بريدك الالكتروني


English

 

الثلاثاء 16 شوال 1427هـ - 7/11/2006م

أمريكا الشمالية » أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا » تحليلات وآراء
أرسل لصديق
روابط من إسلام أون لاين
  أهم الأخبار

 

الديمقراطيون يتعلمون الدرس الديني البوشوي

محمد عبد الحليم**

بوش أكثر الرؤساء الأمريكيين الذين استخدموا الدين لصالح السياسة

بالمعايير الغربية توصف أمريكا بأنها أمة متدينة؛ إذ يؤمن نحو 90% من الشعب بوجود إله للكون، ومن ثم تظل تأثيرات الدين -التي تصاعدت في العقود الأخيرة- عاملا مؤثرا في الحملات الانتخابية وفي صعود مرشح وهبوط آخر -رئاسيا أو برلمانيا- بغض النظر عن علمانية الدولة التي أُسّست على الفصل بينها وبين الدين.

وقد أذكى جذوة هذا التأثير امتداد دوائره إلى النخبة الصحفية والأكاديمية، وزيادة المساحة المخصصة للتقارير الدينية داخل مطبوعات الصحافة ومراكز الأبحاث، حتى إن الجمعية الأمريكية للعلوم السياسية ذاتها قررت إنشاء فريق بحثي حول العلاقة بين الديمقراطية والدين.

تاريخيا ليس بمستجد أبدا على أمريكا أن يخلط العديد من سياسييها –لا سيما المحافظين منهم (جمهوريين وديمقراطيين)- بين قضايا الولاء الوطني والإيمان بإله، فبالأمس البعيد شن معظم القادة التاريخيين لأمريكا حروبا، وغزوا بلدانا، واستعمروا جزرا بتكليف من الرب، أما بالأمس القريب فقد كسب رونالد ريجان ومستشاروه السياسيون السباق إلى البيت الأبيض من خلال إثارة قلق الديمقراطيين الجنوبيين والمحافظين المسيحيين من الثورة الجنسية، وحقوق الشواذ، وتشريع الإجهاض، وهي قضايا لا تزال تشكل محددا رئيسيا في اختيارات الناخبين حتى الآن.

واليوم تعمق هذا الميل من خلال محاولة جذب المتدينين وتوسيع قاعدتهم التي يرتكز عليها بوش والجمهوريون في تكريس شعبيتهم بين المسيحيين المحافظين، وقد استطاع بوش أن يستخدم لغة دينية خاصة به على نحو لم يفعله أي رئيس أمريكي قبله، وهو الأمر الذي لم يخلق جدلا وطنيا فحسب, بل خلق ثقافة يمكن أن تحدث تحولا في السياسة الاجتماعية الأمريكية بإثارة قضايا يضاف إليها بعد ديني، مثل: استنساخ البشر، والبحث العلمي في الخلايا الجذعية للأجنة واستخدامها، وقضايا الجندر (النوع)، وقيم الأسرة... إلخ.

وينضم لما سبق ربط الهاجس الأمني لدى الأمريكيين بالحرب على الإرهاب التي تم إكسابها صبغة دينية -رغم النفي الرسمي- من خلال عدة تصريحات مثل كونها "حربا صليبية"، وأنها ضد "الفاشيين الإسلاميين"، وحصر معاركها تقريبا داخل بلدان إسلامية أو ضد جماعات إسلامية، وممارسة نوع من التبشير الديني والأخلاقي في السياسات المصاحبة لها، فضلا عن كونها قامت بما يشبه "الوحي" أو "التوجيه" أو "الإلهام" من الرب.

شعب متدين

ومع ذلك فمعظم الاستطلاعات التي تستشف موقف الشعب الأمريكي من الناحية الدينية للإدارة الأمريكية -التي يقودها المحافظون الجدد اليمينيون- تعكس قبولا ورضا، فنتائج عدد من استطلاعات الرأي الأمريكية حول الرؤية الدينية للرئيس بوش وعلاقته بالدين أشارت إلى أن هناك مساحة مشتركة كبيرة بين الشعب الأمريكي حول الموقف من الدين بشكل عام.

فمثلا أجرت شبكة أخبار CBS ثلاثة استطلاعات منذ فبراير 2003 حول الطريقة التي يتحدث بها بوش عن معتقداته الدينية القوية، وقد أجابت الأغلبية في الاستطلاعات الثلاثة بأنها تحب طريقة حديث بوش عن معتقداته الدينية، ولم تتجاوز أعلى نسبة رفض لتلك الطريقة 36%، وجاءت في عام 2004 في أوج الحملة الانتخابية.

وفي استطلاع لمؤسسة Pew أجري أربع مرات منذ عام 2003 رأى 52% من الأمريكيين في الاستطلاع الأخير أن معتقدات الرئيس بوش الدينية وصلواته كانت على النحو المعقول، ورأى 24% أنها كانت أكثر من اللازم، ورأى 14% أنها كانت محدودة جدا، وحول اعتماد بوش على معتقداته الدينية لدى صناعة قرارات السياسة الأمريكية، رأى 53% أنه يعتمد على معتقداته بدرجة معقولة، ورأى 15% أنه يعتمد عليها بدرجة كبيرة جدا، ورأى 21% أنه يعتمد عليها بدرجة محدودة جدا.

وفي استطلاع ثالث أجرته شبكة CBS ونيويورك تايمز ومؤسسة جالوب في يوليو 2005، رأى 39% أن اليمين الديني له تأثير قوي على إدارة بوش، ورأى 39% أنه تأثير معقول، بينما رأى 18% أنه تأثير محدود جدا.

عودة للانتخابات الرئاسية الأخيرة

إن هذا الاستقطاب الديني الواضح قد تناوله معهد بروكينجز بالبحث والتحليل، حيث عقد سلسلة ندوات ناقش فيها قضية السياسات الأمريكية والانقسام الديني، والعلاقة بين الدوائر الانتخابية والاستقطاب الديني، ودور الإعلام في الاستقطاب الديني، وقد اتفق الخبراء والمتخصصون والأكاديميون المشاركون على أن الدين محدد رئيسي للتصويت، وتم رصد ثلاثة اتجاهات رئيسية عامة في العلاقة بين السلوك السياسي والانقسام الديني في الولايات المتحدة، استنادا إلى البيانات الإحصائية حول اتجاهات التصويت في انتخابات الرئاسة الأمريكية في عام 2004. وتبين أن الدين يلعب دوره في خلق حالة الاستقطاب من خلال عوامل أخرى وسيطة مثل: العرق، والطبقة، والولاية... إلخ، وهذه الاتجاهات العامة هي:

ـ وجود علاقة ما بين الالتزام الديني والارتباط بالكنيسة من جانب والسلوك السياسي من جانب آخر، فالأكثر ترددا على الكنيسة وممارسة للشعائر الدينية هم الأكثر ولاء للحزب الجمهوري، بينما الأقل ارتباطا بالكنيسة هم الأكثر ولاء للحزب الديمقراطي.

ـ الولايات الجنوبية هي الأكثر تدينا من الولايات الشمالية، ومن ثم فإن الأولى هي الأكثر تصويتا للحزب الجمهوري، ولذا فهناك اختلاف واضح بين السلوك التصويتي للأمريكيين البيض في الولايات الجنوبية عن الأمريكيين البيض في الولايات الشمالية، فقد حصل الرئيس بوش على 70% بين الأمريكيين البيض في الولايات الجنوبية بالمقارنة بنسب تراوحت حول 50% في باقي الولايات.

ـ الانتماء الطبقي -مقاسا بمؤشر متوسط دخل الفرد- كعامل وسيط ومهم في تأثير الدين على السلوك التصويتي؛ إذ تشير اتجاهات التصويت في انتخابات 2004 وفقا لمستوى الدخل إلى أن نسبة التصويت للحزب الجمهوري [الرئيس بوش] بلغت 43% بين أصحاب الدخول الأقل من 15 ألف دولار سنويا، و51% لأصحاب الدخول (15-30) ألف دولار، وحوالي 100% بالنسبة لأصحاب الدخول الأعلى من 200 ألف دولار، ويعني ذلك أن الحزب الجمهوري هو حزب الطبقة الغنية.

فإذا أضفنا عامل الدين في تلك العلاقة فسوف نكتشف أن الذين صوتوا لصالح بوش داخل فئة أصحاب الدخول الأقل من 15 ألف دولار هم المترددون على الكنيسة مرة أسبوعيا على الأقل [55% لبوش، و44% لجون كيري]، بينما الأكثر فقرا والأقل تدينا هم الأكثر تصويتا لصالح الحزب الديمقراطي [74% لكيري، و24% لبوش]، وأن الأعلى دخلا والأكثر تدينا في شريحة الدخل المقدر بـ150 ألف دولار هم الأكثر تصويتا للحزب الجمهوري [76% لبوش، و23% لكيري]، وأن الأعلى دخلا وغير متدينين هم الأكثر تصويتا للحزب الديمقراطي [56% لكيري، و42% لبوش[.

إن من بين ما يفسر هذا الصعود الديني (نمو الكنائس الإنجليكانية أو الأصولية البروتستانتية مقابل تراجع الكنائس الأخرى) هو انخفاض معدل المواليد داخل الجماعات الدينية ذات التوجهات الليبرالية، وهو ما أدى إلى تراجع كبير في حجم أتباع الكنائس الأساسية ذات التوجهات الليبرالية، إذ لا توجد مؤشرات تؤكد أن هذا الخلل جاء نتيجة تحول أعداد كبيرة من أتباع الكنائس الليبرالية إلى الكنائس المحافظة.

وبالمقابل فإن تزايد عدد مواليد أتباع الكنيسة الإنجليكانية لترابط الأسر بين أتباعها، والحرص على الإنجاب ونبذ الإجهاض، والحرص على التنشئة الدينية لهؤلاء المواليد، يرشح الوضع الحالي على الصعيد الديني في الولايات المتحدة الأمريكية للاستمرار، ومن ثم فإن السنوات القادمة سوف تشهد دورا أكبر للدين في السياسة والانتخابات بأمريكا.

الديمقراطيون يتعلمون الدرس الديني

المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ بوب كيسي

هذا التجذر الديني الواضح لدى الشعب الأمريكي يعد عاملا حاسما إذن في سقوط جون كيري في انتخابات الرئاسة الأمريكية عام 2004 رغم الزخم المناهض للحرب في ذلك الوقت، إذ ركز الديمقراطيون في اختيارهم من بين عشرة مرشحين للرئاسة على بطل محارب قديم له سجل قتالي ناصع، وحائز على أعلى الأوسمة والنياشين العسكرية، في مواجهة بوش الذي ينعت نفسه بـ"رئيس الحرب" رغم انكشاف أمر هروبه من أداء الخدمة العسكرية، مستغلا في ذلك نفوذ أبيه، لكن الذي يبدو أن الديمقراطيين لم يلتفتوا إلى أن أمريكا لم يحكمها منذ نشأتها وعلى مدار تاريخها إلا رؤساء بروتستانت (55 رئيسا)، ولم يحكمها سوى كاثوليكي واحد هو جون كينيدي الذي اغتيل ولم يكمل ولايته.

وهذا ليس من قبيل المصادفة، فلا تزيد نسبة الكاثوليك في أمريكا عن 15% من السكان، وأغلب سكان الولايات المتحدة يدينون بأحد مذاهب البروتستانتية، وينظر أتباع المذهب البروتستانتي إلى الكاثوليكية باعتبارها دينا آخر، وكان المرشح الديمقراطي جون كيري كاثوليكي المذهب، ولم يشفع له أنه قد ذكر في أكثر من مناسبة أن أصوله يهودية، معللا أن أجداده تحولوا إلى المذهب الكاثوليكي فرارا من الاضطهاد في أوروبا.

وتأسيسا على نتيجة الانتخابات الرئاسية 2004 فالظاهر أن الديمقراطيين تعلموا الدرس ولم يغفلوا عنصر الدين في حملاتهم الانتخابية، وأضحى ذلك واضحا في استعداداتهم وحملتهم لانتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي بمجلسيه؛ فالتجربة الانتخابية الرئاسية لعام 2004 أسفرت عن أن الذين صوتوا لصالح بوش هم المترددون على الكنيسة مرة أسبوعيا على الأقل والأكثر تدينا، وهم الذين يصوتون دائما لصالح الحزب الجمهوري في الانتخابات، بينما الأكثر فقرا والأقل تدينا هم الأكثر تصويتا لصالح الحزب الديمقراطي.

إذن فهم بحاجة لأصوات أولئك الذين يذهبون للكنيسة، وبالفعل فقد عثروا على بعض منها كما تشير عناوين الأخبار، إذ تحول مرشحوهم من كارهين للخوض في القضايا الإيمانية والدينية إلى الانزلاق بسهولة نحو الكلام في هذه المسائل بطريقة غير منفرة بل جاذبة، انطلاقا من أرضية الجمهوريين الذين يعتمدون كثيرا على الخطاب الديني في حملاتهم الانتخابية وحشد التأييد لهم، وكثيرا ما أصبح المرشحون الديمقراطيون يستشهدون ويقتبسون من الكتاب المقدس أثناء خطبهم وحملاتهم بين الجماهير الأمريكية.

لقد وجد الديمقراطيون أن ما يلزمهم هو ستة مقاعد إضافية في مجلس الشيوخ و15 مقعدا في مجلس النواب لينتزعوا الأغلبية من الجمهوريين، ويبدو أنهم عبر تكثيف خطابهم الديني في الحملات الانتخابية قد ردموا فجوة كبيرة بينهم وبين الجمهوريين، ومن ثم فالجميع في أمريكا قد تعلم الدرس الديني جيدا.


**محرر بنطاق الأخبار والتحليلات بشبكة إسلام أون لاين.نت.

 
 

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع