 |
|
البشير وفريز .. هل تتدهور العلاقات الأمريكية السودانية
؟ |
ما هو سر الإصرار الأمريكي على
نشر قوات دولية في دارفور غرب السودان
بحيث يبدأ في 30 سبتمبر المقبل (موعد انتهاء
تفويض القوات الإفريقية)، والسعي لنشر
قرابة 19 ألف جندي أجنبي؟ ولماذا أرسل
الرئيس الأمريكي جورج بوش مبعوثة للرئيس
البشير لإقناعه بنشر القوات رغم علمه برفض
البشير عشرات المرات وتهديده بقتال هذه
القوات.
من الواضح أن إدارة بوش تسعى بشكل
أو بآخر لتحقيق أي إنجاز سياسي خارجي يعوض
فشلها المتكرر في العراق وأفغانستان،
وأخيرا في لبنان بشأن فرض خريطة سياسية
تتماشى مع المصالح الأمريكية في العالم،
وأنها تصورت أن إنجاز نشر القوات الدولية
في دارفور لوقف الانتقادات الموجهة لها في
الكونجرس بالصمت على ما يجري هناك (دارفور)
من مجازر يومية، ربما يخفف حدة الانتقادات
الموجهة لها، خصوصا مع اقتراب انتخابات
التجديد النصفي للكونجرس بعد شهرين (نوفمبر
2006) والحاجة لتحقيق أي إنجاز يساند "الجمهوريين"
فيها.
تعثر أمريكي واستقواء سوداني
بيد أن حظ إدارة بوش العاثر
خارجيا تكرر أيضا في السودان... فرد الفعل
السوداني القوي لم يرفض فقط نشر القوات
ويعلن أنه سيحاربها، ولكنه تمثل في رفض
الرئيس عمر البشير لقاء موفدة الرئيس
الأمريكي مساعدة وزيرة الخارجية للشئون
الإفريقية (جنداي فريزر) رغم محاولات بعض
القريبين منه إقناعه بلقائها خصوصاً أنها
تحمل إليه رسالة من الرئيس الأمريكي، بما
مثل انتكاسة أخرى لبوش، وأظهر أن الخرطوم
استقوت بنتائج حرب لبنان وصمود المقاومة.
بل إن البشير سخر من المبعوثة
الأمريكية -ضمنا- حينما قال للصحفيين: "إذا
كانت فريزر معتادة على أن يقال لها (نعم) في
بعض المناطق فإننا هنا سنقول لها (لا)".
وقد سبق للبشير أن أعلن في 17
أغسطس 2006 أن "العدو الذي تواجهه
المقاومة في لبنان وفلسطين هو نفس العدو
الذي يواجهه السودان في دارفور"، مشددا
على أن "صمود المقاومة اللبنانية لفترة
33 يومًا في وجه الآلة العسكرية الصهيونية
يعتبر ردا لكرامة العرب والمسلمين"،
وأن السودان مستعد "لإفشال المخططات
التي تستهدف استقرار البلاد وتقسيم صفه"،
بل وشبه - لدى مخاطبته اللقاء الجماهيري
الحاشد في ختام فعاليات العيد الثاني
والخمسين للجيش السوداني أول أغسطس
المواجهة مع أي قوات تحاول التدخل في
دارفور بما فعله حزب الله مع الغزو
الإسرائيلي لجنوب لبنان، مؤكدا أنه ستكون
هناك مواجهة: "بحسم مع أي قوات تدخل
البلاد مثلما حسم حزب الله مع القوات
الإسرائيلية"، ومشيدا "بصمود حزب
الله بقيادة حسن نصر الله، وكسره للأبد
شوكة القوات الإسرائيلية"، وهو ما يمكن
اعتباره أول أثر إيجابي إقليمي لانتصار
حزب الله اللبناني واستقواء سوداني بهذا
الانتصار الذي يعتبر هزيمة للمخططات
الأمريكية في المنطقة العربية ككل.
كذلك حذر من أن دارفور ستكون "مقبرة"
لقوات الأمم المتحدة في غرب البلاد"،
وحيا رئيس الجمهورية السوداني "مجاهدات"
الشعب الفلسطيني قائلا: "إن السودان -شعبا
وجيشا- احتياطي للبنان وفلسطين وجاهز
للطلب" ونوه إلى أن المشروعات التي
يفتتحها تمت "في ظل التحديات التي
واجهتها الدولة من إحجام لمؤسسات التمويل
الدولية والاستهداف الخارجي لزرع بذور
الفتنة بين أبناء الوطن".
ومع أن رفض البشير لقاء المبعوثة
الأمريكية جاء لأسباب تتعلق برفضه -من حيث
المبدأ- مناقشة فكرة نشر قوات دولية في
دارفور واعتبارها احتلالا لو جاءت –
فاللهجة الاستعلائية التي جاءت بها جنداي
فريزر، وقولها إنه "ليس من حق حكومات
الدول إطلاقا الاعتراض على قرارات مجلس
الأمن"، كان مبررا أكبر -وفق مصادر
سودانية- لرفض لقاء البشير لها ولقاء
اثنين من مستشاريه معها.. فما الداعي للقاء
قيل إنه لإقناع البشير بنشر القوات، في
حين أنها تنزع سلفا حق السودان في القبول
أو الرفض؟!!
العصا والجزرة مرة أخرى!
 |
|
المبعوثة الأمريكية إلى السودان..رفض البشير استقبالها |
والأكثر غرابة أن حزمة الحوافز
والعقوبات أو (العصا والجزرة) التي قدمتها
المبعوثة الأمريكية فريزر لمستشار الرئيس
السوداني الدكتور مجذوب الخليفة -بعد رفض
البشير لقاءها- والتي كانت بالأحرى حزمة
"رشاوى" أو "إغراءات" لحكومة
السودان لو وافقت على العرض الأمريكي بنشر
القوات الدولية - تتمثل في رفع العقوبات
الاقتصادية والدبلوماسية المفروضة منذ
نحو 13 عاماً، ورفع اسم السودان من لائحة
الإرهاب، بجانب التهديدات بأن حكومة
البشير ستواجه عقوبات أكبر لو رفضت.. كل
هذا لم يمنع الخرطوم من رفض الخطط
الأمريكية وانتقادها!.
فالرئيس البشير لم يتورع عن
الهجوم الحاد على مشروع القرار الأمريكي -
البريطاني في مجلس الأمن بشأن نشر قوات
دولية تقودها غانا التي ترأس مجلس الأمن
حاليا، واعتبر أنه "محاولة لفرض
الوصاية الكاملة من الولايات المتحدة
وبريطانيا على السودان".
كذلك أصر الرئيس السوداني على
تنفيذ الخطة السودانية لتسوية الأزمة في
دارفور والتي تقوم على نشر 10500 جندي سوداني
في فترة أقصاها مطلع يناير 2007، وإعطائه
مهلة ستة أشهر بهدف إعادة الأمن إلى
الإقليم بعد أن ظهر عجز قوة الاتحاد
الإفريقي عن وقف أعمال القتل والاغتصاب
ونزوح سكان دارفور، وبعد أن بدأت خطوات
تنفيذ اتفاق السلام الذي تم توقيعه مع
فصائل متمردة هناك، رغم التحفظ الأمريكية
على نشر قوات عسكرية سودانية أكبر في
دارفور بدعوى أنه مشكوك في حياديتها.
وأبلغ د. مصطفى عثمان، مستشار
البشير، المبعوثة الأمريكية أن "كبير
مساعدي رئيس الجمهورية" الجديد، "مني
أركوي" -رئيس جبهة تحرير دارفور السابق
الذي وقع اتفاق سلام مع الخرطوم- قد أدى
القسم قبل عدة أسابيع، ويجب أن تتاح له
الفرصة لتشكيل السلطة الانتقالية في
دارفور، وشدد على "أن تمرير قرار في
مجلس الأمن في هذا الوقت سيزيد الساحة
السودانية التهابا على ما هي عليه الآن".
ورغم محاولات مساعدة وزيرة
الخارجية الأمريكية للشئون الإفريقية
جنداي فريزر، التغلب على معارضة السودان
لانتشار قوات دولية في دارفور، فقد تلقت
رسالة محددة حاسمة برفض نشر هذه القوات
الدولية وطرح بدائل سودانية تصل لحد
السماح بنشر قوات الحركات الموقعة على
اتفاق أبوجا للسلام المنوط بها المحافظة
على الاستقرار في دارفور مع الجيش
السوداني، كما واجهتها مظاهرات سودانية
فور نزولها من الطائرة، وكذا مواقف غير
مرحبة بقدومها إلى السودان كنبأ توجيه
محكمة في دارفور تهمة التجسس إلى صحافي
أمريكي.
سيناريوهات المستقبل
وفقا للمواجهة الدبلوماسية
الدائرة حاليا بين السودان وكل من
الولايات المتحدة وبريطانيا والأمم
المتحدة، تسعى الدول الغربية وأمريكا
لفرض مشروع قرار في مجلس الأمن يستهدف نشر
قوة تضم قرابة 18600 جندي، وإلى ضغط دولي على
السودان لقبول انتشار هذه القوة المفترض
أن تحل محل وحدات الاتحاد الإفريقي في أول
أكتوبر 2006 المقبل.
وقد اقترح الأمين العام للأمم
المتحدة ثلاثة خيارات لنشر القوات بدلا من
سبعة آلاف جندي تابعين للاتحاد الإفريقي
منتشرين حاليا في غرب السودان، يمكن رصدهم
على النحو التالي:
يدور الخيار الأول حول نشر حوالي
17600 عنصر موزعة على 14 كتيبة مشاة ومدعومة
بقوات خاصة مزودة بثلاث طائرات استطلاع
وثماني مروحيات استطلاع قتالية و18 مروحية
لنقل الجنود وتكون مجهزة بالشكل الأمثل.
أما الخيار الثاني فيقضي بنشر
قوة من نحو 18600 عنصر مدعومة بأربع مروحيات
استطلاع فقط وتسع مروحيات لنقل الجنود، مع
نشر كتيبتي مشاة إضافيتين لتعويض النقص في
مجال الرد الجوي السريع.
هذا في حين يقضي الخيار الثالث
بنشر قوة من نحو 15300 رجل تدعمهم ست مروحيات
إضافية وثلاث فرق إضافية للرد السريع،
وقال أنان في هذا السبيل: إن هذا الخيار
"ينطوي على مجازفة أكبر في حماية
المدنيين نظرا لعدد العسكريين الأقل
الذين سيتم نشرهم".
ووفقا للمناقشات الدائرة في
الأمم المتحدة تنوي الولايات المتحدة
إقرار القرار بشكل أو بأخر دون انتظار أو
حساب للرفض السوداني رغم مقاطعة السودان
للجلسات، إذ أعلن السفير الأمريكي في
الأمم المتحدة جون بولتون أن "هدفنا نحن
وبريطانيا، هو محاولة تبني قرار حول
انتقال القوات خلال الشهر الجاري تحت
الرئاسة الغانية، إنما لا تزال هناك بعض
العقبات... ولكن هذا هو هدفنا". وقال: "ننوي
تقديم مشروع القرار إلى التصويت خلال
اليومين المقبلين، ويمكن للدول أن تصوت
إيجابا أو سلباً أو تمتنع عن التصويت"
في إشارة لاحتمالات الرفض الصيني والروسي.
أما رئيس المجلس مندوب غانا "نانا
إيفه إبنتنغ" فقال: "ليس لدي سبب
للاعتقاد بأننا لن نتمكن من تبني القرار"،
وحرص على القول: "إن تبني القرار لا يعني
إغلاق الباب أمام تعاون مستقبلي مع حكومة
السودان"، ما يعني فرض القرار للضغط على
السودان، ثم التفاوض حول تنفيذه.
ووفقا لهذا الواقع يمكن الحديث
عن سيناريوهات مختلفة:
(الأول): أن يصدر القرار رغم
استمرار الرفض السوداني له، ويتبعه تشديد
التهديدات الأمريكية والغربية للسودان،
من قبيل إعادة تحريك ملفات التهديد
بمعاقبة مسئولين سودانيين اتهمتهم
المحكمة الجنائية الدولية بارتكاب جرائم
حرب في دارفور، بهدف تليين الرفض السوداني.
(الثاني): أن تجمد الدول الكبرى
القرار لفترة أخرى من الوقت "للتشاور"،
لحين التوصل لحل وسط وتفاهم بين الولايات
المتحدة والسودان، وربما لإعطاء الخرطوم -عمليا
بفعل التأجيل وبدون موافقة رسمية- فرصة
لضبط الأوضاع في دارفور بنشر قوات أكثر من
الجيش السوداني التي بدأ نشرها بالفعل دون
انتظار للقرار الدولي، بحيث يتبع هذا
توسيع للقوات الإفريقية الموجودة حاليا
والدمج بين فكرة نشر قوات دولية وقوات
أفريقية لمراقبة السلام فقط.
(الثالث): أن يصدر القرار من مجلس
الأمن لحفظ ماء وجه أمريكا وبريطانيا،
ويتم تأجيل موعد نشر القوات الدولية لعدة
أشهر لإعطاء الخرطوم أيضا فرصة لضبط
الأوضاع هناك يمكن خلالها إصدار قرار جديد
من المجلس بالاعتماد على القوات
الإفريقية هناك فقط أو تعزيزها بقوات
دولية.
(الرابع): أن تعترض الصين بحق
الفيتو على القرار في حالة صدوره وبالتالي
يصبح عديم الفاعلية.
(الخامس): أن يصدر القرار وترفضه
الخرطوم ويصبح حبرا على ورق لصعوبة نشر
القوات الدولية في ظل الرفض السوداني
الرسمي لنشرها والتهديد بمحاربتها، بما
قد يؤدي إلى أن تتوتر العلاقات الأمريكية
السودانية مرة أخرى، بما يدفع أمريكا نحو
مزيد من فرض العقوبات على السودان وتحريض
الجنوب على الاستقلال عبر تقديم إغراءات
بالدعم المادي، خصوصا في ظل تأييد قادة
الجنوب ورئيس حكومة الجنوب سلفاكير (نائب
الرئيس البشير) الخطة الأمريكية التي تقضي
بنشر قوات دولية في دارفور.
ويبقى الأمر الجدير بالملاحظة،
أن الموقف السوداني تأثر بشدة بانتصار
المقاومة في جنوب لبنان، وبالإخفاقات
الأمريكية في العراق وأفغانستان، وأخذ
دفعة كبيرة ودعما في مواقفه الصامدة من
مسلسل الهزائم الأمريكية التي يواجهها
الرئيس بوش والتحول المرصود في إدارته
بشأن عزلة اليمين المتطرف في الإدارة،
والتحول للأسلوب البرجماتي في إدارة
الأزمات الدولية بعيدا عن أساليب التدخل
والتهديدات العسكرية..
|