بريدك الالكتروني


English

 

15:30 مكة - الثلاثاء 15 جمادة الآخرة 1427 هـ - 11/7/2005 م

السودان » المنطقة العربية » تحليلات وآراء
أرسل لصديق
روابط من إسلام أون لاين
  أهم الأخبار

 

شمال السودان وجنوبه.. صفحة جديدة من الأزمات

محمد جمال عرفة**

الرئيس عمر البشير يؤكد في يوم العيد الوطني للسودان رفضه تدخل قوات الأمم المتحدة في دارفور 29 يونيو 2006

هل بدأ سودان "البشير" و"سلفاكير" ينتقل من عش "الزوجية" إلى "الدبابير"؟ وهل السودان مقبل على مرحلة صراع بين طرفي الحكم قد يعرقل مسيرة السلام في الجنوب؟ وهل لهذا علاقة بالضغوط والمؤامرات الدولية على الخرطوم وما يجري الترتيب له من تفتيت للسودان الموحد، وفرض نشر قوات دولية في دارفور، وإثارة قلاقل في مناطق أخرى مثل كردفان وشرق السودان؟.

في غضون شهور قليلة -وخاصة عقب انتقال الضغوط الأجنبية لمرحلة التهديد بالتدخل في غرب السودان- ظهر أكثر من خلاف بين طرفي الحكم: (الرئيس البشير) رئيس حزب المؤتمر الوطني الحاكم، والفريق (سلفاكير ميارديت) النائب الأول لرئيس الجمهورية وقائد الحركة الشعبية لتحرير السودان، الشريك الأكبر في حكومة الوحدة الوطنية في السودان، سواء فيما يتعلق بسياسة الحكم الداخلية مثل منع الحجاب في المدارس، أو السياسة الخارجية مثل تدخل القوات الأجنبية في دارفور.

ووصل الخلاف إلى العيد الوطني للدولة السودانية الموحدة بإعلان الحركة الشعبية لتحرير السودان مقاطعتها لاحتفالات عيد الوحدة في 9 يوليو 2006، وخلافها مع حزب المؤتمر الوطني بشأن تسمية وتوقيت الاحتفالات، وقول نائب رئيس المجلس الوطني أتيم قرنق إنها تعبر عن حزب المؤتمر الوطني الحاكم نفسه؛ وهو ما يعني -ضمنا- أن الحركة الجنوبية لا تعترف بشرعية حكم حزب البشير!.

بداية الخلاف

والحقيقة أن جذور الخلاف بين الجانبين قد ظهرت عندما خرجت جموع من الجنوبيين في أعمال عنف بالخرطوم ومدن أخرى بعد مقتل زعيم الحركة الشعبية السابق "جون جارانج" في حادث الطائرة الأوغندية، مفترضين سوء النية لدى الخرطوم، وهو الحادث الذي ثبت فيما بعد أنه قضاء وقدر.

ورغم عودة التناغم بين شقي الحكم (الشمالي والجنوبي) في قصر الرئاسة لاحقا، وتنفيذ خطوات مهمة ضمن اتفاق السلام أبرزها الشق الأمني المتعلق بنشر قوات مشتركة شمالية- جنوبية في مناطق التماس في الجنوب، وسحب الخرطوم قوات من الجنوب، فقد فوجئ الجميع باتهام سياسي للحزب الحاكم بالتلكؤ في تنفيذ اتفاق السلام الذي وقع العام الماضي 2005 بين الشمال والجنوب، وتأخير اقتسام عوائد النفط، حيث قال دينج ألور وزير شئون مجلس الوزراء وعضو الحركة الشعبية لتحرير السودان -المتمردة سابقا بالجنوب- إن حزب المؤتمر الوطني الحاكم عوق العمل على تشكيل اللجان المناط بها تنفذ الاتفاق.

وقد تحركت الخرطوم سريعا لتحويل مخصصات مالية لحكومة الجنوب تمثل نسبة الـ50% من عوائد النفط الذي يستخرج من مدن الجنوب، وأعرب قادة جنوبيون عن رضائهم، بيد أن الأمر لم يلبث أن اشتعل هذه المرة حول سياسات خارجية ليثار التساؤل حول قبول الجنوبيين فكرة الوحدة أم التمهيد لانفصال الجنوب أم أن الأمر متصل بضغوط دولية ورغبة الجنوبيين من الاستفادة من هذه المواقف الدولية في الحصول على دعم مادي ومعنوي لهم؟.

صحيح أن موقف قادة ووزراء الحركة الشعبية الجنوبية فيما يخص بعض مشكلات السودان الخارجية ومنها قضية الخلاف السوداني- الأوروبي والأمريكي حول تولي الخرطوم والرئيس البشير رئاسة القمة الأفريقية الأخيرة أوائل هذا العام ظلت متوافقة مع الموقف الرسمي، لكن الخلاف ظهر بعمق في قضية دارفور والتمرد في شرق السودان ربما لأسباب عديدة.

فالخلاف حول دارفور ظهر في مؤتمرات صحفية أعلن فيها مسئولون جنوبيون عن مساندة الحركة الجنوبية لنشر القوات الدولية في الإقليم، بديلة لقوات الاتحاد الإفريقي؛ وهو ما فجَّر قنبلة سياسية داخل الائتلاف الحاكم في السودان.

ففي الوقت الذي كانت تعلن فيه الخرطوم رسميا رفضها نشر قوات دولية في دارفور، أعلن النائب الأول لرئيس الجمهورية سلفاكير من مدينة جوبا، العاصمة الرسمية لحكومة الجنوب، مساندة الحركة لمطالبة الأمم المتحدة بإحالة مهمة القوات الإفريقية في دارفور لأخرى أجنبية دولية، وأن موقف الحركة هو التأييد لدخول القوات الدولية، و"أن ليس لديها مشكلة في دخول هذه القوات".

وبرر كير هذا بقوله: "نحن قبلنا بوجودها (القوات الدولية) في الجنوب على ضوء اتفاقية نيفاشا، وهي موجودة الآن ولا نرى فرقا بين وجودها في الجنوب ووجودها في دارفور"، مشيرا إلى أن القوات التي ستدخل إلى دارفور ستقوم بذات المهام التي تقوم بها في الجنوب، والمتمثلة في حفظ الأمن ومراقبة الانتهاكات التي تحدث.

ولا تعني تصريحات كير هذه إلا نفض يد الحركة من الموقف الحكومي الرافض للقوات الدولية الذي بلغ أقصاه بتصريحات متكررة للرئيس البشير بأنه "لن تدخل القوات الدولية في دارفور، وأنه كرئيس للسودان، سيقاوم القوات الدولية بنفسه حال دخولها" بل وتهديده بقيادة ألوية الجهاد ضد هذه القوات التي قال إنها تسعى لإعادة استعمار السودان، أما مغزاها السياسي فيتعدى الخلاف بين شقي الحكم في السودان للسؤال عن أهداف تسعى الحركة الجنوبية لجنيها من جراء موقفها هذا.

تقسيم مؤسسات الدولتين

سودانيات يحتفلن بالعيد القومي للسودان 29 يونيو 2006

ويبدو أن صفحة جديدة من الخلافات بين طرفي الحكم، ذات دلالات أعمق، توشك أن تقسم مؤسسات دولتي الشمال والجنوب رغم أن فترة الحكم الحالية هي فترة مؤقتة انتقالية يفترض أن تنتهي عام 2011، في صورة سعي وزارات الجنوب لفرض هوية جنوبية علمانية والسيطرة على موارد الجنوب، خصوصا أنه أصبح للجنوب وجود سياسي في الحكومة بنسبة 28% (مقابل 52% لحزب البشير و20% لباقي الأحزاب)، وبنسبة 10% في كل ولاية من ولايات الشمال، كما أنه ممثل في كل المجالس التشريعية الولائية الشمالية والجنوبية وله (أي الجنوب) الحق قانونا في أن ينفصل عن الشمال، وأن ينشئ دولته الخاصة بعد الأعوام الانتقالية؛ لأن حكومته قائمة وجيشه موجود ومصادر دخله معروفة وحدوده ثابتة.

أما بوادر ترسيخ هذه الصفحة الجديدة من العلاقة بين الشمال والجنوب -والتي ظهرت بوادرها في صورة الخلافات السابقة- فكانت في ولاية أعالي النيل التي تتبع لحكومة جنوب السودان بعدما قرر مجلس وزرائها الجنوبي منع الطالبات من ارتداء الحجاب في المدارس رغم أن هذه الولاية تضم أكبر عدد من المسلمين في ولايات الجنوب جميعها وتتاخم الولايات الشمالية.

فالقرار الذي استنكرته قطاعات واسعة في الولاية ليس فقط مخالفا للدستور واتفاق السلام الذي نص على كفالة الحريات والمعتقدات الدينية، ولهذا ندد الناطق الرسمي باسم قطاع الجنوب بالمؤتمر الوطني (خميس حقار) بالقرار، ووصفه بأنه يمثل خرقا لاتفاق السلام والدستور الانتقالي ودستور الجنوب، ووصفه بأنه "بادرة من شأنها إدخال الجنوب في أتون صراع طائفي ديني لم يشهده حتى إبان الحرب الأهلية".

واللافت أنه أعقب ذلك إعلان الحركة الشعبية لتحرير السودان مقاطعتها لاحتفالات عيد الوحدة، بل وأعلن ياسر عرمان المتحدث باسم الحركة أن الحركة تجري حوارات مع الحركات المتمردة في دارفور، وتم كشف وثيقة أصدرها المكتب السياسي للحركة عن اتصالات مباشرة ستجريها الحركة مع الفصائل المسلحة في دارفور، وقال: "إن الهجوم الذي قامت به مجموعات متمردة من دارفور في منطقة (حمرة الشيخ) بكردفان يمثل دليلا على ضرورة إيجاد قوات دولية لبسط الأمن والاستقرار"؛ وهو ما يعني تمسك الحركة الجنوبية بنشر قوات دولية عكس الموقف الحكومي الشمالي.

انشقاقات إخوة الجنوب

ومن المهم رصد أنه في كل حالات الخلافات السابقة بشأن قضايا سياسية داخلية أو خارجية، ظهرت أقوال متضاربة لمسئولين جنوبيين خصوصا فيما يخص التدخل الدولي في دارفور؛ وهو ما أثار مرة أخرى فكرة الانشقاقات التي ميزت حركة التمرد الجنوبية طوال تاريخها، خصوصا أن هناك بالفعل خلافات معروفة بين قادة الحركة قبل وبعد وفاة جارانج، والأكثر أهمية محاولة الإجابة على سؤال: هل للضغوط الخارجية دور في هذا الصراع الداخلي داخل الحركة من جانب، وبينها وبين الجناح الشمالي في الحكم من جانب آخر؟.

فالانشقاقات في الحركة الشعبية أمر اعتيادي ومعروف منذ تسعينيات القرن المنصرم مثل خروج وليم نون، وكاربينو كوانين ورياك مشار، والدكتور لام أكول وغيرهم، وكانت أيضا موجودة داخل الحركة قبيل وفاة جارانج حتى إن البعض افترض أن بعض منافسيه الجنوبيين ربما كانوا وراء إسقاط طائرته التي سقطت في أرض يسيطر عليها الجنوبيون، بل وكان الخلاف بينه وبين نائبه (نائب الرئيس الحالي) سلفاكير أمرا معروفا ومشهورا.

وحتى عقب رحيل جارانج، وتمكن الحركة الشعبية من إجراء انتقال سهل وسلس للقيادة، ظهرت خلافات جديدة بين مجموعة القائد الجديد سلفاكير وأنصار جارانج السابقين، الذين استقال بعضهم بالفعل، ومنهم من على خلاف قائم مع سلفاكير وأبرزهم الأمين العام الحالي للحركة الشعبية (باقان أموم) الذي كان من المقربين إلى جارانج.

فالأمين العام يطالب بإجراء إصلاحات يراها ضرورية لمواجهة التحديات المستقبلية للحركة وانتقالها من حركة عسكرية لحركة سياسية، وقد تناقلت صحف سودانية نبأ "الخروج الغاضب" للأمين العام من اجتماع عاصف عقد يوم 28 يونيو 2006 في عاصمة الجنوب جوبا، فشل فيه الأمين العام في إقناع قيادة الحركة بإصلاحاته التي ظل ينادي بها، وهو أمر يكشف عن وجود عدة أجنحة مختلفة داخل الحركة الشعبية، ويعطي صورة عن حالة الدولة الجنوبية لو قامت مستقبلا، كما ينادي بها البعض، خصوصا في ظل وجود خلافات قبلية وعسكرية حادة في الجنوب.

وما يؤكد وجود هذه الخلافات قول باقان أموم بنفسه يوم 4 يونيو 2006 "إن الحركة الشعبية تجاوزت خلافاتها الداخلية والخارجية من خلال اجتماعات المكتب السياسي الذي اختتم فعالياته برومبيك"، وكشفت عن جاهزيتها للمساهمة في حل أزمتي دارفور والشرق، وإتمام انسحابها من همشكوريب خلال 20 يوما وفق اتفاق السلام.

فقد أكد (أموم) أن الاجتماعات طوت صفحة التناقضات التي اتسمت بها الحركة أخيرا ووحدت القيادة، وأكد أن الحركة ستلقي بثقلها لحل أزمتي دارفور والشرق، ولكنه عاد للقول بوجود صعوبات تواجه تنفيذ اتفاق السلام على رأسها عدم تنفيذ بروتوكول إيبي، واعترف أموم بأن الحركة الشعبية "شهدت تخبطا على المستوى التنظيمي والسياسي، وذلك لصعوبة التحول من حركة عسكرية إلى حزب سياسي، بجانب الرحيل المفاجئ لمؤسس الحركة الشعبية"، وأشار إلى أن الاجتماع خلص إلى وضع إطار تنظيمي محكم مع تحديد أطر واضحة للمسئوليات، وأطر ومرجعيات قيادات الحركة على المستوى الوزاري أو البرلمان.

أيضا لوحظ أن أموم عاد للسؤال عن أسباب عدم تسليم ما تبقى من عائدات النفط وعدم ارتفاع نصيب الجنوب على الرغم من ارتفاع أسعار النفط عالميا وفقا لتقرير البنك الدولي الذي ذكر أن عائدات بترول الحكومة السودانية ارتفعت بنسبة 22%. وقال إن جملة ما تلقته حكومة الجنوب بلغ 234 مليون دولار، فيما ادعت وزارة المالية أنها سلمت 274 مليونا لمجلس تنسيق الولايات الجنوبية قبل تسلم الحركة للحكم.

الخلافات بين شريكي الحكم الشمالي والجنوبي من جهة، وبين الشركاء الجنوبيين من جهة أخرى، تثير إذن التساؤل والمخاوف حول مصير سلام الجنوب السوداني، والتدخلات الغربية والأمريكية واللعب على وتر هذه التناقضات بوعود مختلفة خصوصا للقوى المناهضة للبشير وحكومته، تثير بدورها مخاوف أكبر على سلام السودان من الغربان والصقور الدولية التي تسعى لاقتناص فرصة للتدخل وخلق موضع قدم إستراتيجية في هذه المنطقة الغنية بالموقع والموارد المعدنية على حساب استقرار السودان.

فهل تنجح ألاعيب التدخل الدولي والضغوط في تفكيك وتهميش سلام السودان عن طريق التغلغل في نفوس وحسابات قوى التمرد في الجنوب والشرق والغرب بغرض تفتيت السودان الأم، أم يدرك أبناء السودان في الشمال والجنوب والشرق والغرب أن الوحدة واستثمار مواردهم ورفض التدخل الأجنبي هو الحل الوحيد لاستقرار بلادهم وتعميرها؟!.


 ** المحلل السياسي بشبكة "إسلام أون لاين.نت".

 
 

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع