 |
|
الرئيس اليمني.. هل يخرج عن
المألوف؟ |
مع اقتراب موعد انتهاء الذكرى
رقم 27 لتولي الرئيس اليمني "علي عبد
الله صالح" حكم اليمن في يوليو 2006
المقبل (تولى الرئاسة في 17-7-1978)، زاد الجدل
حول بقاء الرئيس اليمني في الحكم للعام
الـثامن والعشرين على التوالي سخونة، في
ظل إعلان الرئيس -للمرة الثالثة- رغبته في
عدم الاستمرار في منصبه وإصرار الحزب
الحاكم على بقائه.
فمنذ مطالبة البيان الختامي
للمؤتمر السابع للحزب الحاكم الذي عقد في
18 ديسمبر 2005 بمدينة عدن الرئيس "بالتراجع
عما بادر به كحق شخصي في عدم ترشيح نفسه
مرة أخرى لمنصب رئيس الجمهورية"، وهناك
حملة إعلامية وسياسية يقودها الحزب
الحاكم للتمديد للرئيس وإعادة ترشيحه
بدعوى "مقتضيات المسئولية التاريخية
والوطنية".
وبالمقابل تصر قوى المعارضة على
تنفيذ رغبة الرئيس في عدم الترشح مرة أخرى،
وتصف كل ما يعلنه الرئيس من رفض للترشيح
وإلحاح الحزب الحاكم على بقائه بأنه ليس
سوى: "دعاية انتخابية مبكرة"، أو على
الأقل "محاولة لتوريث الحكم".
ويبدو أن القنبلة التي ألقاها
الرئيس اليمني يوم 21 يونيه الجاري 2006 على
هامش عقد حزب المؤتمر الشعبي الحاكم جلسته
الأولى في مؤتمره الاستثنائي المنعقد من
أجل مناشدة صالح التراجع عن فكرة عدم
الترشح للرئاسة، عندما قال: "لا زلت
مصمما على عدم الترشح لفترة رئاسة أخرى،
وهذه ليست مفاجأة فقد أعلنتكم بها منذ
شهور"، وتأكيده أن 28 سنة في الحكم "كافية"
قد فتحت الطريق أمام ثلاثة تكهنات هي: إما
أن الرئيس ينوي بالفعل الاستقالة ما سيضع
باقي القادة العرب في حرج شديد، أو أنه
ينوي الاستمرار في هذا التمنع بغية
استعارة النموذج المصري في التمديد، أو
أنه ربما لا زال يفكر في سيناريو التوريث
وينوي تنفيذه في حياته.
فالرئيس اليمني تحدث هذه المرة
بشكل قوي للغاية يوحي بأنه مصمم بالفعل
على الاكتفاء بسنوات حكمه قائلا: "أريد
أن أسلم السلطة سلميا.. دعونا نتبادل
السلطة وبطرق ديمقراطية وحرية مطلقة.. أنا
لست مريضا ولست عاجزا عن تحمل المسئولية
ولكنني أسست ما أسسته في الماضي وهو تحقيق
وإعادة الوحدة اليمنية وتسوية الحدود
اليمنية وإيجاد تنمية شاملة والآن أريد أن
أرعى هذا الإنجاز عندما أسلم السلطة رسميا
للشعب اليمني".
وحتى عندما خرجت في العاصمة
صنعاء وعدد من المدن اليمنية الأخرى
مسيرات شعبية ومناشدات للرئيس صالح
بالعدول عن نيته في عدم الترشح لفترة
رئاسية، رد عليهم على عبد الله صالح في
كلمته قائلا: "لا أريد مظاهرات ولا
مناشدات.. هذه ليست تمثيلية ولا مسرحية.. لن
أتراجع عن عدم الترشح"، ما يعني أنه
يرفض أي مسرحية سياسية للتغطية على إعادة
ترشحه للانتخابات الرئاسية التي من
المقرر أن تجرى في أيلول (سبتمبر) المقبل
2006.
أيضا أكد صالح رغبته في إرساء
نموذج ديمقراطي يمني رفيع يؤسس لثقافة
التداول السلمي للسلطة في اليمن، وتوقعت
مصادر في الحزب الحاكم أن يقترح صالح على
المؤتمر ترشيح أسماء معينة سيكشف عنها في
حينها.
ورغم أن نائب رئيس الكتلة
البرلمانية للمؤتمر الشعبي "ياسر
العواضي" أشار لوجود بوادر أمل
لاستجابة الرئيس اليمني للضغوط
الجماهيرية الشديدة والواسعة لمواصلته
مشوار قيادة البلاد، ما يعني احتمال تراجع
صالح في اللحظات الأخيرة، فقد وضعت
تصريحات الرئيس اليمني القوية هذه المرة -حول
ضرورة اعتزال الحكام العرب للحكم بعد أكثر
من ربع قرن في السلطة- نسبة كبيرة من
الحكام في مأزق خصوصا أن هناك دعوات
إصلاحية ترفع في العديد من الدول العربية
وترفع شعار "كفاية" للاستمرار في
الحكم.
تمديد.. أم توريث!
ورغم الموقف القوي الذي أعلنه
الرئيس اليمني بخصوص عدم ترشحه وتأكيده أن
اليمن به العديد من الكفاءات التي يمكن أن
تحكم، واستعداد تكتل خمسة أحزاب معارضة
لترشيح شخصية منها للانتخابات المقبلة،
وتأكيد حوالي 12 شخصا بينهم ثلاث نساء
رغبتهم في الترشح، فإن معظم هذه الترشيحات
لا تؤخذ فعليا على محمل الجد لأسباب
قانونية.
فوفقا للدستور اليمني لا يحق لأي
مواطن الترشح للرئاسة إلا إذا حصل على
نسبة 5% (15 صوتا) من أصوات أعضاء البرلمان
الذي ينتمي معظمه (229 نائبا من أصل 301) إلى
الحزب الحاكم، وكذلك نسبة 5% (8 أصوات) من
أعضاء مجلس الشورى الذي تعين السلطة جميع
أعضائه البالغ عددهم 151 عضوا، وهو ما يعني
أن الفرصة قاصرة على مرشح حكومي وآخر حزبي
من أحزاب المعارضة.
ولهذا تطرح قوى حزبية يمنية -تشكك
في جدية انسحاب الرئيس صالح من الحياة
السياسية- سيناريوهات أخرى بعضها يركز على
أن صالح سوف يستجيب في نهاية الأمر وأنه
فقط يستعير نموذج التمديد الرئاسي المصري
عندما عزف الرئيس مبارك عن إعلان نيته في
الترشح وترك الباب لجدال ساخن حول
احتمالات تنحية، ثم استجاب لطلب الحزب
الحاكم بترشيحه في نهاية الأمر، والبعض
الآخر يعود لترديد فكرة توريث الحكم لابن
الرئيس اليمني في حياة الرئيس نفسه.
ويرى مراقبون للشأن اليمني أن
الضغوط الكثيفة على الرئيس علي عبد الله
صالح خاصة من جانب قوى المعارضة التي وجهت
له نقدا لاذعا واتهمته هو وابنه بالترتيب
لسيناريو توريث الحكم أو التمديد له ودعته
للتنحي، ربما كانت وراء هذا المظهر
الديمقراطي الذي يسعي الرئيس اليمني
لإسباغه على منصبه في الولاية الجديدة
التي تبدأ بالعام 28 له في الحكم مثلما فعل
قادة عرب آخرون مؤخرا.
ويقولون بأنه سبق للرئيس اليمني
أن أعلن مرتين عن رغبته في عدم الاستمرار
في الرئاسة، وعقب كل مرة كان يعلن نزوله
عند رغبة المتظاهرين الذين كان الحزب
الحاكم يخرجهم للمطالبة باستمراره في
الحكم، بحسب المعارضة، وأنه عندما أعلن
هذه الرغبة في التنحي مجددا -للمرة
الثالثة منذ يوليه 2005- وتمسك به الحزب
الحاكم، ترك صالح باب الترشح للرئاسة
مفتوحا ودعا الحزب إلى عقد مؤتمر استثنائي
يتم فيه إقرار المرشح للرئاسة بطرق رسمية؛
مما زاد من تكهنات المراقبين بتراجعه عن
رفضه السابق للترشح لفترة رئاسة جديدة رغم
عودة صالح في بداية المؤتمر لتأكيد أنه لن
يترشح!.
وتشهد الساحة السياسية باليمن
جدلا عنيفا بين المعارضة والسلطة، حيث
يتعرض الرئيس صالح ونجله أحمد لانتقادات
لاذعة من صحف المعارضة في إطار ملف توريث
الحكم؛ مما أدى إلى وقف إصدار 6 صحف معارضة
خلال أسبوع واحد، كما يطالب العديد من
الكتاب والصحفيين والسياسيين الرئيس
بالإصلاح السياسي، ووجهوا له انتقادات
شديدة وصلت حد مطالبته بالاستقالة بعد أن
كانت لا تدنو منه الانتقادات الصحفية أو
السياسية لسنوات طوال.
وبلغ الأمر بالكاتب المعارض "محمد
المقالح" كتابة مقال بصحيفة "النداء"
الأهلية يقول فيه بأن "الرئيس يمتلك
السلطة المطلقة، وبالتالي المفسدة
المطلقة منذ 27 عاما، ثم لا تريدون منا أن
نقول له يا أخي عيب.. تزحزح قليلا، أفسح
المجال لغيرك هذه السلطة ليست ملكك، ولم
تمنحها كحق إلهي لا يجوز منازعتك فيها،
كما أنك لم تكتسبها برضا الناس وأصواتهم
وصناديق الاقتراع بدليل انتخابات عام
1999".
ويبدو أن التجربة المصرية فيما
يتعلق بتغيير طريقة انتخاب رئيس
الجمهورية من (الاستفتاء) إلى (الانتخاب
الحر المباشر) بين أكثر من مرشح واحد، بحيث
يترك الأمر للشعب لا لأعضاء البرلمان فقط،
ستكون لها انعكاسات على اليمن ودول عربية
أخرى تتعرض لضغوط أمريكية وأخرى داخلية من
جانب المعارضة لإسباغ قدر أكبر من
الديمقراطية على الحكم بعدما أصبح ملف
توريث الحكم لأبناء المسئولين مستبعدا أو
مؤجلا.
ويزيد هذا الاحتمال ترجيحا أن
اليمن تتشابه مع مصر كثيرا في تجاوز
المعارضة الخطوط الحمراء لانتقاد الرئيس
وابنه والتحذير من مخطط لتوريث الحكم، كما
ظهرت في اليمن حركات شعبية معارضة لتمديد
حكم الرئيس مثل (ارحلوا) التي قامت على
غرار (كفاية) المصرية.
فهل يصدق صالح في قرار الاكتفاء
من السلطة بهذا، وهو ما سوف يضع غالبية
الزعماء العرب ممن تخطوا حاجز ربع القرن
في السلطة في مأزق؟ أم يتراجع ويقبل
الدخول في العام 28 له في السلطة بعدما يثبت
للجميع أنه رضخ لحكم ومطالب الشعب؟ أم
يترك الأمر لمؤسسات الحزب الحاكم لطرح
فكرة التوريث الانتخابي بترشيح ابنه
رئيسا وضمان توليه السلطة خلفا لأبيه؟
أيا كان خيار الرئيس اليمني،
فالذي لا شك فيه أن تجربتي انتخابات
الرئاسة في مصر ثم اليمن سيكون لهما
تأثيرات كبيرة مستقبلا على أوضاع الحكم في
العالم العربي، وسوف يتركان بصمات
إصلاحية نسبية لأنهما نقلا النقاش حول
الرئاسة من خانة الممنوعات إلى خانة
المسموح به، وفتحا النقاش حول مطالب
إصلاحية تصاعدية.
|