بريدك الالكتروني


English

 

10:00 مكة - السبت 12 جمادى الآخرة 1427 هـ - 8/7/2006م

أمريكا الشمالية » أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا » تحليلات وآراء
أرسل لصديق
روابط من إسلام أون لاين
  أهم الأخبار

 

جوانتانامو.. خطيئة حكومة أم خطيئة نظام؟!

نبيل شبيب**

معتقل جوانتانامو وجرائم ضد الإنسانية

جوانتانامو.. ليست مجرد معتقل مخالف للقانون، بل هي مذبحة للقيم وللقوانين وللإنسانية، بصورة غير مسبوقة. هي حالة رهيبة بشعة تجاوزت سائر ما سواها من حالات التعسف والإجرام الاستبدادي الدولي في تاريخ البشرية، وسجّلت وتسجّل ما لا ينقطع من الانتهاكات الفاضحة للمواثيق والأعراف البشرية، على صعيد التعامل مع مقدسات الأسرة البشرية، ومع العلاقات العالمية والقانون الدولي وقوانين السلم والحرب، وكذلك مع الديمقراطية الغربية وشعاراتها وقيمها.

قرار تحت الأنظار

لا ينبغي السكوت عما ينتشر من انتهاكات في بلادنا العربية والإسلامية، ولا ينبغي أيضا توظيف ذلك للتمويه على صعيد بيان حقيقة قضية جوانتانامو ووضعها في موضعها؛ فهي مأساوية فردية لمئات من البشر المعتقلين، ولأسرهم، وللبلدان التي ينتمون إليها في أنحاء الأرض، كما أنها اضمحلال بشرية البشر الذين مارسوا التعذيب بحقهم أو أمروا به أو سكتوا عنه، وللحكومات والمنظمات غير الحكومية في أنحاء العالم التي تفاوتت أساليب تعاملها مع قضيتهم.

يجب وضع قضية جوانتانامو في وضعها الصحيح، عند تقويم ذلك القرار الصادر بعد أكثر من 5 سنوات على النشأة الأولى للقضية، عن المحكمة العليا في الولايات المتحدة الأمريكية، يوم 29 يونيو 2006، والخاص بشأن جانب واحد من جوانبها، وهي عدم مشروعية التعامل مع المعتقلين في جوانتانامو عبر لجان عسكرية، يشكلّها قرار سياسي-عسكري عشوائي، للنظر في أمرهم، ولم تصل حتى إلى مستوى محاكم عسكرية في حالة حرب، فخالف صانع القرار بتشكيلها وتشغيلها القوانين الأمريكية نفسها والمواثيق الدولية.

مثلا واحد من التعليقات على القرار قول نائب رئيس المجلس النيابي الألماني فولفجانج تيرزي: "إنه أخذ علما بارتياح أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تزال دولة قانون".

وفي هذه الكلمات ما فيها من إشارة سياسية دبلوماسية أن الولايات المتحدة فقدت ابتداء تلك الصفة، وأن "أخذ العلم" لا يرقى إلى مستوى الاقتناع بعد، وهذا ما تشير إليه مواكبة القرار بكثير من المواقف والتحليلات، بين قائل بأن القرار "صفعة" موجهة لسياسة الرئيس الأمريكي، لا تساوي قطعا أنينَ فرد معتقل واحد من ضحايا جوانتانامو، وقائل بسقوط أحد مرتكزات تسويغ وجود المعتقل، مع عدم رؤية احتمال إغلاقه الآن، وقائل إن المعتقل أصبح عبئا على ما يسمّى الحرب ضد الإرهاب، مع تسويغ ضمني يقول إن "الإرهابيين يستغلون جوانتانامو ذريعة لدعايتهم ضد الديمقراطية والقيم الغربية واعتبارها خداعا محضا".

حتى المدافعون في الغرب عن السياسات الأمريكية عموما، يعتبرون قضية جوانتانامو "محرجة"، ويتمنون لو اقتصر المعتقل على أناس ثبتت عليهم تهمة الإرهاب أصلا، ولا أحد يستطيع أن يزعم ذلك. ويحذّر بعضهم من أن إغلاق جوانتانامو سيعطي "الإرهابيين" فرصة لتسويقه كنقطة تراجع وضعف، ولكنهم يرون أن الصدى "الإيجابي" المنتظر في العالم العربي والإسلامي إزاء إغلاقه سيعوّض عن ذلك، ومن فضل القول إنّ ذلك الصدى منتظر على مستوى المواقف الرسمية الغائبة طوال سنوات عديدة، والأقلام الإعلامية التي تبحث منذ فترة دون جدوى عن مسوغات الإبقاء على نهج تبعي للولايات المتحدة الأمريكية، أما الشعوب فقد أصبحت الدماء المختلطة بأوحال السياسات الأمريكية العدوانية أعمق أثرا من أن تتناساها.

يدور محور كثير من التحليلات حول استبعاد أن يغيّر القرار الوضع الراهن للمعتقل، لا سيما أن نشأة "اللجان العسكرية" التي اعتبرت الآن غير قانونية أمريكيا ودوليا، إنما كانت من مبتكرات حكومة بوش الابن بعد قرار سابق للمحكمة العليا، صدر عام 2004، وقال آنذاك بضرورة أن يكون للمعتقلين في جوانتانامو "بعض الحقوق"!.

والآن أيضا كان بوش أول من أكد أن القرار الجديد لن يؤدي إلى تغيير الوضع الراهن سريعا، والأرجح أن تستمر حكومته على المراوغة إلى نهاية فترة رئاسته الثانية، فيبقى أمر التراجع الرسمي الأمريكي عن جوانتانامو مهمة حكومة قادمة ورئيس قادم؛ فالتصرف مع القضية مرتبط أولا وأخيرا بالحسابات السياسية والانتخابية لصانع القرار الأمريكي ومَن يتطلعون للوصول إلى أجهزة صناعة القرار من ورائه وحوله.

ولكن هل أصبحت "قضية جوانتانامو" مجرد قضية قابلة لحشرها حشرا في نطاق مراوغات بوش وحكومته، وحسابات حكومة قادمة وانتخابات مقبلة، وقلق زعماء وساسة غربيين على "سمعة الغرب" في نطاق ما يعتبرونه "تجاوزات" في الحرب الضارية ضد "الإرهاب"؟ ماذا إذن عن الإنسان وحقوقه، وعن آلام الناس ومصائرهم، وعن سيادة القانون ومشروعية القانون الدولي؟.

خطيئة تحت المجهر

قضاة المحكمة العليا الأمريكية يقرون بعدم قانونية المحاكمات العسكرية في معتقل جوانتانامو 29 يوينو 2006 

من بين سائر ردود الأفعال "التحليلية" للقرار الأخير يلفت النظر موقف أصبح "تقليديا" إزاء خطوات شبيهة بقرار المحكمة العليا الأمريكية؛ ففي حمأة هبوط سمعة الدولة الكبرى إلى الحضيض مع سمعة سياساتها وشعارات القيم والحريات والديمقراطية التي ترفعها، وتكاد تزعم احتكارها واحتكار الدعوة إليها، لم ينقطع ظهور مقولات تسويغية محورها، أن النظام الديمقراطي الغربي -بما في ذلك الأمريكي- يبقى هو الأفضل والأقوم والأصلح للبشرية.

وهنا يوضع قرار المحكمة العليا الأمريكية في موضعه من قائمة "الاستدلالات" التي طالما تساق بهذا الصدد:

1- صحيح أن النظام الغربي يشهد "تجاوزات"، ولكن الإعلام "الحر" في إطاره هو الذي يكشف عن فضائح من مثل فضيحة أبو غريب الأمريكية وفضيحة تقديم معلومات استخباراتية ألمانية للقوات الأمريكية في أثناء معارضة حرب احتلال العراق.

2- صحيح أن النظام الغربي يشهد "سياسات عدوانية" تمارسها حكومات منتخبة، ولكن الانتخابات الدورية في إطاره هي التي تكبح جماح تلك السياسات، كما جرى في أسبانيا وإيطاليا وأسفر عن قرارات الانسحاب العسكري من العراق.

3- صحيح أن النظام الغربي يشهد انتهاكات غير قانونية لحقوق الإنسان وحرياته، ولكن سيادة القانون واستقلال القضاء فيه هما الضمان للعودة عن الأخطاء، وآخر الأمثلة على ذلك ما يقال ويكتب الآن بشأن قرار المحكمة العليا الأمريكية حول التعامل مع معتقلي جوانتانامو.

جميع ذلك صحيح.. ولكن هل يمكن القبول به تسويغا لمعاناة الإنسان يوما بعد يوم سنوات عديدة، إلى أن تستيقظ وسائل الإعلام أو يحين موعد الانتخابات أو تتحرك محاكم محلية لتتناول -إحدى جزئيات- ما استحق عنوان مذبحة القيم والقوانين؟.

لقد سبق بمثل تلك "الاستدلالات" في العقود الماضية أن تجاوز التعامل الدولي وكذلك تعامل كثير من أصحاب القلم الفكري والإعلامي، مع الدولة الأولى والأكبر في النظام الغربي القائم، ما سبق أن ارتكبته من جرائم من أبرز محطاته هيروشيما وناجازاكي، ومن أكثر الصور المتكررة الدائمة له مسلسل اعتداءات وتدخلات عسكرية واستخباراتية في مختلف أنحاء المعمورة، ناهيك عن المسئولية الأكبر عن جريمة فلسطين التاريخية، إلى أن بلغ مداه في أفغانستان والعراق ومخططات تصفية قضية فلسطين هذه الأيام.

قضية جوانتانامو رغم ما احتلتْه من موقع غير مسبوق في هذا المسلسل التاريخي الأسود هي في الحصيلة جزء عضوي لا ينفصل عن بقية صفحاته، ولا تختلف عوامل نشأتها واستفحالها من حيث الجوهر، عن العوامل التي صنعت حلقاته جميعا، إلا أنها أصبحت "رمزا"، في استقطاب الاهتمام به.

ومن هنا كان القلق الأكبر، غربيا وأمريكيا، أن انهيار المصداقية الأمريكية من خلال هذا الرمز، تجاوز ما سبقه ويرافقه، وأحدث خللا لم يعد يمكن إصلاحه، وهذا القلق بالذات هو ما ينبغي وضعه في الصدارة عند البحث عن الدوافع التي حركت الإعلام الأمريكي دون أن تتبدل آليات صناعة القرار فيه، كما حرك المحكمة العليا الأمريكية دون أن تتبدل الخلفية السياسية لتشكيلتها، بما لا يختلف كثيرا عن توجهات صانع القرار السياسي والعسكري، فكان التحرك الآن لتوجيه مسلسل التطورات الجارية نحو تحميل إثم جوانتانامو لحكومة بوش ورفاقه -فقط- وتبرئة النظام الأمريكي ومعه النظام الغربي.

ومن المرجح أن يُكشف لهذا الغرض عن مزيد من الفضائح، مع تركيز اللوم على الحكومة الأمريكية ورئيسها، وأن يُتخذ مزيد من الخطوات كخطوة المحكمة العليا الأمريكية، فيزداد حصار بوش وحكومته، جنبا إلى جنب مع سعي حزب المحافظين الذي يحتضنها إلى تبرئة نفسه من أفعالها واختيار بعض ما يناسبه للتركيز عليه مع التهرب من المسئولية عن سواه، لكسب أصوات الناخبين.

ولكن لن تتسارع هذه الخطوات على وتيرة المعاناة الإنسانية داخل جوانتانامو، وسواه من المعتقلات العلنية والسرية، ولا خارج المعتقلات في مختلف ميادين تحرّك آلة الحرب الأمريكية، وإنما ستتناغم -فقط- مع مسلسل المعارك الانتخابية إلى نهاية عهد بوش الابن.

ثغرات في بنية النظام

هل يمكن تبرئة النظام الأمريكي والغربي فعلا من حمل المسئولية عن قضية جوانتانامو، وهي رمز بشع من رموز أخرى كقضية أبو غريب، والفلوجة، والحديثة، وغيرها؟.

قد نشهد في ساحتنا السياسية والإعلامية أيضا حملات تعمل على حصر المسئولية في أفراد أو جماعة أو تيار، فإن رحلوا عن المسرح السياسي والعسكري، عاد الحديث إلى الإشادة بالنظام "الأفضل" من أي نظام آخر للبشرية. وهذا بالذات محور التضليل الأكبر في تقويم خطوات من قبيل قرار المحكمة العليا الأمريكية أو بعض نشاطات وسائل الإعلام الأمريكية، خلال الفترة الثانية من رئاسة بوش.

إن العامل الحاسم في أفضلية نظام من الأنظمة لا يكمن في وجود آليات فيه لفضح ما يقع من تجاوزات يصل إلى مستوى الجريمة في حق الإنسان، وإنما في الحيلولة دون وقوعها، ولا يكمن في تعامل جزئي ومتأخر مع جرائم ما بعد وقوعها، وإنما في سرعة العمل على وقفها، والحيلولة دون استفحالها، ومحاسبة المسئولين عنها محاسبة كاملة.

جميع ذلك مفتقد في تجربة النظام الأمريكي والغربي مع قضية "جوانتانامو" مثالا على سواها.

إن القرار الأول الصادر عن المحكمة عام 2004، اكتفى برفض مقولة حكومة بوش إن معتقلي جوانتانامو "محاربون بلا حقوق"، ولكن لم يحدد أن تكون لهم حقوق المعتقلين عموما، أو أسرى الحرب عموما، فترك أكبرُ القضاة الأمريكيين -وما هم بجاهلين معذورين- المجال مفتوحا لتتصرّف الجهة التي "منعت" عن المعتقلين سائر الحقوق، أن تصنع "ما تشاء" بموجب القرار، بما في ذلك المراوغة حوله!.

لم تكن المحكمة وأعضاؤها ولا المخوّلون بتحريك قضية من القضايا فيها، على جهل بعدم مشروعية معتقل جوانتانامو وما يُصنع من خلاله، فإن كانوا يعلمون ولا يستطيعون التحرك، أو كانوا قادرين على التحرك واحتفظوا رغم ذلك بالصمت بين عامي 2001 و2004 على الأقل، فليس هذا "منقصة عابرة" في حكومة بوش وتيّار المحافظين الجدد والمسيحيين التوراتيين من ورائها، وإنما هو منقصة خطيرة دائمة وجوهرية في النظام القائم الذي يسمح بتحرك سياسي-عسكري من هذا المستوى، ينتهك الحقوق والحريات الإنسانية والقوانين الوطنية والدولية، دون مواجهته، لسنين عديدة.

والقرار الثاني الصادر عن المحكمة عام 2006، اكتفى أيضا برفض اللجان العسكرية بديلا عن المحاكمات، وباعتبارها مخالفة للقانون الأمريكي ولمواثيق جنيف، ثم ترك المجال مفتوحا للمراوغة مرة أخرى -دون جهل بالأبعاد والنتائج- فلم يتضمن ما يُلزم الحكومة الأمريكية والتيار الذي يحتضنها، بتصرف محدد، يضع حدا نهائيا للمآسي التي ترمز إليها كلمة جوانتانامو، فأبقى القرار بنفسه إمكانية المناورة حوله، لتستمر تلك المآسي، جنبا إلى جنب مع فتح أبواب تبرئة النظام بحد ذاته، وزيادة خطايا "فئة" حاكمة في إطاره.

وليس هذا بدوره منقصة عابرة في تلك الفئة فقط، بل هو منقصة في النظام بأكمله، ومن أبرز معالمها أن القرار المذكور لا يكتسب بهذا النقص الفادح في مضمونه، موقعه في مقولة سيادة القانون، واستقلال القضاء، وتثبيت الحقوق والحريات، بل يكتسب صفة قرار سياسي في لباس قانوني من الدرجة الأولى.

لم يكن ما يمنع الإعلام الأمريكي من تحرك مبكر، ولا ما يمنع المحكمة العليا الأمريكية من التحرك في الوقت المناسب والحجم المناسب، كامنا في "نصوص مواد دستورية وقانونية" بل هو كامن في طبيعة تكوين النظام الغربي بمجموعه من وراء تلك النصوص، والقائم على عناصر أساسية تُفقد القيم كما تفقد النصوص القانونية مفعولها، مثل عنصر الصراع طريقا إلى تحصيل الحقوق والحريات حسب تفاوت درجات امتلاك أسباب القوة في جولات الصراع، ومثل الروح العنصرية الكامنة في التعامل داخل المجتمع الواحد وعلى مستوى قضايا المجتمع البشري، ومثل تقديس المصلحة المادية، وغير ذلك من العناصر الأساسية القاهرة لسواها.

إن ما يكشف عنه هذا القرار أعمق مغزى من مجرد "جولة" سياسية داخلية في النظام الأمريكي والغربي، أو "جولة" فكرية بين أنصار ذلك النظام، ومَن يدعو إلى نظام عالمي وأنظمة وطنية، إن صح حديثها عن ميزات في النظام الغربي، فلا يصح إلا على الصعيد النظري في بعض الجوانب الأساسية، مثل القول بضرورة إيجاد آليات لتطبيق مبادئ ومثل قويمة، كحقوق الإنسان وحرياته، وسيادة الشعب عبر تقرير مصيره وانتخاب قياداته، وتعددية سياسية وفصل للسلطات، وسيادة القانون واستقلال القضاء، وجميع ذلك لا يُبيح الغفلة عن جوانب النقص الخطيرة الكامنة في تغييب القيم ذاتها على الصعيد التطبيقي، مما يعود -ولا مجال للتفصيل هنا- إلى طبيعة التكوين التربوي، السياسي والاجتماعي والقانوني، فهذا ما يحوّل الفرد، سواء كان في موقع السلطة أم لم يكن، إلى تغليب المصلحة المادية الأنانية على ما سواها، فضلا عن غلبة الوهم العام القائل إن "نصوص النظام والقانون" تغني عن الاقتناع الجماعي بثوابت "منظومة القيم" وما يصنعه من وازع ذاتي ووجدان حي لا غنى عنهما، في أي ميدان تطبيقي من ميادين العلاقات البشرية.


** كاتب سوري مقيم في ألمانيا.

 

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع