بريدك الالكتروني


English

 

الخميس 03 ذي القعدة 1427هـ - 23/11/2006م

الخليج العربي » المنطقة العربية » تحليلات وآراء
أرسل لصديق
روابط من إسلام أون لاين
  أهم الأخبار

 

أمريكا وأمن الخليج.. لا للاستقرار

أشرف العيسوي** 

من المستبعد أن تخرج قمة "لقاء أمن الخليج" التي ستعقد في البحرين في الفترة من 8 إلى 10 ديسمبر 2006 بطرح أو تصور أمريكي جديد يحقق الاستقرار في منطقة الخليج العربي؛ ذلك أن الولايات المتحدة دائما ما تمزج بين أمنها القومي الذاتي وبين الأمن الإقليمي الخليجي، فضلا عن أن الأحداث التي يمر بها إقليم الشرق الأوسط -ومنطقة الخليج تحديدا- تجعل أمل تحقيق الاستقرار على المدى المنظور مجرد سراب.

لقد ظلت منطقة الخليج إحدى أهم المناطق في التفكير الإستراتيجي الأمريكي، فكانت الجناح الجنوبي للحزام الذي شكله الغرب لتطويق الاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة، ومنها أعلن الرئيس الأمريكي بوش الأب تدشين نظام عالمي جديد تقوده الولايات المتحدة.

أيضا كانت المنطقة أكثر أقاليم العالم تأثرا بأحداث 11 سبتمبر 2001، فقد احتل العراق، وثمة ضغوط دولية على إيران، أما دول الخليج العربي الأخرى فتعرضت لسلسلة من الضغوط الأمريكية المتباينة في محاولة لربطها بالحرب على الإرهاب.

تطور السياسات الأمريكية في الخليج

وترجع بداية الاهتمام الأمريكي عمليا بمنطقة الخليج إلى عام 1971 عندما انسحبت بريطانيا تماما من المنطقة، فأخذت أمريكا على عاتقها مسئولية تحقيق الأمن والاستقرار في هذه المنطقة، وظهرت الكثير من المبادئ والإستراتيجيات التي ارتبطت بأسماء الكثير من الرؤساء الأمريكيين، مثل: مبدأ نيكسون، ثم مبدأ كارتر، ومبدأ الصراع الإستراتيجي في عهد ريجان، ومبدأ الاحتواء المزدوج في ظل إدارة كلينتون، وأخيرا مبدأ بوش "الاستباقي".

وقام مبدأ "نيكسون" على سياسة التدخل غير المباشر في الخليج من خلال الاعتماد على قوى إقليمية (إيران- السعودية)، أو ما أطلق عليه سياسة "العمودين"، وذلك بدعم قدراتهما العسكرية والتسليحية، واستمرت هذه السياسة قائمة حتى اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979 حيث بدأ التفكير الإستراتيجي الأمريكي يعتمد على سياسة التدخل المباشر، من خلال تشكيل قوات للتدخل السريع، والسعي للحصول على تسهيلات بحرية وقواعد برية في الدول العربية الخليجية، وهو ما تجسد في مبدأ "كارتر" الذي صيغ في يناير 1980، وإعلان الإدارة الأمريكية أنها لن تسمح لدولة بعينها للسيطرة على الخليج، وسوف تستخدم كل الأساليب اللازمة -بما فيها القوة العسكرية- إذا رأت تهديدا لمصالحها بالمنطقة.

واستمرت سياسة التدخل الأمريكي المباشرة في الشأن الخليجي في عهد إدارة الرئيس ريجان، وساعد نشوب الحرب العراقية الإيرانية إدارة ريجان على ذلك، فكان من مصلحة الولايات المتحدة استمرار هذه الحرب لإنهاك قوة الطرفين (العراق وإيران)، وكانت تتدخل لدعم أحدهما إذا مال ميزان القوى للآخر.

لكن هذه السياسة أسهمت في تزايد قوة العراق عسكريا وسياسيا، الأمر الذي شجع النظام العراقي على غزو الكويت في 2 أغسطس 1990، وهنا اضطرت إدارة الرئيس الأمريكي بوش (الأب) للتدخل العسكري المباشر ضد العراق من خلال تكوين تحالف دولي لتحرير الكويت، وبعد نجاحها في ذلك اتجهت إلى فرض عقوبات على العراق استمرت طيلة عقد التسعينيات، وحتى ما قبل الإطاحة به.

واتجهت إدارة الرئيس بيل كلينتون إلى انتهاج إستراتيجية أمنية جديدة تجاه منطقة الخليج تمثلت في (سياسة الاحتواء المزدوج) ضد كل من العراق وإيران، لإضعاف قدراتهما العسكرية، غير أن هذه السياسة تعرضت لانتقادات عديدة، حيث لم تنجح في عزل إيران التي شهدت علاقاتها انفتاحا على كثير من القوى الإقليمية والدولية، كما لم تضعف نظام صدام حسين كليا.

ثم جاء إعلان مبدأ بوش الابن الذي نص بكل وضوح على سياسة الاستخدام المباشر للقوة العسكرية، وتوجيه الضربات الاستباقية بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 ضد الدول أو القوى التي تمثل تهديدا مباشرا للأمن الإقليمي والعالمي طبقا للمفهوم الأمريكي، فقامت القوات الأمريكية بغزو العراق في مارس 2003 بزعم وجود علاقات بينه وبين الإرهاب، وسعيه إلى امتلاك أسلحة الدمار الشامل رغم عدم ثبوت صحة هذه المزاعم. والآن تصعد الولايات المتحدة ضغوطها ضد إيران بإثارة ملفها النووي والتهديد بفرض عقوبات عليها في حال إن لم توقف تخصيب اليورانيوم.

في كل هذه المراحل خلطت الإدارات الأمريكية بين المصادر التي تعتقد أنها تمثل تهديداً لأمن الخليج وتلك التي تمثل تهديدا مباشرا أو غير مباشر لمصالحها في المنطقة؛ ونتيجة لذلك فقد تغيرت الرؤية الأمريكية لمصادر التهديد التي تواجه أمن الخليج من المد الشيوعي في سبعينيات القرن الماضي إلى إيران الثورة في الثمانينيات حيث النهج الإيراني العدائي لواشنطن، والخوف من الاعتداء الإيراني على أي دولة أخرى، وتهديد الإمدادات النفطية، إلى عرقلة عملية السلام ودعم حركات المقاومة، ثم بات العراق في التسعينيات مصدر التهديد الرئيسي للمصالح الأمريكية في منطقة الخليج بعد غزوه الكويت؛ لأن ذلك معناه سيطرة العراق على مخزون هائل من النفط، وتهديد مصالح أمريكا النفطية.

وبعد 11 سبتمبر 2001 تحولت المنطقة في التفكير الأمريكي من نظام يصدر النفط الخام إلى نظام يصدر الإرهاب العابر للقارات على أساس أن معظم القائمين بتفجيرات سبتمبر يحملون الجنسيات الخليجية، كما أن الجزء الأهم من التمويل – طبقا لهذه الرؤية الأمريكية- جاء من مصادر أهلية وخيرية خليجية، ولذا لم يعد أمن الخليج يعني فقط الحفاظ على تدفق النفط، بل أيضا يتضمن تجفيف منابع العنف والإرهاب، كما لم تتجاهل هذه الرؤية مصادر التهديد الإقليمية لأمن الخليج (العراق وإيران)، فتم وضعهما في لائحة محور الشر، وبدأت إدارة بوش تثير قضية علاقتهما بأسلحة الدمار الشامل ودعم الإرهاب الدولي، واستخدمت القوة العسكرية في الإطاحة بنظام صدام حسين، والآن تهدد باستخدام القوة ضد إيران.

التصورات الأمريكية الراهنة

أصبحت الولايات المتحدة جارا إقليميا وأحد أطراف النظام الإقليمي الخليجي بعد غزو العراق، بل هي الطرف الأقوى القادر على صياغة أي ترتيبات أمنية في المنطقة، إذ باتت تتعامل مع قضية أمن الخليج باعتباره شأنا داخليا أمريكيا ومصلحة أمنية إستراتيجية، ولهذا فإن كافة الترتيبات المستقبلية والتصورات المطروحة بعد حرب الخليج الثالثة لأمن المنطقة جاءت إما بمبادرة أمريكية، أو أنها –أي الولايات المتحدة- تلعب الطرف الرئيسي فيها بمشاركة أطراف أخرى، وأهم هذه التصورات ما يلي:

1- قيام واشنطن بدور أمني وسياسي في الخليج مشابه للدور البريطاني خلال فترة الاستعمار، وأهم معالم هذا الخيار: وجود أمريكي فاعل وقوي على ساحل الخليج وداخل العراق، ومن ثم على أمريكا فرض السلام مثلما فعلت بريطانيا في المنطقة من خلال الاحتفاظ بالهيمنة على الساحل ودعم دول المنطقة، وحمايتها من مصادر التهديد الإقليمية والتمدد العسكري داخل المنطقة.

إلا أن هذا التصور يواجه بانتقادات خليجية على الأقل على المستوى الشعبي، فضلا عن معارضة إيران له لأنه يلغي دورها في المنطقة.

2ـ الاعتماد على سياسة توازن القوى في المنطقة باعتبارها الضمان الأمثل للأمن في الخليج: وهذا التصور يعيد إحياء مبدأ "نيكسون" القائم على سياسة "توازن القوى التقليدية"، وتقليص الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة إلى الحد الأدنى، مع الإبقاء على مقر قيادة الأسطول الخامس في البحرين، وخفض عدد القطع البحرية الأمريكية في الخليج، والتركيز على قاعدة "العيديد" القطرية، والاحتفاظ ببعض المعدات في الكويت، إضافة إلى الوجود العسكري في العراق.

لكن من الصعب أن تلجأ الولايات المتحدة إلى التفكير في هذا الخيار على الأقل في المدى المنظور؛ وذلك نظرا لأن توازن القوى في منطقة الخليج أصبح يميل لصالح إيران بعد تدمير قدرات العراق العسكرية، كما أن إعادة هذا التوازن تتطلب إعادة بناء الجيش العراقي من جديد، أو القيام بعمل عسكري ضد إيران لتدمير قدراتها العسكرية، وكلا الخيارين يواجه صعوبات عديدة في التطبيق، كما أن تقليص الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة في الوقت الراهن قد يعرض مصالحها الإستراتيجية للخطر، ويغري قوى خارجية بالتدخل في المنطقة وبخاصة روسيا والصين اللتان تعملان على موازنة الدور الأمريكي العالمي.

3 ـ تأسيس حلف أطلسي محلي، أي إقامة حلف دفاعي رسمي بين الولايات المتحدة ودول المجلس، إضافة إلى العراق الجديد، ومن شأن معاهدة دفاعية رسمية أن تكون أفضل وسيلة للحفاظ على الالتزامات الأمريكية في المنطقة، وتستمد هذه الفكرة من تجربة حلف بغداد الذي أنشئ عام 1955، والذي كان يشمل العراق وإيران وتركيا وبريطانيا، ولكن الحلف فشل وقتها، إلا أن الظروف تغيرت اليوم، ما يعني أن إمكانية تطبيقها تبدو واردة.

4- إقامة منتدى إقليمي مشابه للآسيان: وفي إطار هذا التصور تعزز الولايات المتحدة علاقات التعاون العسكري بين الأطراف المختلفة، وتقيم منظومة من التعاون العسكري بين دول آسيوية كاليابان، وسنغافورة، وماليزيا، وأستراليا، والفلبين، وكوريا الجنوبية، وقطر، والكويت، والبحرين، وربما أطراف أخرى في الخليج، ويمكن لهذا التعاون العسكري أن يأخذ صورة حلف شبيه بحلف الناتو، ولكنه حلف آسيوي في المقام الأول.

بيد أن هذا التصور لا يزال غامضا، فثمة تفسيرات مختلفة حول مداه الجغرافي، وحدود مسئولياته، وأعضائه أيضا، إلا أن الفكرة الأساسية واضحة، إذ إنها ترتكز على وضع إطار أمني جماعي تشارك فيه الولايات المتحدة وكل دولة من الدول الأعضاء في النظام الإقليمي الخليجي، ويقدم أساسا صلبا لضمان الأمن الجماعي من تهديدات، مثل: الإرهاب، والتعرض لاعتداءات خارجية أيا كان مصدرها.

5- ارتباط النظام الأمني الخليجي بالنظام الأمني الشرق أوسطي (الشرق الأوسط الكبير– الجديد) الذي تسعى الولايات المتحدة إلى تدشينه منذ انتهاء حرب الخليج الثالثة، وتحاول أن تجعله مركزا بالأساس للحفاظ على أمن إسرائيل، وإسناد مهمة الرادع الإقليمي في هذا النظام إليها (إسرائيل)، وذلك ضد بعض الدول الممانعة أو المارقة في المنطقة من وجهة نظر واشنطن، وعلى رأسها سوريا وإيران، أو القيام بتنفيذ بعض الأهداف الأمريكية كشن حرب محدودة بالوكالة ضد بعض التنظيمات كالحرب التي شنتها إسرائيل ضد لبنان في صيف 2006، بهدف نزع سلاح حزب الله، وتدمير قدراته العسكرية.

وفي السياق نفسه تثار المخاوف من قيام إسرائيل بتوجيه ضربة إجهاضية للمنشآت النووية الإيرانية تحت مظلة الاتهامات الأمريكية لطهران بتطوير برنامجها النووي في حال تعذر التوصل إلى تسوية سياسية لهذا الملف.

أمريكا لا تريد استقرار الخليج

القواعد الجوية العسكرية الأمريكية تنتشر في معظم بلدان الخليج العربي

في ضوء ما سبق، يمكن التوصل إلى نتيجة مفادها أن الرؤية الأمريكية لأمن الخليج -وإن تغيرت أدواتها وسياساتها- فإن أهدافها تبدو ثابتة، وفي مقدمتها الحفاظ على الإمدادات النفطية لها ولحلفائها، والحيلولة دون ظهور أية قوة إقليمية تهدد مصالحها، وربما يفسر هذا تشددها في الملف النووي الإيراني، لأنها تدرك أن حيازة طهران للتكنولوجيا النووية المتقدمة سيكون بمثابة اعتراف رسمي بتفوق إيران الإقليمي، وما يعنيه ذلك من تهديد لحلفائها في المنطقة سواء في الخليج أو في منطقة الشرق الأوسط بصفة عامة.

كما أن من مصلحة الولايات المتحدة أن تعيش المنطقة باستمرار في حالة من عدم الاستقرار المتحكم فيه؛ لأنه لو تحقق الاستقرار لن تكون هناك حاجة إلى التدخل الأمريكي، أو مبررا لطلب الحماية أو العون، وعليه تريد أمريكا إبقاء المنطقة في حالة من التأزم، لكي تبرر وجودها فيها باستخدام ما يسمى بتجارة "التهديد والحماية"؛ فقد استخدمت التهديد الأمني الذي كان يشكله العراق بالنسبة لدول المجلس ودول الجوار كأداة للترويج لوجودها العسكري ونفوذها السياسي في الخليج العربي، والحصول على تنازلات لا يستهان بها من دول الخليج، منها ما يتعلق بالتسهيلات الممثلة بالقواعد العسكرية والاتفاقيات الأمنية، وبعد انتهاء الخطر الذي كان يشكله صدام حسين، فإن إيران تمثل ذلك الخطر الذي تسعى الولايات المتحدة إلى تخويف دول المنطقة منه، تارة بإثارة امتلاكها أسلحة الدمار الشامل، وتارة ثانية باتهامها بدعم الإرهاب الدولي.

إن نفس السيناريو الذي تم تطبيقه مع العراق طيلة عقد التسعينيات قد يتكرر ثانية مع إيران في المستقبل، وذلك بهدف زيادة دمج أمن الخليج العربي بالضمانة (الأمريكية)، باعتبارها القادرة على مواجهة أي تهديدات إيرانية محتملة من ناحية، ودفع دول المجلس إلى الاستمرار في شراء صفقات الأسلحة الضخمة من ناحية ثانية، وكأن المنطقة كُتب عليها أن تعيش باستمرار في حالة من التأزم وعدم الاستقرار.


** باحث متخصص في الشئون الخليجية.

 
 

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع