 |
|
بوش ورايس يناقشان الأزمة اللبنانية مع أعضاء بالكونجرس في البيت الأبيض 18 يوليو 2006 |
ليست إدارة المحافظين الجدد في
الولايات المتحدة هي فقط من يؤجج حريق
الشرق الأوسط عبر إطلاق ذراع إسرائيل
العسكرية لتدمير لبنان والقضاء على حزب
الله، لكن التصويت بالإجماع، من كل من
أعضاء الحزبين الجمهوري والديمقراطي، على
الدعم غير المشروط للهجمات الإسرائيلية
على لبنان وقطاع غزة كان ملفتا أيضا.
فقد صوت مجلس النواب الأمريكي في
20 يوليو 2006 بغالبية 410 صوت إلى 8 أصوات على
دعم الهجمات الإسرائيلية الأخيرة دعما
غير مشروط. وبالمثل وافق مجلس الشيوخ على
قرار مماثل بعد أن أسقط هذه العبارة من
مشروع القرار، وهي: "نحث جميع الأطراف
على حماية المدنيين الأبرياء والبنية
التحتية"، وبالعكس أثنى على إسرائيل
لتقليلها خسائر المدنيين"، كما يمتدح
القرار الرئيس الأمريكي جورج بوش "لدعمه
الكامل لإسرائيل" بالرغم من أن بوش حال
دون الجهود الدبلوماسية الرامية إلى وقف
إطلاق النار.
هذان القراران يكشفان عن
الموافقة على شرعية إلقاء الولايات
المتحدة وحلفائها بالأعراف القانونية
الدولية عرض الحائط تحت ذريعة محاربة
الإرهاب. ويذهبان أبعد من ذلك، إذ يضعان
ترجمة جديدة لميثاق الأمم المتحدة، بزعم
أن الهجمات الإسرائيلية على البنية
التحتية المدنية في لبنان تأتي في إطار
دفاع شرعي عن النفس طبقا للمادة 51 من
الميثاق، رغم الإجماع العريض لأساتذة
القانون الدولي على عكس ذلك.
 |
|
ستيفن زونس |
في هذا السياق يقدم "ستيفن
زونس" أستاذ العلوم السياسية بجامعة
سان فرانسيسكو الأمريكية، ومدير تحرير
شئون الشرق الأوسط بمجلة "فورين بوليسي
إن فوكس"، قراءة لمحتوى القرار الذي صوت
عليه الكونجرس.
وفيما يلي البنود العريضة لنص
القرار (باللون الأحمر) ثم تعليق ستيفن
زونس عليها (باللون الأسود):ـ
"في إطار الهجوم
غير المبرر على الأراضي الإسرائيلية غير
المتنازع عليها في 12 يوليو 2006، قام عناصر
من حزب الله الإرهابي النشط بجنوب لبنان
بقتل 3 جنود إسرائيليين واحتجزوا رهينتين
آخرين".
رغم أن تصرف حزب الله غير شرعي
واستفزازي، فإنه لم يكن "غير مبرر".
فإسرائيل تحتجز عشرات المواطنين
اللبنانيين، ويأمل حزب الله في إنجاز صفقة
لتبادل الأسرى، وسبق أن نجح الجانبان
بالفعل في التفاوض لتبادل أسرى، ويبدو أن
أسر الجندي الإسرائيلي على الحدود
اللبنانية كان ثأرا للاعتداءات
الإسرائيلية المستمرة على المدنيين بقطاع
غزة.
"ورغم تنفيذ
إسرائيل الكامل لقرار مجلس الأمن الدولي
رقم 425 (1978) بسحبها جميع قواتها من لبنان...
كما أكد الأمين العام للأمم المتحدة كوفي
عنان في 16 يونيو 2000..."
الواقع أن عودة القوات
الإسرائيلية للأراضي اللبنانية يضعها مرة
أخرى أمام خرق لقرار مجلس الأمن 425 ولتسعة
قرارات أخرى تابعة له، كما أن إسرائيل لم
يسبق أن نفذت القرار 425 بشكل كامل؛ ورغم
تصريحات عنان في يونيو 2000 إلا أنه انتقد
أيضا الخروقات الإسرائيلية المتكررة
للحدود الجوية اللبنانية قبل فترة كبيرة
من اندلاع الصراع الأخير، ووصفها بالعمل
"الاستفزازي" الذي يناقض تطبيق
إسرائيل للقرار 425.
"ورغم تبني
الحكومة اللبنانية قرار مجلس الأمن رقم 1559
فإنها فشلت في تفكيك حزب الله ونزع سلاحه،
وتركته يحصل على 13 ألف صاروخ... وضمته
للحكومة.."
أولا: القرار 1559 لا يطالب بتفكيك
حزب الله أو أي حزب لبناني؛ فقط نزع سلاح
ميليشياتهم.
ثانيا: الشكل الوحيد الذي أدمج به
حزب الله في الحكومة هو اختيار أحد أعضاء
حزب الله لمنصب وزير الكهرباء والمياه، من
بين 24 وزيرا آخرين. وتقليديا تحصل الأحزاب
التي لها مقاعد بالبرلمان على مقعد
بالوزارة.
ثالثا: في اجتماع مجلس الأمن
يناير الماضي الذي بحث تطبيق القرار 1559،
وافقت الولايات المتحدة والأعضاء على
بيان "أشار بقلق إلى انتقالات للأسلحة
إلى الأراضي اللبنانية.. وطالب الحكومة
اللبنانية بإجراءات تجاهها". وهذا يشير
إلى أن الحكومة اللبنانية لم تسمح لحزب
الله بالحصول على أسلحة جديدة، ولكن
المشكلة هي أن قواتهم القليلة والضعيفة –والتي
ازدادت ضعفا بعد الهجوم الإسرائيلي- لم
تتمكن من منع ذلك.
وخلاصة ذلك أن هذه العبارة من
القرار البرلماني الأمريكي مصممة لتبرير
الهجوم الإسرائيلي ليس على حزب الله فقط،
ولكن على لبنان كله.
".. قوة حزب الله
تأتي بشكل رئيسي من الدعم المادي والعسكري
والسياسي الذي تقدمه سوريا وإيران".
الدعم السوري والإيراني لحزب
الله تضاءل بشكل كبير خلال السنوات
الماضية خاصة منذ انسحاب إسرائيل من جنوب
لبنان.
وتنبع قوة حزب الله من الدعم
الشعبي له خاصة من الأقلية الشيعية التي
عانت الفقر والتشرد بسبب الاحتلال
الإسرائيلي المدعوم أمريكيا على جنوب
لبنان بين عامي 1978 و2000، والقصف الإسرائيلي
المدعوم أمريكيا على المناطق الشيعية من
السبعينيات وحتى التسعينيات، والسياسات
الاقتصادية الليبرالية الجديدة التي
تبنتها الحكومة اللبنانية بدعم أمريكي
والتي دمرت الأنشطة الاقتصادية التقليدية.
ونتيجة لذلك أجبر مئات الآلاف من
الشيعة على مغادرة قراهم الجنوبية إلى
المخيمات بالضواحي الجنوبية من بيروت،
ووجدوا دعمًا من شبكات الخدمات
الاجتماعية التابعة لحزب الله، وأصبح
هؤلاء يدعمون مبادئ حزب الله السياسية وإن
كانت إرهابية؛ ومن ثم قوة حزب الله كانت
نتيجة حتمية للسياسات الأمريكية
والإسرائيلية.
"ويستمر الحرس
الثوري الإيراني في العمل بجنوب لبنان،
ويقدم الدعم لحزب الله ويتحكم بشكل غير
مباشر في العمليات الميدانية".
غالبية الحرس الثوري الإيراني
عادوا إلى إيران منذ أعوام، فبينما لعبوا
دورا هاما في تسليح ميليشيات حزب الله
أوائل وأواسط الثمانينيات، إلا أن
تواجدهم الآن أصبح ضئيلا وهم بالتأكيد لا
يتحكمون في العمليات الميدانية، كما أن
أعداد مقاتلي حزب الله تضاءلت منذ انسحاب
إسرائيل عام 2000، وبدأت الحركة تولي
اهتماما أكبر للسياسة والخدمات
الاجتماعية، وتبدو ادعاءات بوش بأن حزب
الله يتصرف بالوكالة عن إيران غير منطقية،
فلا يعقل أن يأمر حزب سياسي شعبي مليشياته
المسلحة بإثارة حرب مدمرة فقط لإرضاء حليف
أجنبي.
"وتكررت مطالبات
مجلس النواب بتطبيق قرار مجلس الأمن 1559
بشكل كامل"
لم يطالب مجلس النواب أبدا
بتطبيقٍ كامل لقرار مجلس الأمن رقم 425
والتسعة قرارات الأخرى المترتبة عليه
التي ألزمت إسرائيل بالانسحاب من لبنان
خلال 22 عاما من الاحتلال، ولم يطالب أبدا
بتطبيق كامل للقوانين رقم 446 و451 و465 و472
التي تطالب إسرائيل بسحب مستوطناتها غير
الشرعية من الضفة الغربية المحتلة
ومرتفعات الجولان، ولم يطالب بتطبيق أي من
القرارات التي تنتهكها حاليا إسرائيل
والمغرب وتركيا وباكستان وحلفاء آخرين
لأمريكا.
ويبدو أن هناك اتفاقا بين نواب
الحزبين الرئيسيين الأمريكيين –كما هو
الحال في إدارة بوش- على أن قرارات مجلس
الأمن تسري فقط على الحكومات والحركات
التي لا تروق لأمريكا.
"وقال الرئيس بوش
في 12 يوليو 2006: إن العمليات الإرهابية لحزب
الله تهدد الأمن اللبناني، وتمثل إهانة
لسيادة الحكومة، وإن تلك العمليات ليست في
صالح الشعب اللبناني؛ إذ لا يجب أن تبقى
ثرواته رهنا لمصالح النظامين السوري
والإيراني، وأكد أكثر من مرة على مسئولية
سوريا وإيران عن الهجمات الأخيرة".
لكن الحكومة اللبنانية الموالية
للغرب برئاسة فؤاد السنيورة، والأحداث
الأخيرة كلها تشير إلى أن الحكومة
الإسرائيلية المدعومة أمريكيا -وليس حزب
الله- هي التي تمثل أكبر تهديد لأمن لبنان
وأخطر إهانة لسيادته.
وتهدف عمليات حزب الله السياسية
والعسكرية إلى تحقيق أجندتها السياسية
وليس مصلحة سوريا أو إيران، ومن المخيب
للآمال أن غالبية النواب الديمقراطيين
يثقون ببوش رغم سلسلة ادعاءاته الكاذبة.
"ونخلص إلى إدانة
مجلس النواب لحماس وحزب الله لاشتراكهم في
هجمات مسلحة مؤسفة وغير مبررة ضد إسرائيل،
واحتجاز رهائن، وقتل جنود واستهداف
مدنيين إسرائيليين دون تمييز".
بالرغم من أن هذه الإدانة ملائمة،
فإنه من الملاحظ أن القرار لم يدن هجمات
إسرائيل على الأراضي اللبنانية،
واستهدافها المدنيين، وهو ما يدعم الفكرة
العنصرية التي تقول إن أراضي إسرائيل
ومدنييها أهم من أراضي لبنان ومدنييها.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن حزب الله لم يقتل
مدنيا إسرائيليا واحدا في هجماته، حتى قبل
انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000.
"كما ندين حماس
وحزب الله لاستخدامهم المدنيين كدروع
بشرية، بوضع معداتهم وقواعد عملياتهم –بما
فيها الصواريخ والأسلحة- في أماكن مأهولة
تضم بيوتا ومساجد".
هذه العبارة تبدو مصممة لتحميل
اللبنانيين -بدلا من القوات الإسرائيلية-
المسئولية عن قتل المدنيين الأبرياء،
وكما تشير منظمة "هيومن رايتس ووتش"
فإن "إنزال قوات مسلحة في مناطق مأهولة
يعد خرقا للقانون الدولي الإنساني، لكن
هذا لا يعفي إسرائيل من التزامها باتخاذ
جميع الاحتياطات لتقليص الضرر على
المدنيين وممتلكاتهم خلال العمليات
العسكرية".
وكما أنه ليس من المألوف أن تضع
ميليشيات مسلحة تتمتع بتأييد شعبي
أسلحتها قرب المدنيين، فلم يستطع أي من
النواب الأمريكيين الداعمين للقرار
الاستشهاد بحالة واحدة موثّقة بشكل مستقل
قام فيها حزب الله بـ"استخدام المدنيين
كدروع بشرية".
"ونقدر التزام
إسرائيل الطويل بتقليل الخسائر المدنية،
ونرحب بالجهود الإسرائيلية المستمرة لمنع
سقوط ضحايا مدنيين".
هذا يناقض تماما تقارير منظمات
حقوقية مثل الصحفيين الدوليين وهيومن
رايتس ووتش وأمنستي إنترناشيونال والأمم
المتحدة، التي تشير إلى أن إسرائيل لم
تلتزم بذلك؛ فقد قتل أكثر من 300 مدنيا
لبنانيا إلى الآن -بلغ هذا العدد حتى مساء
الثلاثاء 25 يوليو 413- أغلبهم كانوا بعيدا
عن منشآت حزب الله العسكرية.
واعتبرت لوويس أربور المفوض
الأعلى للجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم
المتحدة "القصف الإسرائيلي غير المميز
للمدن استهدافا للمدنيين". وانتقدت
هجوم حزب الله على المناطق المدنية
بإسرائيل.
ولم تستطع مكاتب البرلمانيين
التي اتصلت بها -أي ستيفن زونيس- إفادتي
بمعلومات تخالف تلك التقارير، وعليه
يعتبر تأييد 410 نائبا أمريكيا لهذا القرار
تحديا منهم لمصداقية المؤسسات الحقوقية،
واستعدادا لإخفاء الحقيقة بهدف تدعيم
جهود بوش الرامية إلى إضعاف القانون
الإنساني الدولي.
"نطالب حكومتي
سوريا وإيران أن تأمرا حماس وحزب الله
بإطلاق سراح الجنود الإسرائيليين الأسرى
فورا ودون شروط".
بغض النظر عما إذا كانت إيران أو
سوريا مستعدتين للتعاون من أجل إطلاق سراح
الجنود، إلا أنهما لا يستطيعان توجيه حماس
وحزب الله، ويهدف توجه الكونجرس لتضخيم
حجم تأثير إيران وسوريا على الحركتين، إلى
الترويج للأجندة اليمينية الدولية التي
يتبناها الجمهوريون.
"نؤكد على أن كل
الحكومات التي قدمت الدعم المستمر لحماس
وحزب الله مشتركة في المسئولية عن أسر
الجنود والهجمات ضد إسرائيل... وندين
الحكومتين الإيرانية والسورية لدعمهم
المستمر لحزب الله وحماس..".
تبدو هذه العبارة مبررا قانونيا
مستقبليا لشن هجمات على سوريا وإيران، لكن
ما يثير السخرية حقا، أن أكبر داعم فعلي
لحماس ليس سوريا أو إيران وإنما السعودية
وغيرها من الدول الخليجية المدعومة
أمريكيا، كما أن الحكومة العراقية
المدعومة أمريكيا لها علاقات قوية بحزب
الله، لكن بذكر سوريا وإيران فقط، يبدو أن
الكونجرس ليس مهتما فعلا بـ"كل
الحكومات" التي تدعم تلك الجماعات، لكن
بالحكومات التي لا تعتبرها الولايات
المتحدة حليفا لها.
وأخذا في الاعتبار أن الهجمات
الإسرائيلية قتلت مدنيين أكثر من حزب الله
وحماس، لماذا لا تدان إدارة بوش لدعمها
للهجمات الإسرائيلية ضد اللبنانيين
والفلسطينيين؟.
"وندعم حق إسرائيل
في الدفاع عن نفسها، بتنفيذ عمليات داخل
إسرائيل أو على أراضي الدول التي تهددها،
وهذا يتماشى مع القانون الدولي - المادة 51
من ميثاق الأمم المتحدة".
المادة 33 تلزم جميع الأطراف
باللجوء أولا للمفاوضات والوساطات
والمشاورات والتحكيم والتسوية القضائية
واللجوء إلى المنظمات الإقليمية، وغيرها
من الوسائل السلمية"، وهو ما رفضته
إسرائيل، أما المادة 51 فتعطي الحق في
مقاومة الهجوم المسلح وليس استخدام حادثة
حدودية صغيرة كمبرر لشن حرب واسعة النطاق
ضد دولة بأسرها، خاصة أن الجماعة المسلحة
المتسببة في الحادثة هي ميليشيا خاصة
وليست الجيش النظامي للبلاد.
"نثني على الرئيس
الأمريكي لدعمه الكامل لإسرائيل في ردها
على هذه الهجمات الإرهابية".
الرئيس الأمريكي يبدو الوحيد بين
الدول الغربية الذي يدعم إسرائيل كلية في
هجومها على لبنان، ويعتبر دعم الكونجرس
لبوش تحديا للإجماع الدولي.
"ونحث الرئيس
الأمريكي على وضع كل العقوبات السياسية
والدبلوماسية والاقتصادية تحت تصرف
الحكومة الأمريكية لاستخدامها ضد سوريا
وإيران".
باعتبار أن إدارة بوش بالفعل
أخذت أشد هذه العقوبات ضدهما، فإنه من غير
الواضح ما يمكن أن تفعله أكثر من هذا، وليس
أمام بوش أي ضغوط جديدة يمارسها سوى اتخاذ
إجراء عسكري.
"نطالب حكومة
لبنان بفعل ما بوسعها لإيجاد وتحرير
الجنود المختطفين والمحتجزين داخل لبنان".
إسرائيل تقصف الجيش والمؤسسات
الرسمية اللبنانية، ودمرت كل الجسور التي
تصل المنطقة الوسطى (حيث تقع الأجهزة
الأمنية والحكومية) ومعاقل حزب الله
الجنوبية (حيث يحتجز الجنود)، ولذلك من
الصعب فهم كيف يمكن للحكومة اللبنانية أن
تنفذ ذلك، كما أن النواب لم يأتوا على ذكر
المواطنين اللبنانيين المختطفين من جانب
إسرائيل.
|