 |
|
رموز المحافظين الجدد بالإدارة الأمريكية إلى أين يذهبون بأمريكا وبالعالم؟ |
من عايش تلك الأيام في أكتوبر عام
2001 عايش مشاهد لا يكاد يمكن تصديقها.. دولة
تمتلك من الأسلحة الإجرامية الفتاكة ما
يكفي لتدمير الأرض مرات ومرات، تقصف دولة
تتصدر قائمة الدول الخمس والعشرين،
الأفقر اقتصاديا والأضعف عسكريا والأشد
تخلفا، في عالمنا المعاصر.
وكان القادة العسكريون آنذاك
وعلى رأسهم وزير الدفاع الأمريكي
رامسفيلد ورئيسه بوش الابن "يتباهون"
بقدرتهم على استخدام أسلحة "تقليدية"
من قبيل القنابل العملاقة بزنة مئات
الأطنان، توازي بحجم الدمار الذي تصنعه ما
يمكن أن تصنعه القنابل النووية. وبدأت
بذلك مسيرة أكبر فضيحة عسكرية لأكبر دولة
"ديمقراطية" حديثة، بدءا بمعتقل
جوانتانامو ووحشية منفذي الأوامر فيه ومن
يصدرها من واشنطن، انتهاء بمسلسل
الاعترافات الرسمية، بأن الحرب على "الإرهاب"
أوجدت المزيد من "الإرهاب"، وأن دول
حلف شمال الأطلسي التي سارعت إلى دعم
الدولة المتزعمة للحلف، لا تستطيع القضاء
على "فلول طالبان".
بين الانتقام والتخطيط
لحروب جديدة
للوهلة الأولى بدت الحرب
الأمريكية ضد أفغانستان حربا انتقامية
محضة؛ فالذئب الجريح في عقر داره في
نيويورك وواشنطن، يصب جم غضبه على من تجرأ
عليه. وسرعان ما تبين أن الحملة الأمريكية
الكبرى كانت تنفيذا لمخطط موضوع، ولتجربة
صيغ عسكرية جديدة حملتها إدارة بوش-تشيني-رامسفيلد
معها إلى السلطة، وانتظرت الذريعة
المناسبة لتنفيذها، وأن المخطط ليس "انتقاما
وحشيا"، بل هجمة وحشية، تقوم على سلسلة
من الافتراضات التي تريد الدولة الكبرى
الشروع بوضعها موضع التنفيذ، اختبارا
للوسائل والأدوات المتوافرة لديها،
والنظريات المقرر استخدامها.
من ذلك صيغة خوض حربين كبريين في
وقت واحد، في منطقتين من العالم، بعيدا عن
الحدود الأمريكية. ومنذ بداية العدوان على
أفغانستان بدأ طرح السؤال عن المحطة
التالية، هل ستكون في القرن الإفريقي أم
العراق، ووقع الاختيار على العراق، مع
تلفيق المعلومات الاستخباراتية لكسب
تأييد الأصدقاء الذين أدرك بعضهم لعبة
الهيمنة الدموية فرفض المشاركة فيها، مثل
فرنسا وألمانيا، وأدركها آخرون وقرّروا
المشاركة فيها مثل بريطانيا وأستراليا.
من ذلك أيضا صيغة "الحروب
الوقائية" التي اعتبرت مرحلة جديدة، من
المراحل التي انطلق مسلسلها مع الحرب
العالمية الثانية، وإعلان كل رئيس أمريكي
جديد عن صيغة عسكرية جديدة يتبناها على
طريق الهيمنة، مثل ما سمي "الضربة
النووية الأولى"، فكانت الحرب الوقائية
صيغة عسكرية لتوجيه الضربات العسكرية
المبكرة لمن يمكن أن يشكل خطرا مستقبليا،
ولكن الواقع التطبيقي للحروب الوقائية
جعلها غزوات محضة موجهة "فقط" لمن لا
يملك قوة عسكرية رادعة، واعتداءات مركزة
"فقط" على المنطقة الإسلامية الواعدة
بمستقبل حضاري جديد للبشرية. ورغم ظهور
الإخفاق بعد الإخفاق، في أفغانستان
والعراق والأرض الفلسطينية، لم يتوقف
المسلسل، ولم تتغير معالمه، فبدأ تحويل
الحرب إلى لبنان والتهديد إلى سوريا
والصومال والسودان.
من ذلك صيغة "الحرب الشاملة"،
وهي ما أعطي عنوان "الحرب ضد الإرهاب"،
وكان الإعلان عنها واضحا، أنها غير محددة
الأهداف، وغير محددة الميادين، وغير
محددة الوسائل، بدءا بتوجيه الضربات
لمواقع "القاعدة" بأفغانستان، مرورا
بوضع ذريعة الإرهاب بين ذرائع حروب
عدوانية أخرى كما في العراق وفلسطين،
انتهاء بتشغيل آليات الحصار وتوجيه
الضربات على الأصعدة المالية للمنظمات
الخيرية مثلا، وعلى الأصعدة الإعلامية
كالصحفيين والمراسلين مثلا آخر، بالإضافة
إلى التهديدات الموجهة لدول معينة، لتجند
قواها الأمنية وغير الأمنية في خدمة
الأغراض الأمريكية.
ومن ذلك صيغة "الحرب الجوية عن
بعد" بالطائرات والصواريخ وتجنب
الاشتباكات البرية المباشرة، وهو ما بدأ
تطبيقه في الحرب ضد صربيا بدعوى "إنقاذ
كوسوفا"، ثم كان تطبيقه في أفغانستان
لشدة ضعفها عسكريا؛ وهو ما جعل الإنزال
البري بعد القصف الجوي ممكنا، بينما
استحال الاكتفاء بالحرب الجوية في
العراق، فتحولت الحرب فيه إلى نزيف دموي
لا ينقطع منذ اللحظة الأولى لسقوط بغداد
عسكريا حتى اليوم.
الإخفاق هو الحصيلة
ما هي الحصيلة المبدئية لهذه
الهجمة الأمريكية الأكبر والأشمل في
تاريخ الهيمنة الغربية الحديثة منذ الحرب
العالمية الثانية؟.
هل حققت الولايات المتحدة
الأمريكية هدفا سياسيا أو عسكريا واحدا
يتجاوز حدود التقتيل لمئات الألوف
والتدمير لثروات بلدان بأكملها؟.
لقد بدأ الانقلاب على السياسة
الأمريكية داخليا، ولم يبدأ نتيجة شعور
متأخر بالذنب تجاه الضحايا من غير
الأمريكيين، ولا يمكن قصر أسبابه على
متطلبات معركة انتخابية بعد أخرى، فقد كان
ولا يزال العامل الحاسم في الجولات
الانتخابية هو الأوضاع الاقتصادية
والمعيشية الداخلية، وإن لعبت السياسة
العسكرية الخارجية دورا فقد كانت ممارسة
"العدوان" ترفع أسهم من يمارسه، كما
كان منذ العدوان على جرانادا وليبيا حتى
العدوان على العراق.
كما أنّ الانقلاب لم يبدأ بتأثير
ارتفاع عدد الضحايا الأمريكيين، فبغضّ
النظر عن لعبة الأرقام التي تذكر القتلى
من الجنود النظاميين دون المرتزقة وهم ثلث
القوات الأمريكية في العراق، وبغضّ النظر
أيضا عن اللعبة الإعلامية في منع نقل
الصور الحقيقية لمجرى الحروب الجارية، لم
يبلغ عدد الضحايا الأمريكيين ما كان في
فيتنام وساهم في تكوين معارضة شعبية كبرى
آنذاك.
لقد بدأ الانقلاب الداخلي
سياسيا، من داخل نطاق الحزب الجمهوري
ورئيسه الحاكم ومن داخل الحزب الديمقراطي
المعارض، فكان بسبب إدراك السياسيين
المسئولين حقيقة سقوط الصيغ العسكرية
المذكورة على أرض الواقع.
أخفقت القيادة الأمريكية في
تحقيق نصر عسكري في حربين في وقت واحد،
وأخفقت في ممارسة الحرب الوقائية فتضاعف
العداء للسياسة الأمريكية ليبلغ درجة غير
مسبوقة شعبيا ورسميا على المستوى العالمي
إلى درجة باتت علنية هذا العداء في
المنطقة المجاورة في أمريكا الوسطى
والجنوبية مصدر خطر أكبر على الهيمنة
الأمريكية، وأخفقت الحرب على "الإرهاب"
وظهر الإخفاق من قبل نشر تقرير "الكونجرس"
الأمريكي الذي أُعدّ بطلب من الرئيس
الأمريكي حتى إذا نُشر بغير المحتوى الذي
أراد، أعلن معارضته لمحتواه، وأخفقت
الحرب الشاملة، فبدلا عمّا سُمّي تجفيف
المنابع، كانت مفاجأة المقاومة بفلسطين
ولبنان -والعراق وأفغانستان أيضا- دليلا
مباشرا على ولادة مفعول الإرادة الشعبية
وتحدّيها للهجمة الأمريكية، كما أخفقت
أخيرا صيغة الحرب الجوية، فلم يستقرّ
للاحتلال الأمريكي قرار في أيّ أرض
دمّرتها جوّا بصورة مباشرة كما كان في
أفغانستان والعراق، أو بصورة غير مباشرة
عن طريق ثكنتها الإسرائيلية في الأرض
العربية كما كان في لبنان.
5 سنوات مضت على بداية العدوان
الأمريكي ضدّ أفغانستان، حافلة بالإخفاق
العسكري، علما بأن تعريف "الإخفاق"
عندما يصيب دولة بإمكانات كبرى كالولايات
المتحدة الأمريكية، يختلف عن تعريف
الإخفاق عندما يصيب دولة بإمكانات محدودة
مثل العراق أو دون إمكانات ذاتية أصلا مثل
أفغانستان.
إن العجز عن السيطرة الكاملة رغم
الفارق الهائل في القوى بين المعتدي
والمعتدى عليه هو أول عناوين الإخفاق
العسكري الأمريكي. وإن التحول الاضطراري
للسياسات الأمريكية تجاه الدول الحليفة
والصديقة، من أسلوب الإملاء المتعجرف إلى
أسلوب البحث المشترك عن "مخرج" من
الورطة التي شملت الغرب لا الدولة
الأمريكية وحدها، هو العنوان الثاني
الأبرز من سواه للإخفاق العسكري الأمريكي
الفاضح.
نهاية الهيمنة
ويظهر حجم الإخفاق بأبعاده
التاريخية عندما نقارنه بمسيرة الهيمنة
الأمريكية منذ مطلع القرن الميلادي
العشرين، إذ لم تشهد باستثناء "نكسة
فيتنام" إخفاقا عسكريا يستحق الذكر،
فكانت الولايات المتحدة الأمريكية تنتقل
مرحلةً بعد أخرى، من دولة بسطت سيطرتها
بالحروب إقليميا، شمالا وجنوبا، في أواخر
القرن التاسع عشر الميلادي، إلى دولة
السيطرة على الإرث الاستعماري القديم،
إلى زعيمة للمعسكر الغربي في الحرب
الباردة، إلى دولة كبرى منفردة بميدان
الساحة الدولية بعد سقوط الشيوعية. فهل
يمكن وضع الحروب الأمريكية الجديدة في
مكان ما من هذا المسلسل إلا على مفصل بداية
الانحدار إلى الهاوية؟.
كما تظهر الأبعاد المستقبلية
لهذا الإخفاق عند النظر فيما بدأ يصنعه
على الخارطة السياسية الداخلية في
الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، فلم
يسبق لرئيس أمريكي في ولاية ثانية أن
تدنّى تأييده الشعبي إلى الحضيض كما هو
الحال مع بوش الابن، ولم يسبق أن تحوّل
الحزب الذي ينتمي الرئيس الحاكم إليه عن
تأييد المحاور الرئيسية لسياسته، كما
بدأت الغالبية النيابية تصنع في عهد بوش
الابن، ولم يسبق -باستثناء فيتنام- أن كان
للسياسة العسكرية الخارجية أثر محوري على
معركة نيابية انتخابية، كما ظهر ولو جزئيا
في الوقت الحاضر، هذا علاوة على تساقط
جدران التعتيم الإعلامي السابق عن
الفضائح الأمريكية من صنف جوانتانامو
وأبو غريب والفلّوجة والحديثة والمعتقلات
السرية، جنبا إلى جنب مع سقوط السمعة
السياسية والأخلاقية الأمريكية عالميا
إلى الحضيض.
الرهان على الفرس الخاسر
إذا كانت الهزيمة في فيتنام قد
قطعت مسلسل مسيرة الهيمنة الأمريكية ردحا
من الزمن، فإن تراكم صور الإخفاق العسكري
الآن يأتي في مرحلة تؤكّد أنه البداية
لانحسار مسيرة الهيمنة هذه نهائيا، لا
سيما أن المعطيات الدولية عند هزيمة
فيتنام لم توجد آنذاك بديلا عن الزعامة
الأمريكية للمعسكر الغربي، وإن اقترنت في
حينه ببدء مسيرة استقلالية المجموعة
الأوروبية وصعودها دوليا، أما في الوقت
الحاضر فلم يعد يمكن تجاهل وجود قوى دولية
تعمل للتحرك بمعزل عن الزعامة الأمريكية،
أو على الأقل في مواقع المنافسة والمعارضة
لها، إلى جانب مواقع التحالف والتعاون
المصلحي معها، كما هو الحال مع المجموعة
الأوروبية، والاتحاد الروسي، والصين
الشعبية، ويمكن أن نضيف بحذر بوادر إعادة
الحياة لصيغة جديدة لمجموعة عدم
الانحياز، رغم الضعف الشديد في بنيتها
الهيكلية حاليا.
ولئن دار الحديث عن "الإخفاق
العسكري" فلا يخفى أنه جزء من الإخفاق
على مستويات أخرى، سياسيا بعد أن أصبحت
السياسة مرتبطة بتوظيف القوة العسكرية في
خدمتها، واقتصاديا أيضا، فلم يعتمد
اقتصاد وطني قطّ على استغلال خارجي،
للثروات والأسواق معا، كما صنعت الدولة
الأمريكية لعقود عديدة، وهي في أوج
عنفوانها العسكري والسياسي، وهذا بالذات
ما يرجّح أن الاعتماد على معادلة صناعة
القوة الاقتصادية للنجاح العسكري
والسياسي، سينقلب رأسا على عقب فيصنع
الإخفاقُ العسكري تراجعا اقتصاديا وماليا.
وبعد أن نجحت الآلة الإعلامية والثقافية
والسينمائية الأمريكية في جعل "الحياة
على الطريقة الأمريكية" هدفا للأجيال
الشابة زمنا طويلا، بدأت حركة معاكسة
بقوّة متصاعدة، كما يشهد التفاعل العالمي
مع فضائح أبو غريب وجوانتانامو وأخواتهما.
إن الحصيلة البائسة أمريكيا
للسنوات الخمس الماضية على غزو أفغانستان
وانطلاق الهجمة الشاملة الجديدة، كشفت
أيضا عن أن المنطقة العربية بالذات
والإسلامية عموما، تمثّل في الوقت الحاضر
البقعة البيضاء الباقية على طريق الخضوع
والتبعية في الخارطة السياسية العالمية،
على النقيض من التحوّلات الجارية في أقصى
المشرق وجنوب شرق آسيا، وفي أقصى المغرب
في الأمريكتين الوسطى والجنوبية. وليس من
المفارقات التاريخية أن يكون الإخفاق
الأكبر في تاريخ الولايات المتحدة
الأمريكية على أرض تلك البقعة الأضعف، ما
بين أفغانستان والعراق، وفي فلسطين
ولبنان، وسيشمل على الأرجح الصومال
والسودان أيضا.
آن الأوان أن يدرك الجميع في هذه
"البقعة البيضاء" أن الرهان على
الارتباط بالسياسة الأمريكية هو رهان على
"الفرس الخاسر" في القرن الميلادي
الحادي والعشرين، فلن يكون قطعا "قرنا
أمريكيا" كما أراده المحافظون الجدد
ورئيسهم بوش الابن، وقد دمّروا في سنواته
الأولى بسياساتهم ما سبق أن حقّقته دولتهم
لنفسها عندما كان القرن العشرون الميلادي
قرنا أمريكيا بالفعل بمنظور مسيرة
الهيمنة.
|