 |
|
الرئيس اليمني ..يخوض أصعب تجربة انتخابية له |
لعلها المرة الأولى في تاريخه
السياسي التي يخوض فيها الحزب الحاكم
باليمن "حزب المؤتمر" الانتخابات
الرئاسية والمحلية وحيدا، كطرف منافس
للمعارضة اليمنية التي ائتلفت سابقا في
الانتخابات البرلمانية عام 2003 فيما بينها
في كتلة "اللقاء المشترك"، كما أنها
المرة الأولى التي يخوض فيها غمار المعركة
الانتخابية مثقلا بكم هائل من ملفات
الفساد وبسجل متضخم بالسخط الشعبي العام،
وحصاد مر لأداء اقتصادي هزيل، كنتاج طبيعي
للسياسات الاقتصادية التي تدار بها
البلاد.
هذه السياسات الاقتصادية التي
أفرزت اقتصادا هشا طاردا للاستثمار،
تستشري فيه مظاهر الفساد ونهب المال
العام، وتتعاظم فيه صفقات السمسرة،
وتتراجع معدلات النمو بعد أن فشلت
إستراتيجيات مكافحة الفقر وجميع خطط
التنمية الخمسية، لم تكن نتاجا فقط
لسياسات الحكومة أو للحزب الحاكم الذي
يخوض الانتخابات الحالية؛ لأن الجميع
يتحمل مسئولية فساد المجتمع والدولة،
فالأحزاب التي ائتلفت ضد النظام الحاكم
اليوم، قد شكلت معه في السابق ائتلافا
ثنائيا أو ثلاثيا، وعلى رأسها الحزب
الاشتراكي وحزب الإصلاح، فهما كانا في
موقع السلطة والمسئولية وشريكا للحزب
الحاكم، ولم يلحظ أن انخفض معدل الفساد
وقتها، بل استفاد الحزبان، إلى جوار الحزب
الحاكم، من بيئته المزمنة، ولم تكترث كل
الأطراف بمعالجة مسبباته.
هذه السلبيات جميعا لا تمنع من
القول إن الفساد رغم أنه أصبح اليوم -وفي
خضم الحملة الانتخابية- ورقة ضغط ومزايدة
للاستهلاك الشعبي تمارسها أحزاب اللقاء
المشترك ضد الحزب الحاكم، فإن توافق جميع
المرشحين في برامجهم السياسية على
محاربته يعد نمطا إيجابيا وليدا على
السياسات اليمنية، وخاصة أن منافسي الحزب
الحاكم بزعامة الرئيس علي عبد الله صالح
قد وضعوه على رأس برامجهم الانتخابية، وهو
ما قد يعجل بعض الشيء بفتح هذا الملف بعد
الانتخابات الرئاسية أيا كانت نتيجتها.
المعارضة منافس قوي
 |
|
بن شملان..هل يحقق المفاجأة ويفوز بالانتخابات |
أما الإيجابية السابقة على ذلك
فهي أنه وللمرة الأولى تدخل خمسة من أكبر
الأحزاب اليمنية -على رأسها التجمع اليمني
للإصلاح والحزب الاشتراكي، بالإضافة إلى
ثلاثة أحزاب صغيرة هي التنظيم الوحدوي
الشعبي الناصري، وحزب الحق، واتحاد القوى
الشعبية- معارضة للنظام الحاكم ومؤتلفة
فيما عرف باسم "أحزاب اللقاء المشترك"،
وتسعى للمنافسة الجادة، لا سيما بعد حسم
موقفها لخوض الانتخابات الرئاسية التي
ستجري يوم 20 سبتمبر 2006 بمرشح واحد هو "فيصل
بن شملان"، وبرمز انتخابي واحد،
ودخولها بقائمة واحدة من المرشحين لخوض
الانتخابات المحلية، كما أن لها إدارة
انتخابية موحدة، وبرنامجا انتخابيا واحدا
متفقا عليه، يستهدف الإصلاح والتغيير
السلمي والديمقراطي، وفي مقدمة أولوياته
إصلاح النظام السياسي كمدخل للإصلاح
الشامل للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية
المختلة في البلاد.
وقد تعزز موقف أحزاب اللقاء
المشترك بعد أن أجبرت السلطة على توقيع
وثيقة اتفاق المبادئ، بما تضمنته من
ضمانات وإجراءات ملزمة التنفيذ للسلطة
والحزب الحاكم واللجنة العليا
للانتخابات، وبما حملته من دلالات سياسية
تؤكد مصداقية اللقاء المشترك وجديته في
التعاطي مع الانتخابات كانتخابات نوعية
أكثر تطورا، لن تقبل بأقل من توافر الحد
الأدنى لها من معايير النزاهة والشفافية
والعدالة المنصوص عليها في اتفاق المبادئ.
وتكمن أهمية اتفاق المبادئ
بمضامينه ودلالاته السياسية، ودوره في
الانتخابات في مشروعيته وقوته القانونية
الملزمة التنفيذ التي يستمدها مما نص عليه
من مضامين وآليات تنفيذية لأحكام دستورية
وقانونية نافذة أصلا، هذا من ناحية، كما
يستمد مشروعيته وقوته القانونية الملزمة
من ناحية أخرى من صيرورته وثيقة إجماع
وطني بعد توقيع جميع الأطراف السياسية في
الساحة اليمنية عليه، وبعد أن حظيت هذه
الوثيقة بمباركة وتأييد الدول المانحة
والمنظمات الدولية المهتمة بالعملية
الديمقراطية في اليمن، وهو ما يقود إلى
فاعلية الرقابة الدولية على الانتخابات
التي يشهدها نحو 150 صحفيا من مختلف وسائل
الإعلام، ونحو 140 مراقبا دوليا ينتشرون في
كل أنحاء اليمن لمراقبة العملية
الانتخابية.
يضاف لذلك أن أحزاب اللقاء
المشترك تخوض الانتخابات الرئاسية
والمحلية في ظل أوضاع وشروط موضوعية -اجتماعية
واقتصادية- تهيئ لها منافسة قوية، بعد أن
أفضت إجراءات السلطة إلى حالة من الفقر
والبطالة، تصاعدت على أثرها حالة
الاحتقان السياسي والاجتماعي، وتنامت
معها مظاهر السخط الشعبي العام تجاه
السياسات السعرية التي اتخذتها السلطة؛
وهو الأمر الذي دفع بالعديد من الفئات
الاجتماعية المتضررة إلى التعبير عن
سخطها علنا، عبر الاحتجاجات المطلبية
المنظمة منها والعفوية، والتي تكررت
بصورة شبه دائمة خلال الفترة المنصرمة على
شكل إضرابات واعتصامات وتظاهرات مختلفة،
شارك فيها منتسبو الأنشطة الاجتماعية
المختلفة، والتي بلغت أوجها فيما سمي
مجازا "انتفاضة الجياع" في يوليو 2005
حين نزلت الجموع الشعبية الغاضبة إلى
الشوارع في مختلف مدن ومحافظات الجمهورية
احتجاجا على الجرعة السعرية التي فرضتها
الحكومة على أسعار المشتقات النفطية،
والتي لم تفلح معها كل الاستعدادات
والخطوات الاستباقية التي أقدمت عليها
السلطة، بما في ذلك إعلان رئيس الجمهورية
عدم ترشحه للانتخابات الرئاسية.
إجمالي ما سبق يمكن القول إن
المزاج الشعبي الساخط على السلطة سيجعل من
أحزاب اللقاء الديمقراطي منافسا قويا،
وسيحقق نتائج إيجابية في الحصول على نسبة
عالية بالنسبة لانتخابات الرئاسة، ونسبة
كبيرة من المقاعد في الانتخابات المحلية،
إذا ما سارت الانتخابات بصورة طبيعية
وتوفر لها الحد الأدنى من معايير الحرية
والنزاهة والشفافية.
تحديات تكبح جماح المعارضة
رغم الظروف والمعطيات السابقة
التي تشير إلى توافر فرص وجود معارضة
حقيقية باليمن، فإن المعارضة تواجه في
الوقت نفسه بالعديد من المعوقات
والتحديات؛ فالحزب الحاكم لا يمكنه
بسهولة أن يجعل المعارضة تستحوذ على نسبة
عالية من الأصوات بما يتجاوز 40% منعا لهز
بنية النظام الحاكم، ولهذا عمد الرئيس علي
عبد الله صالح إلى شن هجوم قوي ضد حلفائه
السابقين، وذكر بالاسم جماعة "الإخوان
المسلمين" باليمن، قائلا: "إنهم عضوا
الأيادي التي احتضنتهم طيلة العقود
الثلاثة الماضية"، ووصفهم بالقوى
الرجعية والظلامية، واتهمهم إلى جانب
الحزب الاشتراكي بمحاولة الانقلاب على
الشرعية، والسعي لتحويل اليمن إلى "صومال
جديد".
وكان أبرز ما في خطابات الرئيس
علي صالح قوله: "إن المعارضة لن تصل إلى
الحكم"، مناشدا الناخبين في كل
المحافظات منحه كل أصواتهم من أجل هزيمة
المعارضة شر هزيمة لتغرب شمسهم إلى الأبد،
قاصدا بذلك حزب "الإصلاح".
وفي المقابل شنت المعارضة هجوما
لاذعا على الرئيس والحزب الحاكم متهمة
إياه بالفساد وتخريب البلاد، وركزت كلمات
بن شملان مرشح المعارضة «المستقل» على
المشاكل الرئيسية التي تواجهها كل
محافظات الجمهورية ملخصا إياها في ثماني
مشاكل من بينها «الماء - الكهرباء - الصحة -
التعليم»، كما ركز أيضا على مشاكل البطالة
والفقر وسوء الخدمات.
وقدمت المعارضة وثائق رسمية
أوضحت أن حالات «غسيل أموال» تجاوزت ثلاثة
مليارات ونصف المليار ريال يمني نهبها
الحزب الحاكم من البنك المركزي لتغطية
حملته الانتخابية إلى جانب ذلك هدد الشيخ
حميد بن عبد الله الأحمر أحد أبرز الأسماء
المعارضة في اليمن بعدم قبول النتائج إذا
ثبت تزويرها من قبل الحزب الحاكم.
وأيا ما كان الأمر، فإن ثمة عدة
تحديات أمام كافة القوى السياسية
المعارضة والمشاركة في العملية
الانتخابية الرئاسية وهي:
أولا: التحديات الداخلية
النابعة من الحزب الحاكم:
يقود الحزب الحاكم عملية انقلاب
مبرمجة على اتفاق المبادئ الذي وقعه مع
أحزاب المعارضة للتخلص من كل الالتزامات
التي تضمن إجراء انتخابات حرة ونزيهة؛
فاللجنة العليا للانتخابات ما تزال تحت
سيطرة وتوجيه حزب "المؤتمر" الحاكم
بالرغم من إضافة عضوين من "اللقاء
المشترك" إليها؛ حيث لم يتسلم هذان
العضوان أية مهام محددة، تحت ادعاء اللجنة
العليا أن مسألة ترتيب وضعيهما وتمكينهما
من العمل ربما تأخذ وقتا طويلا، وهذا تنصل
واضح من تنفيذ أحد بنود اتفاق المبادئ
الذي ينص على ضرورة إيجاد توازن في تشكيلة
اللجنة العليا، وبالتالي يظل هناك خلل
سياسي لصالح المؤتمر.
من جانب آخر، رفضت اللجنة العليا
تسليم السجل الإلكتروني لجداول الناخبين
لأحزاب المعارضة كما ينص اتفاق المبادئ
بذريعة أن المادة (128) من قانون الانتخابات
تحظر عليها إفشاء أي أسرار أو معلومات أو
بيانات، أو إخراج أي وثيقة من الوثائق من
شأنها الإضرار بالآخرين، وهو ما حدا
بالمعهد الديمقراطي الأمريكي أن يوجه
انتقادات حادة للجنة العليا للانتخابات
تتعلق بأدائها الذي لا يعكس مستوى شراكتها
مع بقية أحزاب المعارضة.
يضاف إلى ذلك ما تداولته بعض
الصحف اليمنية وكشف عنه خبير اقتصادي يمني
حول وجود أكثر من 900 مليار ريال لم تدخل في
الموازنة العامة للدولة لعام 2006 كفوارق
أسعار للنفط قدرت بأكثر من 500 مليار ريال،
وأكثر من 400 مليار ريال أدرجت في مسمى دعم
جار مركزي ودعم مشتقات نفطية وتحت مسمى
بدلات أخرى، ويقال إن هذه الأموال ذهبت
لتمويل الحملة الانتخابية لمرشح حزب
المؤتمر.
ثانيا: التحديات الخارجية:
رغم أن الانتخابات اليمنية تجري
دون دعم سياسي خارجي للحكومة الحالية، بعد
أن توافقت الولايات المتحدة ومجموعة
الدول المانحة ودول الجوار على أن النظام
القائم بات عليه ضرورة الإصلاح، ثم
تحفيزها لاتفاق المبادئ المبرم بين
الحكومة والمعارضة لفتح المجال كاملا
أمام كافة المتنافسين على المنصب
الرئاسي، إضافة إلى وجود العديد من
المنظمات الدولية التي تراقب عملية
الانتخاب، لكن السؤال الجوهري يدور حول ما
قد تفعله هذه الأطراف -خاصة الولايات
المتحدة- في حالة حدوث تجاوزات انتخابية
أو عمليات للتزوير من الحزب الحاكم، حيث
لا يتوقع أن تتخذ الولايات المتحدة أي رد
فعل؛ نظرا لما يربطها من علاقات مع النظام
الحاكم في اليمن، وهما الحليفان فيما يسمى
"الحرب الدولية على الإرهاب"، وهو
الأمر الذي يزيد عبئا إضافيا أمام
المعارضة التي لا تدري الولايات المتحدة
بأي لون ستتعامل معها مثل هذه المعارضة
إذا لو وصلت للسلطة في اليمن.
مستقبل المعارضة اليمنية
يمكن القول إن هذه السلبيات كافة
تشير إلى ترجيح أن يحقق حزب المؤتمر
الحاكم الفوز بالانتخابات، وتجديد رئاسة
الرئيس اليمني الحالي "علي عبد الله
صالح"، لكن ثمة إيجابيات قد أظهرتها
الحملة الانتخابية، أبرزها اصطفاف
المعارضة بهذا الشكل للمرة الأولى في
انتخابات رئاسية، واتفاقها على برامج
واحدة، وعملها على فتح ملف الفساد بالدولة.
بيد أن أبرز ما أسهمت فيه هذه
المعارضة هو تلك النقلة النوعية في الوعي
الجماهيري الذي بات يطالب بالتغيير؛ إذ
أعادت هذه الانتخابات فرز الشارع اليمني
وقواه الحية بطريقة جديدة ومختلفة عن
السابق، وبدأ المواطن يفكر بصوت عال
ويفاضل بين كفتي الميزان، ويحدد في أيهما
تكمن مصلحته، فقد بدأ يتفهم أن أحد أهم
مفاتيح التغيير بيده وأنه ما لم يبادر إلى
ممارسة حقه في صناعة مستقبل أفضل فسيظل
مجرد رقم لا قيمة له، وتلك إحدى المعادلات
التي يتوقع منها فرز نتائج جديدة على
الساحة اليمنية.
وبغض الطرف عن انتهاكات النظام
الحاكم وتقييده للمعارضة والتحريض عليها
واستمرار اختلال التوازن السياسي في
اللجنة العليا لصالح الحزب الحاكم؛ الأمر
الذي سيعكس نفسه على اللجان الانتخابية
وأدائها في الميدان، فإنه يمكن القول إن
أمام المعارضة هي الأخرى تحديات ذاتية
ستستلهم بشكل كبير في تشكيل المستقبل
اليمني.
وتتمثل هذه التحديات في مدى
قدرتها على توحيد مواقفها السياسية
والاقتصادية والاجتماعية من القضايا
المطروحة، وعلاقاتها ببعضها البعض،
وعلاقاتها بقوى المعارضة الأخرى في
المنطقة، ومدى ممارسة الديمقراطية داخل
المعارضة نفسها، وقدرتها على تطوير
ذاتها، ومقدرتها المالية الذاتية التي
تتيح أمامها فرصة طرح البرامج البديلة
للنظام الحاكم.
إن هذه التحديات تضع علامات
استفهام كثيرة أمام المشاركة الحقيقية
للقوى السياسية اليمنية في منظومة
العملية السياسية بعد الانتخابات
الرئاسية والمحلية.
|