|
في وقت تتصاعد فيه الأهمية
الإستراتيجية لمنطقة الخليج العربي،
تزداد التهديدات الجديدة بها، ابتداءً
بالخلل في التوازن الإستراتيجي الذي
تكرس مع الغزو الأمريكي للعراق، ومرورا
بإيران النووية، وإمكانية إحياء
توجهاتها الثورية مجددا في ظل قيادتها
الحالية، وانتهاءً بمخاطر الإرهاب
وأسلحة الدمار الشامل.
وقد استحوذت تلك القضية مؤخرا
على اهتمام دولي اتضح في أمرين:
أولهما: المؤتمر الثالث للأمن
الإقليمي (حوار المنامة) الذي استضافته
البحرين خلال يومي 8 و9 ديسمبر 2006
بالتعاون مع المعهد الدولي للدراسات
الإستراتيجية، والذي شهد للمرة الأولى
مشاركة إيرانية بما يعني أن كافة الأطراف
المعنية تدارست طبيعة التعاون الأمني
المقترح. وقد اتفق المشاركون على أن
منطقة الخليج تواجه تهديدات أمنية بالغة
الخطورة، ولا يمكن مواجهتها إلا بمشاركة
كافة الأطراف المعنية.
وثانيهما: مؤتمر الناتو والخليج
الذي انعقد بدولة الكويت يومي 12 و13 من نفس
الشهر، وقد تناول المؤتمر قضيتين
رئيسيتين، الأولى: مبادرة إستانبول
للتعاون، والثانية: القضايا التي تهدد
الأمن والسلم الدوليين. وقد وقعت الكويت
على اتفاقية مع الناتو لتبادل المعلومات
الأمنية، وكانت أهم مجالات التعاون هي
الحدود البرية والبحرية، ومقاومة
الإرهاب، وإدارة الأزمات.
ووسط هذا الاهتمام الإقليمي
والدولي، والذي يعكس رؤى وتصورات عديدة
لتحقيق الأمن الخليجي، يلاحظ أن أحد
أطراف المنظومة الإقليمية وهو دول مجلس
التعاون الخليجي لها مفهومها الخاص
لضمان هذا الأمن، وهو العامل الخارجي
الذي اعتمدت عليه منذ الانسحاب
البريطاني من الخليج عام 1971 وحتى الآن.
محددات الرؤية الخليجية
ويعزى ذلك إلى عدد من المحددات
يأتي في مقدمتها أنه رغم خروج العراق من
معادلة التوازن الإستراتيجي في الخليج،
وإنهاء تهديد رئيسي لتلك الدول بسقوط
نظام صدام حسين، فإن التنافس لا يزال
قائما بين الدولتين الأكبر بالمنطقة -وهما
السعودية وإيران- للهيمنة عليها. ومن ثم
تسعى الدول الخليجية الصغرى لتحقيق
توازن في علاقاتها مع بقية الأطراف من
خلال استمرار التحالفات الدولية سواء مع
الولايات المتحدة أو حلف الناتو المحتمل
قيامه بدور مهم في أمن الخليج. وهنا تجدر
الإشارة إلى منح الولايات المتحدة كلا من
الكويت والبحرين صفة "حليف إستراتيجي"
من خارج حلف الناتو بعد غزوها العراق،
بما يترتب على ذلك من استحقاقات عسكرية
وسياسية أمريكية تجاه هاتين الدولتين،
فبموجب هذه الصفة تحصل كل من الكويت
والبحرين على نوعين من المميزات: الأول
يمنح من جانب الرئيس الأمريكي نفسه،
والثاني يمنح من جانب وزارة الدفاع
الأمريكية. وقد علق على هذا الأمر وزير
الخارجية الكويتي د.محمد الصباح السالم
بالقول: "إن تصنيف الكويت كحليف رئيسي
للولايات المتحدة خارج حلف الناتو سوف
ينعكس إيجابا على منطقة الخليج".
ومن جانب آخر، تدرك دول الخليج
العربية أن إيران التي لا تزال تحتل
الجزر الإماراتية الثلاث تمثل خطرا على
أمن الخليج في ظل تباين الرؤى بين
الجانبين حول مفهوم هذا الأمن وآليات
تطبيقه. ولا تكمن تهديدات إيران في
برنامجها النووي وما يحويه من صراع مع
الغرب فقط، وإنما لأن الخليج هو "موضع
نفوذ إيران الطبيعي" في المجالات
الثقافية والسياسية والاقتصادية، ومن ثم
لن تتراجع عن سياستها الراهنة، لذا في ظل
غياب العراق تحتاج الدول الصغرى لموازن
خارجي في علاقتها مع إيران القوية بعدد
سكانها وحجمها الجغرافي، فضلا عن برامج
التسلح التقليدية الإيرانية التي شهدت
اهتماما متزايدا منذ عام 1989 وحتى الآن،
وأهمها: الصواريخ الموجهة نحو دول مجلس
التعاون الخليجي، ووجود مفاعلات نووية
بالقرب من العديد من مدن تلك الدول، بما
ينذر بإمكانية تكرار سيناريو "تشيرنوبل"،
وهو ما قد يؤدي إلى إمكانية توقف ضخ
النفط، واحتمال حدوث أزمات بيئية.
وإذا كانت المحددات السابقة
تنطلق من طبيعة العامل الإقليمي
والدولي، فإن هناك محددات ذاتية أبرزها
أن الدول الخليجية لها مصلحة أكيدة في
حماية الموارد النفطية وتنميتها من خلال
الاستثمارات وخاصة الأجنبية منها، والتي
تبحث دوما عن بيئة آمنة، حيث تفيد توقعات
وكالة الطاقة الدولية زيادة حجم الطلب
العالمي على النفط بنسبة 50% من الحجم
الحالي البالغ 82 مليون برميل يوميا ليصل
إلى 121 مليون برميل يوميا في عام 2030. كما
تدرك دول مجلس التعاون الخليجي طبيعة
الخلل البنيوي مع أطراف المنظومة
الإقليمية حيث يبلغ إجمالي عدد سكان تلك
الدول 35.869.447 منهم 9.285.910 من غير
المواطنين، بينما يبلغ عدد سكان إيران 68
مليون نسمة. وهو الأمر الذي يحد من
إمكانية بناء جيش خليجي موحد قادر على
الدفاع عن أمن منطقة الخليج، ففي الوقت
الذي تبلغ فيه قوات الدول الست 400 ألف
مقاتل، نجد أن إيران لديها 800 ألف مقاتل.
وعلى الرغم من أن دول الخليج أنفقت 34
مليار دولار على الأمن والتسلح في عام 2005،
فإن جهودها لا تزال غير مكتملة حيث إن
المادة 6 من نظام الدفاع المشترك لدول
المجلس تعطي الحق لكل دولة في بناء
قدراتها حسب حاجتها.
بين التدويل والعوامل
الذاتية
لا شك أن منطقة الخليج مرشحة
للمزيد من الأزمات مستقبلا بالنظر إلى
عاملين، أولهما: التباين الحاد في مصالح
الأطراف الإقليمية وصعوبة إيجاد صيغ
مشتركة للتعاون بالرغم من نجاح تلك الصيغ
في تجارب مماثلة ومنها أوروبا ومنطقة
البلقان وأمريكا اللاتينية، وثانيهما:
تكرس الخلل في التوازن الإقليمي بعد
الغزو الأمريكي للعراق، وما رتبته من
تداعيات ليس أقلها دخول الدول الخليجية
في مواجهة جديدة مع الإرهاب.
وفي ظل هذه التحديات فإن التصور
الخليجي للأمن ينهض على دعامتين
أساسيتين، الأولى: استمرارية البعد
الدولي مع إمكانية مشاركة أطراف أخرى لها
مصالح إستراتيجية في المنطقة.
والثانية: دعم وتفعيل الأمن
الخليجي الذاتي.
بالنسبة للبعد الدولي، فقد ظلت
دول الخليج تعتمد على العامل الخارجي في
تحقيق أمنها، واضطلعت الولايات المتحدة
بتلك المهمة من خلال صيغ عديدة أبرزها
الاتفاقيات الأمنية الثنائية بين
الولايات المتحدة وهذه الدول، إلا أن تلك
الصيغة قد شهدت عدة تطورات مهمة، وإن
كانت في الشكل دون التطرق إلى المضمون
الذي يتضمن الإبقاء على التواجد العسكري
الأجنبي، وهنا يمكن الإشارة إلى
التطورات التالية:
1- قيام الولايات المتحدة بسحب
قواتها من الدول الخليجية الكبرى (السعودية)،
وإعادة تمركزها في الدول الصغرى ضمن
إستراتيجية عُرفت "بتخفيف الوجود
وضمان الوصول"، وذلك بعد ضغوط المؤسسة
الدينية داخل السعودية تجاه الوجود
الأجنبي من ناحية، والتساؤلات التي
أثيرت بشأن وجود القوات الأمريكية في
المنطقة عموما. وهنا يلاحظ أن الدول
الخليجية الصغرى أرادت بتعزيز هذا
التعاون إقامة التوازن مع كل من السعودية
وإيران.
2- كان أحد أهم تداعيات سحب
الولايات المتحدة لقواتها من السعودية
هو دعوة الأخيرة لترتيبات أمنية لا تعتمد
على الولايات المتحدة فحسب، بل هناك
أدوار إقليمية ودولية أخرى. وقد أكد على
هذا صراحة وزير الخارجية السعودي الأمير
"سعود الفيصل" خلال مداخلة له في
مؤتمر "أمن الخليج- حوار الخليج"
الذي نظمه المعهد الدولي للدراسات
الإستراتيجية في عام 2004" أن هناك أربعة
أطراف أساسية لأمن الخليج، وهي "دول
المجلس الست واليمن والعراق وإيران"،
وأضاف أن "البعد الدولي للإطار الأمني
المقترح يقتضي المشاركة الإيجابية للقوى
الآسيوية التي برزت على المسرح الدولي
مؤخرا، وخاصة الصين والهند"، ورأى أن
"أمن الخليج يحتاج إلى ضمانات دولية لا
يمكن توفرها على أساس منفرد حتى لو جاء من
طرف القوة العظمى الوحيدة في العالم"،
ولعل قرار وزراء دفاع دول مجلس التعاون
الخليجي خلال اجتماعهم الأخير في أبو ظبي
(نوفمبر 2006) بالسماح لليمن بالمشاركة
ولأول مرة في المناورات العسكرية التي
ستجريها قوات درع الجزيرة في سلطنة عمان
نهاية عام 2006 يعد خطوة مهمة نحو توسيع
أطراف المنظومة الخليجية، إلا أنه ينبغي
التأكيد على أنه إذا كانت الدول الخليجية
الصغرى توافق السعودية الرأي من حيث
المبدأ على أن أمن الخليج "شأن دولي"
فإن هناك أطرافا أخرى لا ترى الدول
الصغرى إمكانية دخولها كأطراف أساسية في
مسألة أمن الخليج، ومنها إيران حيث
تتعارض التزامات الدول الصغرى تجاه
الولايات المتحدة مع التزاماتها تجاه
إيران حال دخولها في أي ترتيبات أمنية
مقترحة، فضلا عن أن السعودية في دعوتها
لتوسيع المشاركة الدولية والإقليمية في
قضية أمن الخليج لها ما يبررها سواء
كنتيجة لسحب الولايات المتحدة قواتها من
المملكة، أو إدراك المملكة لنفوذ إيران
في العراق وما يترتب عليه من تأجيج طائفي
لم تكن المملكة بمنأى عنه.
3- بدء الدول الخليجية الصغرى -وهي
الإمارات وقطر والبحرين والكويت- بإجراء
حوار إستراتيجي مع حلف الناتو، انطلاقا
من مبادرة إستانبول للتعاون، والتي
تضمنت إجراء حوار إستراتيجي مع دول
الخليج العربية بشأن قضايا الأمن
والإرهاب. وعلى الرغم من أهمية إيلاء
الدول الخليجية هذا الاتجاه اهتماما
كبيرا فإن هناك أمرين يحدان من فاعلية
قيام الحلف "بدور رئيسي" في مسألة
أمن الخليج، أولهما: لا تزال كل من
السعودية وسلطنة عمان خارج إطار هذه
المبادرة، ربما لرفضهما وجود دور للحلف،
وهذا يعكس تباين رؤى دول الخليج فيما
يتعلق بمستقبل الأمن وأدوار الأطراف
الدولية فيه، وثانيهما: هناك مخاوف
خليجية من غموض مصطلحات يطرحها حلف
الناتو مثل "الحوار" و"الشراكة"،
كما أن الرأي العام الخليجي يعارض الوجود
الأجنبي في المنطقة، ويرى أن وجود الحلف
غطاء للهيمنة الأمريكية تحت مظلته.
4- لا تغفل دول الخليج أهمية
الدور الأوروبي وإيجابياته، والتي منها
تثبيت مفهوم واسع للأمن يشمل النمو
الاقتصادي والإصلاح السياسي والجريمة
والتهريب والإرهاب، لكن هناك مخاوف لدى
الدول الخليجية من الدور الأوروبي، حيث
يتكون الاتحاد الأوروبي من دول مستقلة
لها حق الاختلاف في سياستها الخارجية،
ومن ثم قد تكون هناك توجهات متضادة،
الأمر الذي يحد من فاعليته كموازن للدور
الأمريكي في المنطقة.
وأما بالنسبة لتعزيز الأمن
الذاتي الخليجي المتمثل في قوات درع
الجزيرة، فإن هذا البديل شهد تغيرا مهما
وهو الاقتراح السعودي في 25 فبراير 2006
بتفكيكها، على أن تشرف كل دولة على
وحداتها المتخصصة لهذه القوات التي يمكن
استدعاؤها في حالة الحاجة إليها. وقد شهد
هذا الاقتراح تباينا في الآراء، فالجانب
المؤيد يرى أن هذه القوات لم تثبت
فاعليتها في كافة الأزمات التي شهدتها
المنطقة، إلا أن الجانب المعارض يرى أن
تفكيك هذه القوات يعد خطأ إستراتيجيا حيث
إنه يلغي الهوية الدفاعية الخليجية،
فإذا كان العامل الخارجي هو الضامن
الرئيسي للأمن فإن هذا لا يلغي البديل
الذاتي، وخاصة أن هناك خطوات ملموسة
اتخذتها الدول الخليجية الست على صعيد
التعاون الأمني ابتداءً بالتوقيع على
اتفاقية الدفاع الخليجي المشترك عام 2000،
ومرورًا ببدء المشروع الجماعي للإنذار
المبكر عام 2001، وإنشاء مجلس أعلى للدفاع
المشترك في العام ذاته، وانتهاءً بتوجيه
الإجراءات العملياتية للقوات المسلحة
وإجراء مناورات وتدريبات عسكرية مشتركة
منها مناورات صقر الخليج عام 2005، والتي
شهدت تنسيقًا غير مسبوق بين القوات
المسلحة الخليجية الجوية والبرية
والبحرية.
إن ما سبق يعني أن الصيغ الدولية
لأمن الخليج سوف تبقى هي الأبرز وفق
القناعات الخليجية التي تنبع من إدراك
مخاطر إقليمية عديدة، وقد اتسعت تلك
المشاركة لتشمل أطرافا أخرى بجانب
الولايات المتحدة، بما يعني بداية
حقيقية لتدويل قضية أمن الخليج وفق
ترتيبات جماعية يصعب التحلل من
التزاماتها.
|