بريدك الالكتروني


English

 

10:45 مكة - الأحد 13 جمادى الآخرة 1427هـ - 9/7/2006م

مصر » المنطقة العربية » تحليلات وآراء
أرسل لصديق
روابط من إسلام أون لاين
 أهم الأخبار

 

مصر.. أوهام "تدرجية" الإصلاح السياسي

عبد الخالق فاروق**

الإنفاق على القطاع الأمني في مصر يضر بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية

لم تعد مسألة الإصلاح السياسي والدستوري في مصر، مجرد خلافات أو صراعات بين جماعات النخب السياسية والفكرية في البلاد، بقدر ما أصبحت نقطة تلاق بين كافة القوى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من جهة، وبالمثل نقطة تقاطع بين مصالح القوى الدولية والإقليمية من جهة أخرى.

وبرغم اختلاف وتيرة المطالبة وجدية وإصرار الفرقاء جميعا، الراغبين في الإصلاح والرافعين لشعاراته، فإن أحدا منهم -بما فيهم قيادات حزب النظام والحكم في مصر- لا يستطيع أن يتجنب الحديث عنه، وعن ضروراته لمستقبل مصر والعالم العربي برمته.

صحيح أن كثيرين ممن يرفعون شعارات "الإصلاح" هم من أكثر المناوئين له، والمدركين لخطورة إجراءاته على مصالحهم ومستقبلهم، ولكنهم على أية حال لا يجرئون بالجهر صراحة برفض الإصلاح في البلاد، أو تحدي رغبة القوى الدولية الدافعة إليه والراغبة فيه، حتى لو كان بمقاييس مصالحها المباشرة بصرف النظر عن طموحات شعوب المنطقة وآمالها.

ومن أجل ذلك، ترفع نظريا شعارات تنادي بتدرجية الإصلاحات، أو بالأحرى التباطؤ في خطواتها، وعمليا تقوم الحكومة بالتراجع عن أية إجراءات قد وعدت بها سابقا من أجل لجم حالة الحراك السياسي الوليدة.

خلط الإصلاح الدستوري بالسياسي

من بين أبرز حجج المطالبين ببطء وتيرة الإصلاح أنهم يتحدثون عن الإصلاحين الدستوري والسياسي باعتبارهما حزمة واحدة، تعكس حالة من الشعور بدرجة التلازم بين المفهومين. بيد أن الخبراء من علماء السياسة والفقه الدستوري، عادة ما يميزون بين المفهومين، دون إنكار الارتباط بينهما.

فالإصلاح الدستوري: يرمي إلى إحداث تغييرات ملموسة في بعض -أو كل- الإطار الدستوري المنظم لعلاقات سلطات الدولة الثلاث (التنفيذية والتشريعية والقضائية) بحيث تؤدى إلى إحداث توازن أفضل بين هذه السلطات، بما يضمن فاعلية أكبر لدورها، ووقف تغول وتوغل السلطة التنفيذية على بقية سلطات الدولة.

ويشمل الإصلاح الدستوري، بالضرورة، الوثيقة الدستورية الأساسية أو ما يطلق عليه "الدستور" وبعض القوانين المكملة له، مثل قوانين مباشرة الحقوق السياسية، والانتخابات، والسلطة القضائية، ومجلس الشعب وغيرها.

ويؤدي إجراء إصلاح من هذا النوع، إلى إتاحة مجال أوسع من الحريات العامة والمشاركة السياسية من جانب القطاع الأكبر من المواطنين، خاصة إذا كانت نسب المشاركة في الانتخابات العامة في البلاد -وفقا للبيانات الرسمية- لا تتجاوز في أحسن الأحوال 23%، بينما تؤكد المصادر المحايدة من جانب المراقبين بأنها لا تزيد عن 7% إلى 10% ممن لهم حق التصويت والانتخاب.

وتتركز عناصر الإصلاح الدستوري الأساسية للمطالبين به في:

أولا: فتح مجال الترشح لشغل المناصب العامة بدءا من رئيس الجمهورية، مرورا بالمحافظين، وانتهاء برؤساء الأحياء والقرى والبلديات، للكافة، إعمالا لمبدأ المساواة (مادة 40) من الدستور، ووفقا لتكافؤ الفرص. وهنا تثار قضية المادتين الحاكمتين في الدستور المصري الراهن ألا وهما المادة 76 والمادة 77.

ثانيا: استقلال حقيقي للسلطتين التشريعية والقضائية، حتى يتحقق توازن حقيقي بين السلطات، لأن استمرار هيمنة السلطة التنفيذية قد أدى فعليا وسياسيا إلى خلق حالة "الاستبداد السياسي" وصنع الفرعون أو الديكتاتور.

ثالثا: إصلاح القوانين المنظمة لممارسة الحقوق السياسية، وفى مقدمتها النظام الانتخابي، بما يضمن شفافية ونزاهة حقيقية من خلال نظام مراقب عليه قضائيا -في ظل استقلال حقيقي للقضاء- بدءا من نظم قيد الناخبين، إلى نظم التصويت وفرز الأصوات، وإعلان النتائج، كل ذلك بعيدا عن سطوة وزارة الداخلية والشرطة.

أما الإصلاح السياسي: فهو عملية أوسع نطاقا وأشمل مجالا، بحيث تصبح الإصلاحات الدستورية بمثابة روافع أو أحد آليات وأدوات عملية الإصلاح السياسي، الذي يشمل: إطلاق حق تكوين الأحزاب السياسية والجمعيات الأهلية بمجرد توافر شروطها وإخطار الجهة الإدارية، وحق إصدار الصحف والمطبوعات، وحق تكوين النقابات أو الانسحاب منها دون تدخل الجهات الأمنية، وحق الإضراب والاعتصام والتظاهر السلمي، وغيرها من الحقوق الجماعية الخاصة بالحريات العامة والفردية.

إصلاح اقتصادي أولا ثم سياسي

الشرطة المصرية تواجه المتظاهرين المتضامنين مع استقلال القضاء المصري

الادعاء الآخر الذي يتقاذفه المنادون ببطء الإصلاح الدستوري والسياسي يقول بأن مصر لا تزال بحاجة إلى تحقيق بعض التقدم في نتائج ما يسمى "الإصلاح الاقتصادي" حتى يساير الإصلاح السياسي هذا التقدم.

وهم بهذا الادعاء يجهلون استحالة تحقيق أي تقدم على المسار الاقتصادي وجذب الاستثمارات الحقيقية، ما لم تكن هناك عملية سياسية ودستورية تضمن استقرارا حقيقيا في المجتمع المصري، لأن ارتباك الأداء العام، سواء الحكومي أو الخاص، وانسداد أفق الإصلاح يؤدى إلى انشغال الفئات والجماعات المختلفة، سواء كانوا من أساتذة الجامعات أو القضاة أو الصحفيين أو الأطباء أو المعلمين أو العمال أو غيرهم، بالمطالبة بالإصلاح، بما يترتب عليه عمليا تواضع نتائج هذه المؤسسات الهامة والجماعات الحيوية.

والواقع أن القائلين بتمديد عنصر الزمن حتى تنضج شروط الإصلاح وظروفه، هم عادة المستفيدون من الوضع الحال، من داخل أجهزة الأمن والنظام والحكم، الذين يقوضون فعليا فرص التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وبعيدا عن أخطاء الإصلاح الاقتصادي وإهدار ما تبقى من القطاع العام المصري، المملوك للشعب، فإن التحليل البسيط يؤكد أن إبقاء أوضاع الاستبداد السياسي الراهن، وعدم الإسراع في إجراء عملية الإصلاح المطلوبة يكلف المجتمع والدولة نفقات باهظة، ويهدر فرصا حقيقية للنمو الاقتصادي والاجتماعي.

وعلى سبيل المثال، أدى فرض حالة الطوارئ طوال ربع قرن ماض (1981-2006) والتي مد العمل بها حتى عام 2008، إلى استنزاف نفقات مالية باهظة، حيث زادت مخصصات وتكاليف جهاز الأمن والدفاع من أقل من 8 مليارات جنيه عام 1981 إلى أكثر من 35 مليار جنيه في العام المالي 2005/2006، ذلك بخلاف المعونة العسكرية السنوية الأمريكية التي تتجاوز في المتوسط 1.2 مليار دولار، بينما هناك 900 مليون دولار تعتبر من الديون الخارجية لمصر. ويرجع السبب في هذه الزيادة في تضاعف بند الأجور والمرتبات للعاملين في أجهزة وزارتي الداخلية والدفاع بسبب ما يسمى (علاوة الطوارئ) من ناحية، وزيادة أعداد العاملين في وزارة الداخلية تحديدا من ناحية أخرى.

ووفقا للبيانات المتاحة، فقد زاد عدد العاملين في تلك القطاعات من 1.2 مليون شخص عام 1981 إلى أكثر من 2.5 مليون شخص في الوقت الراهن، وهم موزعون على النحو التالي:

  • القوات المسلحة: يبلغ تعدادها بين 650 ألفا و700 ألف شخص.

  • الشرطة: يبلغ عدد العاملين بجهازها نحو 750 ألف شخص جلهم تقريبا من العسكريين.

  • قوات الأمن المركزي: وقوامها 20 فرقة تضم حوالي 450 ألف شخص تحت السلاح.

  • عملاء وجواسيس ومرشدين للمباحث الجنائية وأمن الدولة: وهم في حدود 500 ألف شخص تخترق من خلالهم كل الجمعيات والأحزاب والنقابات العمالية والمهنية وجماعات الجريمة المنظمة والأحياء الشعبية وغيرها.

كل هذه التكاليف والأعداد كان من الممكن تجنبها لو كانت عملية الإصلاح السياسي والدستوري قد تمت منذ زمن طويل، بحيث يتفرغ المجتمع وأفراده إلى التنمية والتقدم، دون قهر وإحساس متزايد بالظلم الاجتماعي والسياسي.

استفادة جماعات أخرى من الإصلاح

ويزعم "التدريجيون" أو المعادون للإصلاح السريع، أن من شأن إجراء هذا التغيير والإصلاح السريع أن يؤدى إلى ما يطلقون عليه "قفزة في الظلام jumping in the dark " ، وبالتالي احتمال استفادة قوى وجماعات سياسية أو دينية معينة من هذا، أو استيلاءهم على الحكم بسبب انتشار حالة من الفوضى الشاملة.

بل لقد ذهب بعض المسئولين إلى التصريح علنا ووسط محافل دولية إلى القول بأن الشعب المصري لم ينضج بعد لعملية ديمقراطية من هذا النوع.

والحقيقة أنه لا تتوافر أية إرادة سياسية من جانب النظام والحكم، في إجراء عملية إصلاح سياسي ودستوري جادة على أي مستوى من المستويات، فالخوف من احتمالات أن يأتي الإصلاح بقوى سياسية واجتماعية جديدة إلى الحكم مستمر بلا نهاية، بما يؤدي إليه عادة من إعادة فتح الملفات المغلقة لهذا النظام، سواء في مجال الفساد المالي غير المسبوق أو سياسات النهب العام، أو في مجال انتهاكات حقوق الإنسان التي تمت في هذا العهد، أو في ملفات التحالفات السرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، في قضايا مثل العراق وفلسطين وغيرها. ومن ثم فإن المراهنة على قيام هذه المجموعة الحاكمة ومن خلفها مؤسسة الجيش والشرطة بهذه الإصلاحات هو من أكبر الأوهام الخادعة للناس.

هل من بدائل متاحة؟

طوال ثلاثين عاما أو يزيد، تعثرت عملية الإصلاح السياسي والدستوري في البلاد، ويبدو أن أفق السنوات القادمة لا تحمل جديدا من جانب القائمين على الحكم والإدارة، في تغيير نهجهم الذي أوصل البلاد إلى حافة الانهيار الاقتصادي والسياسي والأخلاقي، فقد انتهى الأمر بهم إلى تحويل مصر بكل ثقلها السياسي والحضاري إلى مجرد "سمسار إقليمي" لصالح الولايات المتحدة وبعض دول الاتحاد الأوروبي.

ومن ناحية أخرى، فإن استمرار تجاهل دعوات الإصلاح، والبطء الشديد في إجراءاتها، سوف يؤدي -لا محالة- إلى احتمالين لا ثالث لهما، وكلاهما يحمل قدرا من المخاطر الحقيقية على البلاد:

الاحتمال الأول: حالة فوضى شاملة تؤدي فعليا إلى قفزة في المجهول، قد يستغلها على الأرجح بعض المغامرين من داخل المؤسسة العسكرية والأمنية لتولي الحكم.

الاحتمال الثاني: تواطؤ قوى داخلية -عسكرية أو مدنية- مع أطراف دولية كالولايات المتحدة، يتم بمقتضاه نقل السلطة خارج نطاق الإرادة الوطنية المصرية.

ولعل المخاطر المصاحبة لكلا الاحتمالين، ودخول البلاد إلى دهاليز مظلمة، وفترة اضطرابات طويلة الأجل هو الأقرب إلى التصور.

لذا فان القوى الوطنية والديمقراطية المصرية مطالبة الآن -وقبل فوات الأوان- أن تقدم سيناريو لبديل وطني مقبول، سواء أمام القوى الحية داخل المجتمع المصري، أو للمحيط الدولي والإقليمي، ويتمثل هذا البديل المقترح في إجراء توافق بين هذه القوى السياسية الأساسية ومنظمات المجتمع المدني على عدد من العناصر والمكونات منها:

أولا: الاتفاق على "برنامج الحد الأدنى" المقبول من كافة القوى والمنظمات السياسية والحقوقية ومنظمات المجتمع المدني، وهذا البرنامج ينبغي أن يشتمل بوضوح على مواقفها من:

  • حق التداول السلمي للسلطة عبر الانتخابات المراقب عليها والمشرف عليها قضائيا.

  • ضمان الحقوق العامة والحريات الفردية.

  • النص على حق تكوين الأحزاب والجمعيات.

  • ضمان استقلال السلطة القضائية.

  • الاتفاق على تشكيل جمعية تأسيسية لإعادة صياغة الدستور.

ثانيا: بناء الجهاز السياسي الجاهز لأن يكون بديلا للنظام والحكم الراهن، في حال حدوث تغير سياسي، وهذا البديل هو "الجبهة الوطنية" التي تضم كافة ممثلي هذه القوى التي اتفقت على برنامج الحد الأدنى.

ثالثا: اختيار قيادات معلنة لهذه الجبهة من أجل مخاطبة الرأي العام الداخلي والدولي، وتمثيل الجبهة في المحافل الدولية المتاحة.

رابعا: الإعلان عن قبول مبدأ "المصالحة والعفو" لرموز وقيادات النظام الحاكم الذين لم يتورطوا بشكل مباشر في نهب المال العام، أو ارتكاب جرائم التعذيب والتنكيل بالمواطنين.

وخلاصة الأمر أنه أمام تراجع النظام الحاكم عن وعود الإصلاح الذي ثبت بعد مد العمل بقانون الطوارئ وعدم القبول باستقلال مشرف للقضاء المصري واستمرار كبح الحريات الفردية والعامة.. إلخ، نجد أننا ومصر كلها في مفترق طرق صعبة، فإما التآزر لإنقاذها، أو أن نسقط بها، وقد الذنب غير مغفور للنظام الحاكم أو لمن يريد التغيير الفعلي!.


** كاتب وخبير اقتصادي مصري.

 
 

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع