بريدك الالكتروني


English

 

17:00 مكة - السبت 21 جمادى الأولى 1427هـ - 17/6/2006م

مصر » المنطقة العربية » تحليلات وآراء
أرسل لصديق
روابط من إسلام أون لاين
  أهم الأخبار

 

مصر وإيران.. بداية جديدة أم مبادرة عابرة؟

د. محمد السعيد عبد المؤمن**

مصر وإيران.. هل من بداية جديدة لحل الإشكاليات العالقة؟

ليس هدف "علي لاريجاني" الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني وكبير مفاوضي إيران حول الملف النووي الإيراني من زيارته المفاجئة للقاهرة يوم 11 يونيو 2006، وبدون مقدمات، وفي هذه الظروف، وفي زيارة أحيطت تفاصيلها بالسرية التامة، هو تكرار ما أكده الزعيم الإيراني سيد علي خامنئي من أن علاقات إيران مع دول العالم تقوم على الصداقة، وأنها لا تمثل أي تهديد لأية دولة، ولا تستهدف التسلط على أحد خاصة جيرانها؛ إذ إن لاريجاني لم يأت إلى القاهرة خالي الوفاض، بل الأرجح أنه يحمل مبادرة فيها استجابة إيرانية لمطالب القاهرة والرد على تساؤلاتها. فماذا حمل لاريجاني في جعبته لمصر؟ ولماذا جاء في أعقاب لقائه بنائب رئيس الحكومة العراقية عادل المهدي، وما أشيع عن وساطة عراقية بين إيران وأمريكا؟ وهل تشجع إيران مصر على الوساطة بينها وبين أمريكا؟.

وينبغي كذلك الربط بين هذه الزيارة، وزيارة علاء الدين بروجردي رئيس لجنة الأمن القومي والعلاقات الخارجية بالبرلمان الإيراني للقاهرة، لبحث العلاقات الثنائية وتوضيح المشروع النووي الإيراني، ولا شك أنه حمل موقف القاهرة من الموضوعين، وحمل كذلك تساؤلات وطلبات الإيضاح من المسئولين المصريين حول عدد من القضايا الثنائية والنووية، مثل وجود عناصر معادية لمصر في إيران، وقضية تصدير الثورة الإسلامية إلى مصر، وسلبيات المشروع النووي الإيراني على دول المنطقة.

إيران تجاه مصر.. مبادرة غير مسبوقة

إن إيران من أجل إثبات مصداقيتها في هذا الصدد، ترسل كبير مفاوضيها إلى زعيمة العالم العربي، وأحد الأركان الأساسية للعالم الإسلامي، متناسية الوضع الجليدي للعلاقات بينها وبين مصر، بذلك تكون إيران قد تخلت عن سياستها التقليدية بحل علاقاتها مع مصر خطوة خطوة، ولجأت إلى سياستها الجديدة التي تتبعها مع الغرب في حل قضية الملف النووي، وهي سياسة الصفقة المتكاملة، وهي حركة جريئة جديرة بالاهتمام والدراسة.

من خلال هذه المبادرة غير المسبوقة نتوقع أن تكون هناك صفقة ذات شقين: أحدهما يتعلق بالعلاقات الثنائية وإخراجها من حالة التجمد، وضخ دماء جديدة فيها تتعلق بمبادرة غير مسبوقة، وهي فحص الملف الأمني بين البلدين، وإزالة كل العوائق التي تحول دون حل قضاياه، وعلي لاريجاني باعتباره أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، خير من يكون قادرا على تقديم العروض المناسبة في هذا المجال. أما الشق الثاني فيحمل أيضا صفقة غير مسبوقة تتعلق بالتعاون في مجال الطاقة النووية.

ومن الواضح أن الدراسات الإيرانية للعلاقات مع مصر قد توصلت إلى أن الملف الأمني هو حجر الزاوية في هذه العلاقات، ورغم أن إيران لم تكشف عن تفاصيل الحوافز التي تقدمها لمصر، فإنه يمكن توقع أن يتم تسليم بعض العناصر المتهمة في حادث محاولة الاعتداء على الرئيس مبارك في أديس أبابا، وعناصر أخرى معادية لأمن مصر، وكذلك بحث العلاقات الثقافية بين البلدين كبديل لتصدير الثورة الإسلامية، وربما يكون ذلك من خلال اتفاقية أمنية وثقافية بين مصر وإيران.

لقد أكد لاريجاني فور وصوله إلى القاهرة أن مصر هي إحدى الدول المهمة والكبيرة في العالم الإسلامي، ولها علاقات حضارية واسعة مع إيران منذ القدم، وأن الأمن والاستقرار يحتاج إلى التشاور المستمر بين الدول الإسلامية، ومصر وإيران هما قطبان مهمان في العالم الإسلامي؛ لذلك فالتشاور بينهما في مختلف المجالات أمر طبيعي وعادي، وهناك أمور في العلاقات الثنائية تتطلب التشاور والتباحث الآن، فضلا عن بعض القضايا الإقليمية.

قد يظن البعض أن العلاقة بين مصر والملف النووي الإيراني علاقة هامشية، على ضوء الموقف المصري المتضامن مع دول الخليج العربي بمعارضة حصول إيران على أسلحة نووية، إضافة إلى طرح مشروع إخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل، كحل للأزمة النووية الإيرانية، وإنجاح مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي يوفر الأمن والاستقرار والتنمية لدول المنطقة، وتجفيف منابع الإرهاب. لكن نظرة سريعة للعلاقات المصرية الإيرانية تكشف عن اهتمام مشترك بين البلدين، بدأ منذ طلب مصطفى جمران أول وزير دفاع لجمهورية إيران من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر زيارة المفاعل النووي المصري وذلك بعد انتهاء فترة تدريبه مع قوات الصاعقة المصرية في أنشاص، وموافقة عبد الناصر تشجيعا لطموحات الثورة الإيرانية، ولا شك أن جمران نقل للخميني انطباعاته عن التقنية الروسية، خاصة بعد أن أعلن الشاه وقتها أن إيران بصدد بناء مفاعل نووي.

ولا شك أن اهتمام مصر بالملف النووي الإيراني اهتمام دءوب ليس في موضوع تطوراته السياسية، بل في مراحله التقنية، لأن عنصري المصلحة والضرر بالنسبة لمصر متوافران سواء في سلبياته أو إيجابياته، ولقد وضعت مصر في عين الاعتبار تأكيد لاريجاني أن إيران لا تفكر بأي حال في إنتاج سلاح نووي، وأن أساس القوة الإقليمية لا تستند إلى القنابل النووية.

وبناء على هذه النظرة الواقعية فإيران لا ترى فائدة من إنفاق لا طائل تحته، وأن إيران مرنة فيما يتعلق بالإشراف على مشروعها النووي، ما دام هذا لن يمنع حصولها على التقنية النووية، كما أكد لاريجاني على أن إيران قوة إقليمية، ولكنها تعتبر نفسها قوة نجيبة، وسياستها تجاه استقرار العراق وأمنه أثبتت إيجابيتها، وهي في نفس الوقت تؤكد وضع ما تملكه من معلومات وخبرات حول التقنية النووية تحت تصرف الدول الإسلامية التي تأتي مصر في مقدمتها، وأنها راغبة في التعاون النووي معها.

مصر والحلم النووي المشروع

إن التباحث مع المسئولين المصريين فرصة لطرح الملف النووي فضلا عن العلاقات الثنائية. من هنا فإن إيران تريد أن توضح لمصر أن الحصول على التقنية النووية ليس قضية إيران وحدها، ولكنه مشروع الأمة الإسلامية كلها، وأن المبادرة الإيرانية في هذا السبيل هي ما جعلتها أمام فوهة المدفع لمن لا يريدون حصول العالم الإسلامي على هذا الحق، ولاريجاني بهذا التصريح يجعل من إيران خط الدفاع الأول للعالم الإسلامي في الحصول على حقوقه أمام الغرب، ومن ثم فإن هذا الموقف يقتضي من كافة الدول الإسلامية أن تسانده وتدافع عنه، خاصة تلك الدول التي تعتبر من أقطاب العالم الإسلامي.

إن مصر باعتبارها عضوا في لجنة حكام الوكالة الدولية للطاقة النووية، وتتزعم قطاع الدول العربية ودول عدم الانحياز، سوف يكون لها تأثير كبير على مناقشات اللجنة لتقرير الأمين العام الذي سيرفع إلى الاتحاد الأوربي ومجلس الأمن، وتأمل إيران استثمار الموقف المصري المعتدل ودعمه في هذا الاتجاه.

ويأتي العرض الإيراني في الوقت الذي يراود البرنامج النووي المصري أحلام السياسيين، وأصبح مطلبا ملحا للخبراء وكبار الكتاب، وجاء التحول في الموقف المصري استجابة لدوافع لدى الخبراء تؤكد على ضرورته لأسباب عملية، أهمها أن مصر في طريقها إلى نقص الطاقة خلال العقد المقبل، ومع أمل أن يتحول البرنامج النووي في يوم من الأيام إلى وسيلة لدخول العرب العصر النووي، وممارسة الضغط السياسي على إسرائيل.

ويؤكد رئيس لجنة الإنتاج الصناعي والطاقة بمجلس الشورى المصري أن إقامة محطات للكهرباء تعمل بالطاقة النووية لم يعد ترفا، أو من قبيل الرغبة في اقتحام أسرار عسكرية، ويشير إلى أن البلاد في حاجة ماسة للكهرباء التي هي عنصر رئيسي في كافة وسائل الإنتاج، والتي لا يستغني عنها المواطن، وتقل اقتصاديات الطاقة الجديدة التي تشمل توليد الكهرباء من الرياح والطاقة الشمسية والنفط.

ويرى الرئيس السابق لمركز المعلومات بمجلس الوزراء المصري أن مصر سوف تستهلك احتياطيها من البترول خلال فترة لا تتجاوز 20 عاما.

وكان وزير الكهرباء السابق يرى ضرورة بناء المحطات النووية مع ارتفاع أسعار البترول. وكانت التقديرات التي بنيت على أساسها البرنامج النووي المصري تؤكد أهمية توليد الطاقة من التفاعل الذري إذا تجاوز سعر برميل البترول 40 دولارا.

وقد أكد وزير الكهرباء الحالي الحاجة إلى بناء محطات توليد تصل قدرتها إلى 1200 ميجاوات سنويا؛ لمواجهة الزيادة في الطلب على الكهرباء التي ترتفع بنسبة 7% كل عام، وأبدى رغبته في بناء محطات توليد تعمل بالوقود النووي، وتأكيده على أن موقع المحطة النووية بالضبعة الذي تصل مساحته إلى 45 كيلومترا مربعا على ساحل البحر المتوسط ما زال مخصصا لهذا المشروع، إلى أن يطلب المجلس من الوزير تشكيل لجنة فنية تضم قانونيين دوليين وأعضاء من البرلمان لبحث وسائل إحياء البرنامج النووي المصري خلال الفترة القادمة، والتوجه إلى جنيف لإجراء مباحثات مع المسئولين في الوكالة الدولية للطاقة الذرية، حول الموقف القانوني من المطلب المصري باستئناف برنامج إقامة المحطات النووية دون إثارة القضية لأية مشاكل مع الغرب.

ويؤكد وكيل أول وزارة المالية وجود 5 مليارات جنيه رصيدا في حساب صندوق الطاقة البديلة التي تجمعت على مدار 20 عاما مضت؛ حيث يتم استقطاع 10% من إيرادات مبيعات البترول لإيداعها في هذا الصندوق.

بداية لمناقشة ملفات عالقة

من الواضح أن إيران تسعى لاستثمار كافة السبل التي تستطيعها من أجل الاستمرار في مشروعها النووي، وتقاوم الغرب والولايات المتحدة، للعمل على الإذعان لحقها في تنفيذ مشروعها النووي، وهي خلال ذلك تؤكد أن هذا المشروع سلمي، ولن يتجه مطلقا إلى طريق إنتاج الأسلحة النووية.

ومن الطبيعي لإيران أن تقوم بترتيبات كثيرة عبر مفاوضات مكثفة، مع كثرة الألغام التي تكتنف طريق مفاوضاتها؛ فالتعاون النووي لا يتحقق بغير تسوية عدد آخر من القضايا المعلقة بين مصر وإيران، بعضها يتعلق بالشيعة في المنطقة وخاصة في الدول الخليجية، وتصدير الثورة الإيرانية إلى مصر والدول العربية، وبعضها يتعلق بالديون المستحقة لإيران، وبعضها يتعلق بالجزر الإماراتية والعراق وأفغانستان وتنظيم القاعدة، وبعضها يتعلق بمستقبل القضية الفلسطينية وإسرائيل، بل والعلاقات مع الولايات المتحدة، فضلا عن العلاقات الثنائية وخاصة الثقافية، ولا شك أن كل ملف من هذه الملفات لا يقل شأنا عن الآخر، ويحتاج فتحه إلى تحضير طويل.

وربما تكون مباحثات لاريجاني في القاهرة المدخل المناسب لحل هذه القضايا، خاصة أن هذه المباحثات لم تكن انتقادية من الجانبين، بل أراد كل طرف أن يستوثق من أوراق الطرف الآخر، وإمكانية تسليم كل منهما بحق الآخر في الحفاظ على مصالحه، ومن الطبيعي أن يجري طرح احتمالات عقلانية على أساس الواقع الجاري؛ لأن كل حلقة من المفاوضات تؤدي بالضرورة إلى الحلقة التالية.


** أستاذ الدراسات الإيرانية بجامعة عين شمس.

 
 

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع