English

 

12:15 مكة - السبت 11 رجب 1427 هـ - 5/8/2006م

أمريكا الشمالية » أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا » تحليلات وآراء
أرسل لصديق
روابط من إسلام أون لاين
ملفات وصفحات
 أهم الأخبار

 

"دبلوماسية المواطن" لتجميل أمريكا بعد مذابح لبنان

محمد جمال عرفة**

الفتوة الأمريكي .. أصبح هو الصورة السلبية لأمريكا في المنطقة العربية

في الوقت الذي كان الرئيس الأمريكي جورج بوش يساوي بين مذبحة قانا وفزع الإسرائيليين من صواريخ حزب الله، ويؤكد أن مذبحة قانا التي راح ضحيتها أكثر من ٦٠ مدنيا لبنانيا معظمهم من الأطفال تعد على نفس القدر من البشاعة مع الرعب الذي يشعر به مليون إسرائيلي من صواريخ حزب الله، ويجزم أن "إسرائيل دولة ذات سيادة وفي حالة دفاع عن النفس"، كان العجب يدور في الكواليس الأمريكية في محاولة طريفة لتحسين صورة أمريكا في العالم العربي والإسلامي بعد مذابح لبنان.

دبلوماسية المواطن لتحسين الصورة

فمع بلوغ المشاعر المناهضة للولايات المتحدة مستويات غير مسبوقة في كل أنحاء العالم، على حد وصف وكالة "رويتر" للأنباء، بدأ الأمريكيون العاديون الذين يساورهم القلق من تدني مكانة بلادهم "حملة شعبية" لتغيير المفاهيم السائدة في العالم عن الولايات المتحدة تحت شعار "مصافحة المواطن تلو الآخر" بعيدا عن الدور الحكومي الفاشل في تحسين صورة أمريكا الذي تتولاه كارين هيوز، ثالثة مسئولة أمريكية تتولى منصب مساعد وزير الخارجية "للدبلوماسية العامة" المسئولة عن "تحسين" صورة الولايات المتحدة في العالم الإسلامي.

والغريب أن أحدا لم يتلفت إلى أن "هيوز" كانت ضمن وفد وزيرة الخارجية الأمريكية رايس التي زارت لبنان وإسرائيل مؤخرا، ولكنها لم تصدر أي تصريحات وهي ترى صورة بلادها تزداد سوءا في المنطقة بسبب رفض أمريكا وقف إطلاق النار في لبنان لإنقاذ الأبرياء من آلة القتل الإسرائيلية رغم أن السبب الرئيسي لفشل مسئوليتي الدعاية الأمريكية السابقتين (شارلوت بيرز ومارجريت تاتويلر)، وتشويه صورة الولايات المتحدة في العالم الإسلامي هو دعمها الظالم للاحتلال الإسرائيلي، حسبما أظهرت دراسة لمجموعة (تشارني للأبحاث) في مايو الماضي 2006.

ويبدو أن هذا الفشل الرسمي الأمريكي لثالث مسئولة أمريكية تتولى ملف تحسين صورة بلادها، كان وراء فكرة (الحملة الشعبية) بعيدا عن إدارة بوش العدوانية الفاشلة لتحسين صورة أمريكا؛ حيث تدور الفكرة حول تحويل ملايين من الأمريكيين إلى "مواطنين دبلوماسيين" يستغلون لقاءاتهم الشخصية مع الأجانب للرد على الصور القبيحة للولايات المتحدة التي ظهرت في سلسلة من استطلاعات الرأي العام التي أجريت في دول العالم.

أما الدافع لمحو هذه الصورة السيئة لأمريكا فهو أن الموقف السلبي من العالم العربي والإسلامي تجاه أمريكا لم يعد يقتصر على السياسات الأمريكية فحسب؛ بل تجاه الشعب الأمريكي نفسه أيضا، وحتى تجاه المنتجات الأمريكية بشكل متزايد مع تصاعد حملات المقاطعة العربية الشعبية في العالم للمنتجات الأمريكية والمخاوف من تكرار تجربة مقاطعة المنتجات الدانماركية الناجحة عربيا عقب أزمة الرسوم المسيئة.

وتتلخص هذه الفكرة الأمريكية في تكوين ائتلاف بين جماعات على المستوى الوطني ومستوى الولايات ومستوى الجاليات؛ حيث شكل زعماء أكثر من 30 من منظمات المجتمع المدني ما سمي "ائتلاف دبلوماسية المواطن" الذي يضم ("سيستر سيتيز إنترناشيونال" أو مؤسسة الأخوات، وبرنامج منحة فولبرايت، والمجلس الوطني للزائرين الدوليين، وآخرين)؛ وذلك للقضاء على الانحدار المتواصل لمكانة الولايات المتحدة على الساحة الدولية، والرد على هذا التحول الجذري عالميا باتجاه كراهية أمريكا وتوقف التعاطف الكامل تقريبا بعد هجمات 11 سبتمبر 2001.

وقد عقد هذا الائتلاف أول قمة على مستوى الولايات المتحدة في يوليو 2006 في واشنطن؛ حيث أبدى المشاركون أسفهم على الحالة التي آلت إليها صورة الولايات المتحدة، لكنهم قالوا إن هناك أملا في أن يتمكن العمل الفردي والتعاملات بين الشعب الأمريكي والشعوب الأخرى على مستوى العالم من تحقيق تقدم في تحسين الوضع.

ومع هذا فقد صدرت اعترافات من بعض أكثر المشاركين تفاؤلا في هذا الاجتماع بأنهم لا يعتقدون أن دبلوماسية المواطن يمكن أن تنهي سريعا اتجاها أصبح يتسارع بحدة في ظل رئاسة جورج بوش الذي تعرضت الكثير من قراراته في السياسة الخارجية للانتقاد، ووصفت بأنها من جانب واحد ومتعجرفة!.

فكراهية الولايات المتحدة في رأي هؤلاء في عهد بوش أصبحت متغلغلة لحد أنه حتى في بطولة كأس العالم لكرة القدم الأخيرة التي نظمت في ألمانيا كان الفريق الأمريكي هو الفريق الوحيد الذي طلب منه عدم وضع علمه فوق الحافلة التي تقل الفريق خشية إثارة غضب الناس أو تعرضه لهجمات من أي نوع.

التبادل الثقافي والتجاري لغسيل المخ

قانا (2) وجه آخر لكراهية أمريكا في العالم الإسلامي

ولأن هذا العداء والكراهية لأمريكا أصبح أمرا متجذرا في العالم، وقد رصده (أندرو كوهوت) مدير مركز أبحاث (بيو) للشعوب والصحافة في كتاب جديد بعنوان "أمريكا ضد العالم"، أكد فيه أن المشاعر المناهضة لأمريكا "أصبحت أكثر تغلغلا ومختلفة من حيث الكيف عما كان عليه الحال في الماضي عندما كانت هذه المشاعر تعزى بصورة كبيرة للسياسات الأمريكية التي لا تلقى شعبية"، فقد ركزت هذه الدبلوماسية الشعبية الأمريكية على أساليب الاتصال المباشر مع غير الأمريكيين خصوصا العرب كنوع من غسيل المخ.

والمفلت هنا أيضا أن هذه البرامج تدعمها بقوة -ماديا ومعنويا- الحكومة الأمريكية وتنسق معها كارين هيوز المسئولة الحكومية لتحسين الصورة الأمريكية في العالم، بل إن زيارة هيوز لمصر والسعودية وتركيا في سبتمبر 2005 تركزت على هذا القطاع الثقافي، ومد يد العون لبرامج مثل برامج التبادل الثقافي على اعتبار أن من زاروا أمريكا تولد لديهم انطباع عن البلاد أكثر إيجابية ممن لم يزوروها.

ولهذا كان الجانب الآخر المهم من الصورة هو السعي لاستغلال التجارة والتعامل مع رجال الأعمال في العالم في العمل الدبلوماسي بهدف تعبئة مساندة الشركات الأمريكية للدبلوماسية الشعبية ليقوم بها المسافرون لإبرام صفقات تجارية من جهة، ولضمان أن يلعب الطرف الآخر الذي يتعامل تجاريا مع أمريكا دورا في تحسين صورة أمريكا من جهة أخرى.

ويشرح "كيث رينهارد" رئيس مجموعة (التجارة من أجل الدبلوماسية) أهمية دور التجارة في تحسين صورة أمريكا بقوله: "على الشركات الأمريكية الاهتمام بوضع أمريكا في العالم؛ لأن المشاعر المناهضة للولايات المتحدة سيكون لها أثر سيئ على التجارة إن عاجلا أو آجلا، كما أن الشركات الأمريكية في حاجة إلى عالم يرحب بالماركات الأمريكية ويقدرها بعدما أصبح هذا الأمر في تراجع مستمر".

توزيع أدوار

ويبدو أن فكرة الدبلوماسية الشعبية الأمريكية ما هي إلا توزيع أدوار بين مؤسسات تجارية وثقافية أمريكية – تخسر ماديا نتيجة المقاطعة العربية – وبين الجهات الحكومية الأمريكية، بحيث لا يظهر المسئولون الأمريكيون الحكوميون في الصورة ويتركوا الأمر للجهات الشعبية أو بمعنى أدق التجارية والثقافية الأمريكية التي تتربح من تحسين صورة أمريكا في ترويج منتجاتها في العالم العربي والإسلامي.

ولهذا يلاحظ أن غالبية المشاركين في ائتلاف الدبلوماسية الشعبية هذه هم من الشركات التجارية الأمريكية حيث تضم هذه الجماعة في مجلس إدارتها – علي سبيل المثال - مسئولون من شركات (إكسون) و(ماكدونالدز).

ومن الواضح أن مشكلة هيوز -وزملاءها السابقين المستقيلين- ومشكلة من يقومون عموما بمهمة تحسين صورة أمريكا أن هذه الجهود التي يبذلونها لا يقابلها على الطرف الرسمي الأمريكي فعل جدي لإقناع العرب والمسلمين بصدق النوايا الأمريكية باتجاه مصالحة مع الشعوب العربية والإسلامية، وهو أمر تعترف به مراكز الأبحاث الأمريكية نفسها التي بدأت تقدم مساعداتها لهذه المسئولة الأمريكية الجديدة، فالسبب الأساسي لتشويه صورة الولايات المتحدة في العالم الإسلامي – وفق هذه الأبحاث الأمريكية وشهادات المسئولتين السابقتين في ذات الإدارة - هو دعمها غير المنطقي للاحتلال الإسرائيلي، وتجاهل واشنطن لكل المبادئ والقوانين الدولية لدرجة رفض انصياع جنودها وقادتها للمحكمة الجنائية الدولية ومحاولة طلب حصانة لهم في كل دول العالم من المحاكمة.

بل إن مسئولة تحسين صورة أمريكا السابقة "شارلوت بيرز" روت في سردها لأسباب استقالتها قصصًا تعبر عن الإحباط المتزايد لفشل مهمتها عن سياسات أمريكية تساند إسرائيل، وأخرى تعادي العرب والمسلمين سواء في أمريكا ذاتها أو في بلاد أخرى وقالت: "إن تجميل صورة الولايات المتحدة تعتبر مهمة مستحيلة".

أيضا اعترفت كل من تولت مسئولية هذا الملف حتى الآن أن العلاقات الأمريكية الغريبة مع تل أبيب ودفاعها عن المصالح الإسرائيلية ولو على حساب المصالح الأمريكية كان أهم سبب لكراهية المسلمين لأمريكا، ومع هذا لم تراع إدارة بوش هذه التوصيات.

وخطورة جرائم الحرب الأخيرة في لبنان أن من يتحملها لم يعد فقط الاحتلال الصهيوني، ولكنها أصبحت مسئولية مباشرة لإدارة بوش التي لم تقتصر على مساندة هذه الجرائم والعدوان، بل وشجعت تل أبيب على الاستمرار في العدوان ووقفت ضد صدور قرار بوقف إطلاق النار واعترضت حتى على مجرد إدانة تل أبيب في مجلس الأمن بسبب مذبحة قانا الثانية؛ وهو ما يعني أنها تؤيد المذابح، بل إنها اعترضت على إدانة إسرائيل عندما قتلت عمدا أربعة من قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام في لبنان.

تحسين صورة أمريكا سواء رسميا أو شعبيا محكوم عليه بالفشل مقدما، وخطط التحسين بعد مجازر لبنان وفلسطين ليست في أفضل الحالات، اللهم إذا كانت تمهيدا لأمر أخطر هو الشرق الأوسط الجديد الذي سوف تستفيد منه الشركات الأمريكية والأوروبية قبل إسرائيل!.


** المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت.

 

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع