 |
|
مبنى البرلمان المغربي |
استطاعت الحكومة المغربية تحصيل
الأغلبية في مجلس النواب لتمرير ثلاث
مشاريع قانونية تتعلق بتعديل مدونة
الانتخابات والقانون التنظيمي لمجلس
النواب والمراجعة الاستثنائية للوائح
الانتخابية، وصادق مجلس النواب في وقت
متأخر من ليلة الثلاثاء 5 ديسمبر 2006 على
مشاريع القوانين المذكورة بعد نقاشات
عسيرة انتقلت من الغرف المغلقة داخل
البرلمان إلى القاعات العمومية ومقرات
الأحزاب السياسية، كما استقطبت القوانين
الجديدة المتعلقة بتنظيم الانتخابات جزءا
كبيرا من الرأي العام خصوصا بعدما قررت
مجموعة من أحزاب المعارضة تشكيل ائتلاف
وطني لمناهضة القوانين الجديدة وسطرت
برنامجا نضاليا نزلت على إثره للشارع
ونظمت العديد من الوقفات الاحتجاجية
والمهرجانات الخطابية في العديد من المدن
المغربية.
وقد أحيلت القوانين الجديدة على
الغرفة الثانية، وينتظر أن تخضع للمناقشة
في غضون الأيام القليلة المقبلة، ومن
المتوقع أن تصعد المعارضة من تحركاتها
للحيلولة دون المصادقة النهائية عليها
ولو تطلب الأمر حسب بعض المصادر من
المعارضة طلب التحكيم الملكي.
النقاش الدائر حول القوانين
الانتخابية
 |
|
وزير الداخلية المغربي
شكيب بن موسى |
|
بدأت القصة عندما أحالت الحكومة
على البرلمان مشروع قانون تنظيمي لمجلس
النواب ينص على بعض المقتضيات التي
اعتبرتها المعارضة مجحفة في حقها، واتهمت
أحزاب الأغلبية بقيادة الاتحاد الاشتراكي
للقوات الشعبية بمحاولة تفصيل القانون
الانتخابي على مقاسها لضمان استمراريتها؛
وذلك بفرض شروط تعجيزية على الأحزاب "الصغيرة"
لا تستطيع توفيرها.
وهكذا تضمن مشروع القانون
التنظيمي مجموعة من المقتضيات الجديدة
التي تعيد النظر في القواعد المرتبطة
بالمراحل التمهيدية للعملية الانتخابية،
وذلك بدعوى "ضبط وعقلنة عملية الترشيح
للانتخابات" كما جاء في تصريح لوزير
الداخلية السيد شكيب بن موسى.
ومن هذا المنطلق فقد اشترط
القانون لقبول الترشيحات المقدمة من طرف
المرشحين:
- أن تكون الأحزاب التي سلمت
التزكية قد حصلت خلال آخر انتخابات عامة
بمجلس النواب على نسبة 3 % على الأقل من
الأصوات المعبر عنها في الدائرة
الانتخابية الوطنية.
- أما بالنسبة للدوائر
الانتخابية المحلية، فإن المشروع ينص على
ضرورة إرفاق التزكية الحزبية بلائحة
توقيعات تتضمن 100 توقيع على الأقل عن كل
مقعد من المقاعد المخصصة للدائرة
الانتخابية المحلية المعنية، منها 80% من
التوقيعات لناخبي الدائرة المقيدين في
لوائحها الانتخابية العامة و20% من توقيعات
المنتخبين بالجهة التابعة لها الدائرة
الانتخابية، من بين أعضاء البرلمان أو
أعضاء مجالس الجماعات المحلية أو الغرف
المهنية أو من بينهم جميعا.
- أما بالنسبة للترشيحات المقدمة
على مستوى الدائرة الانتخابية الوطنية (لائحة
النساء)، فإن المشروع يشترط أن ترفق
التزكية الحزبية بلائحة توقيعات تشتمل
على 1000 توقيع لناخبين مقيدين في اللوائح
الانتخابية العامة. ويجب أن يكون هؤلاء
الناخبون منتمين لنصف عدد جهات المملكة
على الأقل (عدد الجهات بالمغرب 16 جهة)،
وألا يقل عدد الموقعين في كل جهة عن 5% من
عدد التوقيعات المطلوبة.
مبررات وزارة الداخلية
في كلمته أمام لجنة الداخلية
بمجلس النواب اعتبر وزير الداخلية أن هذه
التعديلات تندرج "في إطار الحرص على
إعطاء مصداقية أكبر للممارسة السياسية".
وقد تم اعتماد هذا التوجه "بعيدا عن أي
رغبة أو نية في الإقصاء أو الاستثناء أو
التهميش"، وبهدف "إفراز نخبة سياسية
مؤهلة ومؤسسة نيابية قوية قادرة على
الاضطلاع بمسئولياتها...". وهو ما يتطلب
في نظره "تجميع المشهد الحزبي وعقلنة
التعددية الحزبية" التي وصلت في المغرب
إلى 40 حزبا سياسيا شارك منها 26 حزبا في
استحقاقات 2002.
لكن هل يعبر موقف وزير الداخلية
عن رأي جميع الأحزاب المشكلة للحكومة؟.
يمكن أن نسجل في هذا الإطار
تناقضا صارخا في مواقف أحزاب الأغلبية
المشكلة للحكومة، فمن جهة هناك موقف
الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي
بدا متحمسا للمشروع ومدافعا عنه بكل
استماتة إلى جانب الحركة الشعبية التي بدت
أقل استماتة في الدفاع عن التعديلات
الجديدة، بينما اختار حزب الاستقلال موقف
الصمت في البداية قبل أن يعبر بعض أعضاء
لجنته التنفيذية عن معارضتهم لإقصاء أي
حزب من المشاركة في الانتخابات المقبلة،
ولم يبذل الفريق الاستقلالي أي مجهود يذكر
في الدفاع عن مشروع تقدمت به الحكومة التي
يتولى فيها 5 حقائب.
أما حزب التقدم والاشتراكية فقد
عبر منذ البداية عن رفضه لرفع نسبة العتبة
إلى 7% قبل أن ينتقل إلى رفض جميع التعديلات
الأخرى التي نص عليها المشروع على لسان
برلمانييه في أثناء مناقشة القوانين
الانتخابية بمجلس النواب، وسرعان ما
أصبحت معارضته أكثر وضوحا عندما شارك في
تأسيس "الائتلاف الوطني لمناهضة
الإجراءات الانتخابية الإقصائية".
أما حزب التجمع الوطني للأحرار
فقد التزم الصمت منتظرا لحظة التصويت
ليعبر عن دعمه لمشروع وزارة الداخلية كما
ورد في صيغته النهائية بعد إدخال
التعديلات.
وجهة نظر المعارضة
اعتبرت المعارضة أن رفع عتبة
التمثيل في مجلس النواب من 3% إلى 7% كشرط
لتمكين أي لائحة وطنية أو لوائح محلية من
عملية توزيع المقاعد، بحيث لا يحتسب إلا
أصوات اللوائح التي تجاوزت عتبة الـ 7%
بمثابة إقصاء عملي لثلاثة أرباع الأحزاب
السياسية من المشاركة المباشرة في
الانتخابات، بحيث لدينا في المغرب ما يفوق
40 حزبا، تقدمت منها 26 في انتخابات 2002،
وسيسمح فقط لـ 9 أحزاب بالتقدم للانتخابات
بصورة مباشرة بينما ستضطر الأحزاب الأخرى-
بصفة إجبارية - التي لم تحصل في انتخابات
2002 على 3% من الأصوات على تحصيل 100 توقيع
لناخبين من بينهم 20 توقيعا لمنتخبين على
مستوى الجهة، وهو ما اعتبر من طرف
المعارضة بمثابة شروط تعجيزية لحرمانها
من المشاركة في الانتخابات، فكيف يمكن أن
يطلب حزب من منتخبي حزب منافس أن يمده
بتوقيعاته...؟
الأحزاب المعارضة انتظمت في إطار
"الائتلاف الوطني لمناهضة الإجراءات
الانتخابية الإقصائية" الذي تم بناء
على دعوة من الحزب الاشتراكي الموحد وضم
أحزابا يسارية أخرى لم يسبق لها المشاركة
في الانتخابات كحزب الطليعة والحزب
الاشتراكي والحزب العمالي المغربي،
بالإضافة إلى أحزاب أخرى سبق لها أن شاركت
في الانتخابات ولكنها تعتبر من الأحزاب
الصغيرة كحزب القوات المواطنة وحزب
التقدم والاشتراكية المشارك في الحكومة.
حزب العدالة والتنمية الذي يعتبر
أقوى حزب معارض في المغرب ويتوفر على 42
نائبا برلمانيا اختار بدوره مناهضة
القوانين الانتخابية الجديدة، برغم أنه
يوجد في وضعية مريحة تؤهله للحصول على
رتبة متقدمة في ظل القوانين الأخيرة.
قياديو الحزب يفسرون موقفهم
باعتبارات مبدئية تتعلق بضرورة احترام
شروط التنافس الحزبي وما يتطلبه من تكافؤ
للفرص بين الجميع، وقد دعا في بيان له "كافة
الأطراف إلى تحمل لمسئولية الإعداد الجيد
للانتخابات المقبلة بما يجعلها محطة
متميزة تؤدي إلى تكريس خيار الانتخابات
الحرة والنزيهة والقطع مع الفساد السياسي
والانتخابي"، ويذكر أن فريق العدالة
والتنمية صوت بالرفض على مشاريع القوانين
الانتخابية، معتبرا أن "الحكومة
وأغلبيتها الكمية قد مررت مشاريع إقصائية
لا تستجيب لطموحات تطوير المشهد السياسي
المغربي".
حرصت المعارضة بأطيافها
المختلفة إذن على إبراز أن تطوير المشهد
السياسي هدف بعيد المنال بواسطة القوانين
الجديدة، وقد استندت في الدفاع عن
أطروحتها بالتأكيد على أن المشروع الحالي
حين يحدد نسبة 3% من المقاعد التي تم الحصول
عليها في انتخابات 2002 كشرط للمشاركة في
إعطاء التزكيات فهو يتسبب مباشرة في إقصاء
وتهميش مكونات حزبية وسياسة مهمة ويميز
بين الفاعلين السياسيين، ولا يعطي
إمكانية لتكافؤ الفرص؛ وهو ما يوحي بغياب
المحفزات لتوسيع المشاركة السياسية
وتحقيق هذا الهدف، كما اعتبرت أن هذا
المشروع سيؤدي إلى عزوف كبير لدى عموم
المواطنين، وهو الأمر الذي لا ينسجم مع
ادعاءات الحكومة في هذا المجال.
كما نبهت بعض الأصوات المعارضة
إلى تجاهل الحكومة للرغبة الملكية في
إشراك الجالية المغربية المقيمة بالخارج
في الترشيح والتصويت في الانتخابات
القادمة خصوصا أن عدد المغاربة المقيمين
بالخارج يقدر في أوروبا بـنحو مليونين و 800
ألف، وفي الدول العربية بـ290 ألف، وفي
أمريكا 180 ألف، وإفريقيا 5400، وفي آسيا 5200
مغربي، ويسجل الحضور الاقتصادي لأفراد
الجالية المغربية بالخارج ارتفاعا ملحوظا
فمنذ سنة 1996 إلى سنة 2005 تأسست 500 شركة
بالمغرب بواسطة المقاولين المغاربة في
الخارج، خلقت حوالي 70 ألف منصب شغل قار (ثابت).
ومن ناحية أخرى شدد فريق العدالة
والتنمية في مجلس النواب المغربي على "ضرورة
إلغاء اللوائح الحالية التي مرت عليها
عقود ووضع لوائح جديدة تحل محل اللوائح
الحالية التي تعتريها عدة عيوب تتمثل في
التكرار، وتسجيل فاقدي الأهلية والوفيات
إلى غير ذلك من الشوائب التي قد تكون بدون
شك موضوع طعن سياسي. بدل الاقتصار على
تنظيم مراجعة استثنائية لها فقط، مطالبا
"بضرورة اعتماد التسجيل التلقائي
والمباشر للشباب البالغين سن 18 واستغلال
جميع الفرص لتحفيزهم على التسجيل في
اللوائح الانتخابية حتى تكون إجراءات
التسجيل مواكبة للرغبة في إشراك الشباب في
الحياة السياسية من خلال تخفيض سن التصويت
إلى سن 18".
كما أثيرت نقطة أخرى في غاية
الحساسية والخطورة وهي تلك المرتبطة
بسلطة الإشراف على الانتخابات وطالب
البعض بإقرار هيئة وطنية مستقلة للإشراف
على الانتخابات وتعزيز دور القضاء في هذه
العملية حتى لا تكون الحكومة خصما وحكما
في نفس الوقت.
لكن إلى أي حد يمكن القول إن
النقاش الواسع الذي فتح بمناسبة القوانين
الانتخابية يدل على مرحلة جديدة من مراحل
الحراك السياسي في المغرب يمكن أن تدفع في
اتجاه ضخ جرعات جديدة في التطور
الديمقراطي؟.
نقاش سياسي ساخن.. ولكن
إن حرارة النقاش الذي طبع
المرحلة السابقة لا يمكن أن يلغي حقيقة
واضحة لدى المتتبعين للساحة السياسية
المغربية، وهي أن الانتخابات في المغرب
تجري بدون رهانات سياسية. فقد نجحت الدولة
في المغرب في احتكار أجهزة صنع القرار،
ونجحت في تأطير المواطن وشحنه بجميع عناصر
السلبية واللامبالاة، وتدجين وعيه
السياسي، وإفقاده الثقة في العملية
السياسية برمتها، فبعد كل محطة انتخابية
تصل أحزاب معينة إلى السلطة دون أن تمتلك
السلطة التنفيذية اللازمة التي تمكنها من
اتخاذ قرارات ومواقف تعبر بها عن امتلاكها
لحرية المبادرة والابتكار والقيام
بالوظائف التي تقوم بها الحكومات في
العالم، وحتى حكومة "التناوب التوافقي"
التي شاركت فيها أحزاب كانت تتمتع بقدر
معين من الاستقلالية عن أجهزة الدولة
والإدارة، لم يستطع أداؤها إقناع المواطن
بقدرتها على تفعيل برامجها وشعاراتها
السابقة، ولم تكن لها الشجاعة السياسية
الكافية لتوضيح أسباب عجزها أمام
المواطن، وإعلان محدودية السقف المسموح
لها بتنفيذ ما وعد به الوزير الأول آنذاك (عبد
الرحمن اليوسفي) في التصريح الحكومي الأول
والثاني، ولا هي قادرة من جهة أخرى على
امتلاك قوة تفاوضية صلبة لإقناع السلطة
العليا في البلاد بأن تدخلها في تفاصيل
الحياة السياسية قد يضر بالتجربة
الديموقراطية الهشة، ويفرغ المؤسسات
التشريعية والتنفيذية من محتواها؛
وبالتالي يزيد في تعميق الهوة بين المواطن
والسياسة. وهو ما يطرح السؤال التقليدي
المرتبط بضرورة إصلاح الإطار القانوني
الأساسي الذي يفتح المجال أمام تداول
حقيقي على السلطة تقوم فيه الحكومة
بممارسة السلطة التنفيذية الحقيقية وليس
فقط القيام بتنفيذ تعليمات مملاة من أعلى
قمة هرم الدولة، هذه التعليمات التي
تستعصي على المراقبة والمحاسبة أمام
المواطن بواسطة ممثليه في البرلمان وباقي
الأجهزة الرقابية.
بالإضافة إلى ما سبق فإن ضعف ثقة
المواطن في العمل السياسي يظل مرتبطا إلى
حد كبير بالعلاقة المختلة بين الأخلاق
والسياسة، بحيث أضحى مفهوم السياسة
مشحونا بكل معاني القدرة على التضليل
والكذب والخداع والمناورة، لكن المواطن
يتوق إلى نموذج تتصالح فيه السياسة مع
الأخلاق، وتتحول فيه السياسة إلى معناها
الأصلي والنبيل، وإلى أن تتصالح السياسة
مع الأخلاق يبقى موقف المواطن في الحقيقة
موقفا عقلانيا برغم تداعياته السلبية على
الجميع، وعلى رأسهم المواطن نفسه.
|