفسر كولانتزيك ذلك بأن الصين
بدأت تهتم مؤخرا بهذه الأمور وتطالب دول
المنطقة بها، ما يجعلها منافسا للدور
الأمريكي. ومن ثم فإن النموذج الشامل
لنموذج الدبلوماسية الصينية بدأ في
الانتشار. على أن الروابط الاقتصادية بين
الصين والدول العربية باستثناء الدول
النفطية لا تزال ضعيفة نسبيا، حيث لم تضخ
الصين استثمارات خارجية مباشرة لخوفها من
الإقبال على مخاطرة كبيرة تكون عوائدها
محدودة.
الطاقة والأمن
ويؤكد "كيفن نيلر" مؤسس
مجموعة سكوكروفت على أنه لتفهم السياسة
الخارجية الصينية لا بد من فهم المسرح
السياسي الداخلي؛ لأن دوافع التحرك
الخارجي تنبع من الأجندة الاقتصادية
الداخلية، والحكومة الصينية كانت كارهة
بشكل عام لصنع قرارات بعينها في مجال
الشئون الخارجية، لكن هذا التوجه يتغير
ببطء حيث بدأت الصين في تطوير رؤية
إستراتيجية عالمية أكثر اتساعا، وسبب ذلك
أن الصين بحاجة إلى نمو اقتصادي متواصل
لتثبيت فاعليتها في السياسة الإقليمية في
شرق آسيا بدلا من توسيع أجندتها على
الساحة العالمية.
وتقترب الصين صوب الشرق الأوسط
لحاجتها الماسة إلى مصادر النفط؛ إذ إن
النمو الاقتصادي الصيني يعتمد على توفير
مصادر الطاقة الخارجية، ومن ثم ورغم كره
الصين لمخاطر تلك المنطقة، فإنها مجبرة
على الاستثمار فيها.
وأوضح نيلر أن إحدى صعوبات
التعاون مع الصين في مجال الطاقة هي أن
الصين ليس لها وزير للطاقة أو سياسة
حكومية لها، حيث تنظمها الأسواق والشركات.
ومن جانبه، يرى فرانك فيراسترو
مدير برنامج الطاقة بمركز الدراسات
الإستراتيجية والدولية أن الصين تأخرت
جدا عن قواعد اللعبة، فرغم أنها كانت
مستوردا أساسيا للطاقة على مدار حقبة
كاملة، فإنه لم يكن لديها علاقات
إستراتيجية طويلة المدى مع منتجي النفط
التقليديين، وكانت الخيارات المتاحة
أمامها السودان وفنزويلا وإيران، مستخدمة
علاقاتها الثنائية مع تلك الدول لمواجهة
النفوذ الأمريكي في مناطق بعينها في
العالم.
ويوضح فيراسترز أن مستقبل علاقات
الطاقة سيتحدد بما إذا كانت الصين وأمريكا
ستنظر كل منهما للأخرى على أنها منافس على
مصادر الطاقة أم على أساس الشراكة بحيث
يتعاونان معا حفاظا على الأمن الإقليمي،
ويرى أن هذا القرار قد يكون أكثر المحددات
لمستقبل العلاقات الصينية الأمريكية،
خاصة أن الصين تعد قوة إقليمية ومستهلكا
أساسيا أكبر لنفط الشرق الأوسط من
الولايات المتحدة التي تستورد جل
احتياجاتها النفطية من الغرب وتعتمد على
نفط الشرق الأوسط بنسبة قليلة نسبيا،
والأمر الذي يجب التركيز عليه هو أن الصيت
قررت التعاون مع السعودية والاعتماد على
النفط الشرق أوسطي، وتبغي المشاركة في أمن
الخليج.
 |
|
جيوفري كيمب |
وعلى نقيض ذلك يرى "جيوفري
كيمب" مدير برنامج الدراسات الإقليمية
بمعهد نيكسون أنه برغم الاعتماد الكلي
للصين على مصدري البترول في الشرق الأوسط،
فإن ذلك لن يغري الصين كثيرا بالمخاطرة
بالدخول في أمن الخليج من خلال مواجهة
أمريكا فيه أو في أي منطقة أخرى، خاصة
تايوان والتي يمكن لأمريكا استغلال
قدراتها البحرية لتصعب من وصول السلع
الصينية إلى موانيها.
الدور الهندي الإقليمي
أيضا لا يمكن تناول العلاقات
الصينية في الشرق الأوسط دون التركيز على
الدور والنوايا الهندية في المنطقة؛
فالهند تعتمد أيضا على نفط الشرق الأوسط،
وهي تبرز كقوة عالمية، وترغب نيودلهي في
لعب دور محوري في مستقبل المنطقة؛ إذ
تربطها بالمنطقة علاقات تاريخية. ولهذا
يرى كيمب أن الهند ستظل شريكا بدرجة أكبر
للولايات المتحدة من الصين في الشرق
الأوسط وبخاصة في المجالات الأمنية، كما
أسست الهند بالفعل علاقات أمنية وثيقة جدا
مع مجلس التعاون الخليجي ويمكنها الوصول
إليه أسرع من التواجد الصيني المنظور.
مبيعات السلاح
أحد العوامل المهمة كذلك في
تحديد مستقبل الدور الصيني في الشرق
الأوسط هو مبيعات السلاح الكثيفة الصينية
للحكومات العربية وإيران. حيث يوضح كيمب
أن الوجود الصيني الإستراتيجي يمكن
تحديده بدرجة واضحة فيما يتعلق بمبيعات
سلاحها وبخاصة لإيران "وأعداء"
الولايات المتحدة الآخرين، وهو ما يمكن أن
يمثل ورقة ضغط سياسية لبكين في علاقاتها
مع أمريكا.
وأحد الأمور المعقدة هو استخدام
حزب الله للأسلحة الصينية الصنع في حربه
الأخيرة مع إسرائيل، كما أن الأكثر أهمية
للولايات المتحدة هو مبيعات الصواريخ
التي يمكن استخدامها في العمليات البحرية
وبخاصة في منطقة الخليج.
أيضا تتعاون الصين بشكل نشط في
المجال النووي مع كل من إيران وباكستان،
والمؤكد أن العالم النووي الباكستاني عبد
القدير خان كانت له روابط وعلاقات وثيقة
مع الصينيين، وأن الدور الصيني كان له
الأثر الأكبر في تطوير البرنامج النووي
الباكستاني.
ومن المنظور الأمريكي، كما يقول
كيمب، فالتعاون النووي الصيني مع إيران
قوي جدا، وواقعيا وضعت إدارة كلينتون
ضغوطا عديدة على الصين لتقطع تعاونها
النووي مع إيران.
كما نجحت الصين في تطوير علاقات
عسكرية مع إيران وباكستان والدول العربية
فيما حافظت على روابطها الوثيقة مع
إسرائيل بما فيها شراء التكنولوجيا
العسكرية الإسرائيلية المتقدمة.
خاتمة
اتفق المشاركون في المؤتمر على
أن الدور الصيني في الشرق الأوسط
وعلاقاتها بدوله لا تزال في المراحل
الأولى، وأن كلا الطرفين يقوم بجس النبض
واختبار النوايا تجاه الآخر، في انتظار
الإشارات من الولايات المتحدة لتقود توجه
المنطقة.
وعلى أية حال فإن النموذج الصيني
للتنمية وتركيزها على النمو الاقتصادي
بدلا من الاستقرار السياسي في المنطقة
جعلها شريكا جذابا لحكومات الشرق الأوسط،
وتفضل الصين التركيز على حرية التجارة،
لكن إلى أي مدى يمكن لبكين الإبقاء على ذلك
المسلك؟.
كما اتفق المشاركون على أن
العلاقات الثنائية بين أمريكا والصين
ستلعب دورا محوريا في تشكيل الدور الصيني
في الشرق الأوسط، وأنه من غير الواقعي أن
تتبع الولايات المتحدة علاقات متوترة
ومواجهة مع الصين حول العديد من القضايا
وبخاصة في الشرق الأوسط.
وعلى الرغم من أن الإعلان عن تلك
العلاقة سيظل غير واضح المعالم، فإن
ماكلوغلين لاحظ أن الدور الصيني يتنامى في
الشرق الأوسط في مقابل المصالح الأمريكية
طويلة الأمد، وأن منطقة الشرق الأوسط إذن
ستبقى منطقة مضطربة.
|