بريدك الالكتروني


English

 

السبت 6 شوال1427هـ - 28/10/2006م

المغرب » المنطقة العربية » تحليلات وآراء
أرسل لصديق
روابط من إسلام أون لاين
  أهم الأخبار

 

المغرب.. الإصلاح للتحديث لا للديمقراطية*

مارينا أوتاوي وميرديث ريلي**
ترجمة: مروة صبري

مارينا أوتاوي

على امتداد العقود الثلاثة التي أعقبت نيلها الاستقلال عام 1956، اتسمت المغرب بدرجة من الاستقرار قاربت الجمود. ولكن جاء عقد التسعينيات ليشهد شروع المملكة في تطبيق إصلاحات فوقية بدأت خلال السنوات الأخيرة من عهد الملك الحسن الثاني وسار على نهجه ابنه وخليفته الملك محمد السادس الذي تولى عرش البلاد عام 1999.

وبالفعل، أثمرت عملية الإصلاح بعض التغييرات الكبرى؛ حيث طرأ تحسن كبير على أوضاع حقوق الإنسان وتم الاعتراف -بصورة جزئية على الأقل- بالانتهاكات الماضية، وإقرار صورة ذات طابع تقدمي أكبر من "المدونة"، وهي مجموعة القوانين التي تنظم الزواج والطلاق وحضانة الأطفال والجوانب الأخرى للعلاقات الأسرية. علاوة على ذلك، انتهى الحظر المفروض على مناقشة قضايا الفساد علانية، وجرى تطبيق بعض الإصلاح الاقتصادي.

ومن المؤكد أن المغرب سوف يشهد على امتداد السنوات القادمة المزيد من التغييرات، إلا أنه من المحتمل أن تأتي تلك التغييرات في صورة خطوات منفصلة، مثلما هو الحال حتى الآن، ترمي لإقرار تغيير محدود في مجالات بعينها، بدلاً من تنفيذ عملية تحول ديمقراطي. ويبدو أن الدافع وراء الإصلاح في المغرب هو السعي نحو تحديث البلاد، وليس تحقيق المشاركة الشعبية وإقرار مبدأ محاسبة الحكومة.

في واقع الأمر، ليس هناك من مؤشرات حتى الآن توحي بأن الرباط في طريقها نحو التحول إلى بلد ديمقراطي تتوافر فيه السلطة الحقيقية في يد المؤسسات المسئولة أمام الناخبين، فما تزال السلطة الدينية والسياسية المهيمنة داخل البلاد متمثلة في الملك الذي يعد المحرك الرئيسي وراء حركة الإصلاح. وعليه، نجد أن جميع الإجراءات الإصلاحية الجديدة تم اتخاذها من جانب المستويات الأعلى للسلطة بالبلاد بناءً على قرارات من الملك، وحرصت على عدم فرض أي قيود على سلطاته.

ورغم أن الملك محمد السادس التزم حتى الآن بنهج أكثر استنارة وإصلاحًا من سلفه، فإنه لا يبدي أي استعداد للسماح لمؤسسات قوية بالدولة بتقييد سلطته، ناهيك عن قبول فكرة الانتقال الكامل نحو نظام ملكي دستوري بالمعنى الحقيقي.

جدير بالذكر في هذا الصدد أن الملك يحظى في الوقت الراهن بسلطة تعيين رئيس الوزراء والحكومة دون أخذ نتائج الانتخابات في الاعتبار، وإقالة الحكومة والبرلمان كيفما شاء، وممارسة السلطة التشريعية حال غياب البرلمان.

إقرار الإصلاحات: الملك الحسن الثاني

الملك الحسن الثاني بدأ الإصلاح، فهل يكرسه الملك محمد السادس؟

ظل المغرب قيد حالة من الجمود السياسي حتى مطلع عقد التسعينيات، عندما شرع الملك الحسن الثاني في تحويل نهجه بالبدء في عملية انفتاح بطيئة في النظام السياسي، استجابة لبيئة دولية متغيرة واقتراب فترة حكمه من نهايتها. وكان من شأن انتهاء الحرب الباردة ظهور مناخ عالمي جديد يدعم الديمقراطية. وتصاعدت الجهود على كاهل المملكة للتوافق مع التوجهات الدولية الجديدة، خاصة عام 1992 عندما رفض البرلمان الأوروبي تقديم مساعدات للمغرب بسبب سجلها السيئ في مجال حقوق الإنسان، علاوة على الحرب الدموية بين قوات الأمن والإسلاميين التي سقطت فيها الجزائر المجاورة؛ وهو ما شكل ناقوس خطر للأنظمة السياسية الاستبدادية الأخرى.

وعلى الصعيد الداخلي، كان من شأن تعرض البلاد لموجات متتالية من الجفاف الشديد لهجرة الكثير من أبناء المناطق الريفية إلى المدن؛ وهو ما أسفر عن تفاقم معدلات البطالة والسخط الاجتماعي التي أدت بدورها لتنامي مستوى تأييد الجماعات الإسلامية؛ الأمر الذي أثار قلق النظام الحاكم.

وبصورة عامة، يمكن تقسيم الإصلاحات التي سنها الملك الحسن الثاني في أربع فئات: تحسين مستوى احترام حقوق الإنسان - زيادة سلطات البرلمان بصورة محدودة - تعزيز فرص المشاركة السياسية من جانب الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني - وتنفيذ بعض المحاولات لكبح جماح الفساد.

ترسيخ الإصلاح: الملك محمد السادس

رغم التكهنات الكبيرة التي صاحبت تولي محمد السادس عرش البلاد عام 1999 بشأن إقرار إصلاحات كبرى واسعة، اتضح بمرور الوقت أن توجهه إزاء الإصلاح يشبه بدرجة كبيرة النهج الذي اتبعه والده؛ فقد استمرت حركة الإصلاح في المغرب في التحرك بناءً على الزخم الذي يوفره الملك.

وقد أولى محمد السادس اهتمامًا خاصًا بقضية تحسن أوضاع حقوق الإنسان وتحرك إلى مدى أبعد بكثير في هذا الاتجاه عن والده؛ حيث أطلق سراح عدد كبير من المسجونين، أبرزهم عبد السلام ياسين زعيم أكبر جماعة إسلامية بالبلاد "العدل والإحسان" رغم انتقاداته الشديدة للملك ووالده. كما اتخذ المزيد من الخطوات لتوفيق القوانين المغربية مع المواثيق الدولية؛ فعلى سبيل المثال، عدل قانون العقوبات لإلغاء التعذيب. الأهم من ذلك، أن محمد السادس اعترف بمسئولية الحكومة عن عمليات الاختطاف وانتهاكات حقوق الإنسان الأخرى.

من بين الإصلاحات البارزة الأخرى في عهد محمد السادس مشروع إصلاح "المدونة" الذي بدأه والده قبل وفاته بشهور قليلة، وقد اكتمل المشروع في فبراير عام 2004 وتضمن رفع سن الزواج من 15 إلى 18 عامًا، والسماح للمرأة بالحصول على الطلاق من خلال الاتفاق مع الزوج، وتقييد قدرة الرجل على الطلاق بشكل انفرادي وحقه في تعدد الزوجات، واستبدال مبدأ طاعة الزوجة لزوجها بآخر يقوم على المسئولية المشتركة.

وبالمثل، سار الملك الجديد على خطى والده فيما يخص محاربة الفساد؛ حيث سمح للصحف بتناول قضايا الفساد، وأعلن في أكتوبر عام 2005 عن إنشاء منظمة مستقلة معنية بمكافحة الفساد، إلا أن هذا القرار لم يتم تنفيذه فعليًّا بعد.

بالنظر إلى ما سبق، من المتعذر الزعم بأن الإصلاحات التي أقرها حسن الثاني ومحمد السادس مجرد تغييرات شكلية؛ حيث تحمل البلاد انعكاسات حقيقية لها تتمثل في درجة أكبر من الانفتاح وقدرة الصحافة المستقلة على مناقشة قضايا كانت تقع بدائرة المحظورات فيما مضى وتمتع المرأة بالمزيد من الحقوق، إلى جانب الاعتراف بالانتهاكات الماضية وتناولها.

بيد أنه رغم أهمية التغييرات التي سنها الحسن الثاني ومحمد السادس على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي، فإنها لا تعد إصلاحات سياسية بالمعنى الحقيقي بحيث تغير توزيع السلطات بالبلاد وطبيعة النظام السياسي؛ فما تزال السلطة في يد الملك دون أي قيود دستورية.

الحلقة المفقودة: الإصلاح السياسي

من الملاحظ أن مشروع محمد السادس الإصلاحي يفتقد إجراءات تؤثر على النظام السياسي. في الواقع، بدلاً من توسيع دائرة الإصلاحات التي بدأها والده بهذا المجال، توقفت حركة الإصلاح السياسي في عهد الملك الجديد. وتجدر الإشارة إلى أن الإصلاحات السياسية التي نفذها الحسن الثاني اتسمت بتواضعها الشديد؛ بل ويرى بعض المحللين أن التعديلات الدستورية التي نصت على إقامة برلمان مؤلف من مجلسين ألحقت الضعف بالبرلمان، بدلاً من تعزيزه، بسماحها بزيادة عدد الأعضاء المنتخبين بصورة غير مباشرة من قبل المجالس المحلية المحافظة والموالية للنظام الملكي. ورغم عدم ترحيبه بمنح البرلمان سلطة حقيقية، اعترف الحسن الثاني بالحاجة لإدخال تغييرات على وجه النظام الذي ظل دون تغيير على مدار قرابة ثلاثين عامًا، لكن ابنه لم يستمر على نهج حتى تلك الخطوات الصغيرة، وأعلن مرارًا عدم الحاجة إلى أي إصلاحات دستورية أخرى. إلى جانب ذلك، لم يحاول على الإطلاق تغيير النظام غير الرسمي للشبكات الشخصية التي طالما اعتمد عليها النظام الملكي، مكتفيًا باستبدال الأفراد الموالين لوالده بأفراد موالين له.

إمكانات الإصلاح السياسي

هناك سبيلان لتحقيق الإصلاح السياسي بالمغرب أو أي بلد آخر: أولهما: اتخاذ الإجراءات اللازمة لإقرار قدر أكبر من الديمقراطية في النظام السياسي. وثانيهما: صياغة عملية سياسية قد تثمر تلك الإجراءات.

فيما يخص المغرب، فإن الإجراءات الضرورية لإحلال الديمقراطية واضحة وهي: تقييد سلطات الملك والفصل المؤسساتي بين السلطات التشريعية القضائية والتنفيذية والسماح للمؤسسات المنتخبة المسئولة أمام الناخبين بالاضطلاع بدور حقيقي في الحكم.

من الناحية النظرية، تدعم جميع الأحزاب السياسية التعديلات الدستورية الضرورية لإقرار تلك التغييرات، ولكنها لا تبذل أي جهود لتحقيق ذلك؛ لانشغالها بالدفاع عن مكانتها في مواجهة الإسلاميين في انتخابات 2007.

ومن أجل تحرك المغرب في اتجاه الديمقراطية، يجب أن تأتي المبادرة، أو على الأقل الضغوط، ليس من جانب القصر وإنما القوى السياسية الأخرى. وبدون تغيير توازن القوى داخل المغرب، فإنها قد تتحول إلى دولة أكثر حداثة وكفاءة، ولكن ليس ديمقراطية. وعليه، فإن إصلاح النظام السياسي يعتمد على ظهور قوى سياسية مستقلة ليس بمقدور الملك قمعها أو استمالتها.

وفي الوقت الراهن يوجد بالمغرب ثلاث قوى سياسية فعلية أو محتملة: أولاً: القصر، ثانيًا: المعارضة القديمة المؤلفة من الأحزاب العلمانية، ثالثًا: الأحزاب والحركات الإسلامية. عند النظر إلى القصر، نجد أنه يتمتع بقوة هائلة نتيجة السلطات الهائلة التي يمنحها الدستور للملك والسلطة غير الرسمية التي يتمتع بها بمقتضى التقاليد والشرعية الدينية التي يحظى بها باعتباره أمير المؤمنين.

الأحزاب العلمانية

رغم أهمية الأحزاب السياسية العلمانية لكونها جزءا من الحكومة والبرلمان، فإنها تتسم في الوقت ذاته بالقدم والإنهاك وتفتقر إلى روح المبادرة، كما تعاني تلك الأحزاب من درجة كبيرة من التفكك. جدير بالذكر أنه في أثناء انتخابات عام 2002، تنافس 25 حزبًا علمانيا لم يفز منها سوى أربعة. وبشكل عام يوجد بالبلاد أكثر من ثلاثين حزبًا، تنتمي جميعها تقريبًا للتيار العلماني. وما تزال الأحزاب التي ظهرت قبل أو وقت الاستقلال هي الأكثر أهمية. وتتميز أحزاب المعارضة التاريخية بقاعدة تأييد شعبي راسخة وهياكل حزبية كبرى، فمثلاً لدى حزب "الاستقلال" ما يتجاوز 1000 مكتب بمختلف أنحاء البلاد، بيد أن فاعلية تلك الأحزاب تتضاءل جراء خوفها من منافسة الأحزاب الإسلامية؛ وهو ما يجعلها مترددة حيال معارضة الملك الذي تعتمد على دعمه في مواجهة المنافسين الجدد. لذا، فإنه بينما تدعو لضرورة إجراء إصلاحات دستورية تعزز سلطة البرلمان واستقلال القضاء، فإنها توضح أن مثل تلك الإصلاحات بمقدورها المضي قدمًا فقط في الإطار الذي يحدده الملك الذي يجب أن يستمر في الاضطلاع بدور محوري. بالإضافة إلى ذلك، تضم هذه الفئة العديد من الأحزاب المتحالفة تاريخيًّا مع النظام الملكي؛ وهو ما يجعلها تحجم نهائيًّا عن معارضة الملك، وتكتفي بالتنافس للمشاركة في دوائر السلطة القريبة منه.

الأحزاب والحركات الإسلامية

بالمقارنة بنظيرتها العلمانية، تتميز الأحزاب الإسلامية بالشباب والنشاط، علاوة على أنها أقل تفككًا وأكثر تنظيمًا، وذات طابع أيديولوجي أكبر. ويوجد بالبلاد ثلاثة أحزاب إسلامية، علاوة على عدد من الحركات الإسلامية المرتبطة بها، مثل حركة "العدل والإصلاح" التي تنبذ العنف، و"العدل والإحسان" الأكبر حجمًا، والتي تتسم بطابع مسلح أكبر (وإن لم تكن عنيفة)، وتناوئ النظام الملكي علانية.

ومن المحتمل أن تشكل الأحزاب والحركات الإسلامية التحدي الأكبر لاحتكار الملك للسلطة؛ الأمر الذي ربما يبث روحًا جديدة في الحياة السياسية المغربية، وقد يؤدي إلى الإصلاح السياسي. لكن هذا الأمر أبعد ما يكون عن كونه حقيقة مؤكدة في الوقت الراهن.

الإصلاح.. دور محدود للقوى الخارجية

يتسم الإطار الذي تعمل من خلاله الولايات المتحدة وأوروبا على تعزيز الديمقراطية بالمغرب بطابع أقل حدة عن حالة معظم الدول العربية الأخرى. ويرجع ذلك بصورة جزئية إلى أن الرباط اتخذت بالفعل الخطوات الأسهل المرتبطة بتدعيم حقوق الإنسان وحقوق المرأة. وبصورة عامة، تتميز البلاد بمناخ ملائم للتغيير، وإن لم يكن للديمقراطية.

إلا إن إمكانات تأثير النفوذ الأجنبي على عملية التحول إلى الديمقراطية ضئيلة؛ ذلك أنه بالنظر إلى التحسن الكبير في الأوضاع الداخلية بالبلاد بالمقارنة بالدول المجاورة تثار التساؤلات حول ما إذا كان يتعين على واشنطن وأوروبا جعل مسألة تعزيز الديمقراطية الحقيقية بالبلاد أولوية بالنسبة لهما.

وتمخض عن ذلك اتباع سياسة مترددة حيال الرباط، خاصة من جانب الولايات المتحدة التي أثنت على التغييرات التي أقرتها البلاد حتى الآن، وكانت المكافأة توقيع اتفاق تجارة حرة معها. إلا أنه في الوقت ذاته، تضاءل مستوى المساعدات الأمريكية للرباط بشكل هائل، ثم أعيد مرة أخرى إلى مستوياته السابقة.

أما أوروبا، فتتبع سياسة أكثر ثباتًا، بيد أنها تركز على العلاقات الاقتصادية والتبادلات الثقافية.

أما ما يمكن أن تسهم به الولايات المتحدة وأوروبا في جهود إحلال ديمقراطية حقيقية بالبلاد فهو تيسير إحداث تحول بالأحزاب السياسية العلمانية من خلال الضغط على قياداتها. وبالفعل، تعمل واشنطن حاليا على تعزيز الأحزاب السياسية المغربية عبر الجهود التي يبذلها كل من المعهد الوطني الديمقراطي للشئون الدولية والمعهد الجمهوري الدولي، وهما وكالتان غير حكوميتين مرتبطان بأكبر حزبين بواشنطن؛ حيث يوفران التدريب للأحزاب السياسية.


* موجز لدراسة نشرت على موقع كارنيجي للسلام الدولي، تحت عنوان:Morocco: From Top-down Reform to Democratic Transition?، أكتوبر 2006. طالع أصل المقال.

** مارينا أوتاوي، مديرة برنامج الشرق الأوسط بمعهد كارنيجي للسلام الدولي، وميرديث ريلي باحثة في برنامج الديمقراطية وحكم القانون بنفس المعهد.

 
 

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع