بريدك الالكتروني


English

 

12:00 مكة - الإثنين 7 جمادي الآخر 1427 هـ - 3/7/2006 م

الخليج العربي » المنطقة العربية » تحليلات وآراء
أرسل لصديق
روابط من إسلام أون لاين

 

عبد الله بن عبد العزيز.. عام من الحراك

أحمد الإمام**

العاهل السعودي عبد الله بن عبد العزيز

التطورات السريعة التي تمر بها المملكة العربية السعودية منذ تولي الملك عبد الله بن عبد العزيز مقاليد الحكم في الأول من أغسطس 2005 خلفًا للملك الراحل فهد بن عبد العزيز، تؤكد أن أكثر الدول الخليجية انغلاقًا، كما كانت توصف فيما مضى، باتت تشهد اليوم حراكًا سياسيًّا وحركة اقتصادية من شأنها أن تفرز دولة عصرية في إطار من المحافظة على الهوية الخليجية والإسلامية.

ولم يكن غريبًا أن يتم اختيار الملك عبد الله الشخصية الخليجية الأولى لعام 2005 وفق استطلاع أجرته صحيفة البيان الإماراتية، أو أن تصفه صحيفة "الواشنطن تايمز" الأمريكية في مارس 2006 بأنه من أهم القادة العالميين اليوم.

ولا شك أن ذلك لا يعود فقط إلى الدور السعودي النشط عالميًّا، لكنه يرجع بالأساس إلى ما يسعى إليه الملك عبد الله من تحقيق إنجازات داخلية على الصعد السياسية والاقتصادية والأمنية، حيث أرجع المشاركون في استطلاع صحيفة البيان إلى أن اختيارهم له لم يكن سوى انعكاس لنهج الملك على المستوى الخارجي والداخلي؛ إذ قام بتوسيع السوق الاقتصادية؛ وهو ما جعل الاقتصاد السعودي محل استقطاب دول العالم الكبرى.

المملكة.. لماذا سرعة التغيير؟

فالمملكة تُعَدّ إحدى الدول المحورية في منطقة الخليج وفي الدائرة العربية والإسلامية، وهي عضو مؤسس في عدد من المنظمات الإقليمية والدولية، ولها تأثيرها الواضح في عدد من القضايا الإقليمية، كما لها استثمارات ضخمة بالخارج.

ومن ثَم، فإن التغيير الذي تشهده المملكة منذ تولي الملك عبد الله مقاليد الحكم يحظى باهتمام كافة المراقبين والمحللين انطلاقًا من عدة اعتبارات، منها دور المملكة في إحداث التوازن في سوق وأسعار النفط عالميًّا، وعودة الاهتمام الأوروبي والروسي بمنطقة الخليج والسعودية تحديدًا في سياق حركة دولية يرى بعض المراقبين أنها تمثل إرهاصات لعملية تحول دولي، والتهاب الأوضاع في منطقة الخليج خاصة تردي الوضع العراقي واحتدام أزمة الملف النووي الإيراني بكل ما يحمله من تبعات، إضافة إلى ذلك فإن التحديات الأمنية وفي مقدمتها قضية الإرهاب تمثل أكبر التحديات أمام الملك عبد الله منذ توليه الحكم.

وإدراكًا من القيادة السعودية لتلك المتغيرات والرغبة في التأقلم معها بما يعظم من المصالح السعودية الإستراتيجية، ويقلل من أي خسائر محتملة نتيجة هذه التطورات، فقد آلت على نفسها ضرورة بناء دولة عصرية حديثة، ما يتطلب تنفيذ إصلاحات سياسية واقتصادية وأمنية، وضع الملك عبد الله لبنتها الأساسية في كلمته لدى افتتاح أعمال مجلس الشورى بالقول: "إننا لا نستطيع أن نبقى جامدين والعالم من حولنا يتغير.. سوف نستمر في عملية التطوير وتعميق الحوار الوطني وتحرير الاقتصاد ومحاربة الفساد والقضاء على الروتين، ورفع كفاءة العمل الحكومي والاستعانة بجهود كل العاملين المخلصين من رجال ونساء في إطار التدرج المعتدل المتماشي مع رغبات المجتمع المنسجم مع الشريعة الإسلامية". كما أكد أن عملية التنمية لا يمكن أن تتم إلا في جو من الأمن والأمان، ومن ثَم جدد العزم للقضاء على الفئة الضالة".

وفي سياق هذا المنهج الإصلاحي تسارعت وتيرة التغييرات بالمملكة في كافة الجوانب. ويمكن إيجاز أبرز الخطوات الإصلاحية في الآتي:

أولاً: على الجانب السياسي:

بعيدًا عن الصعوبات المؤسسية التي تعيق عملية التواصل بين الحكام والمحكومين، استحدث الملك عبد الله نهجًا جديدًا بالسعودية هو اعتماد آلية الجولات الداخلية والحوار المباشر مع المواطنين للتعرف على واقع ما يعانونه، حيث استهل أولى جولاته في 4 مناطق داخل المملكة (القصيم والإحساء وحائل والمدينة المنورة) بإصدار أوامره بالتسديد عن الموقوفين في الحقوق المالية الخاصة ممن عليهم ديون أو ديات وثبت عجزهم عن أدائها.

وفي إطار هذه الآلية أيضًا، يسعى الملك إلى معالجة المسألة الطائفية التي ازدادت حدة نتيجة لتداعيات الاحتلال الأمريكي للعراق على الشيعة بمنطقة الخليج؛ ففي أول زيارة من نوعها لملك سعودي لمدينة "القصيم"، أكد على ضرورة إرساء مبدأ المساواة بين المواطنين دون تمييز بسبب الانتماء السياسي أو غيره، قائلاً: "أصارحكم القول إنني أرى أنه لا يتناسب مع قواعد الشريعة السمحة ولا مع متطلبات الوحدة الوطنية أن يقوم البعض بجهل أو بسوء نية بتقسيم المواطنين إلى تصنيفات ما أنزل الله بها من سلطان".

أيضًا، فقد اتخذت خطوات عدة نحو تفعيل جولات الحوار الوطني التي بلغ عددها 6 جولات منذ عام 2003، وحتى عام 2006، ضمن أعمال مركز الحوار الوطني الذي أنشئ لهذا الغرض، حيث تناولت هذه الجولات قضايا ذات بعد إصلاحي منها تطوير التعليم، وتعميق ثقافة الاعتدال، ودور المرأة والشباب والمجتمع المدني.

ويكمن مدلول هذا الحوار في تأكيد الملك عبد الله على حق الاختلاف، ولكن في الإطار الوطني وضمن أصول وتقاليد الحوار والمصلحة العليا للبلاد، وتُعَدّ هذه رسالة للعالم الخارجي بأن المملكة التي عانت طويلاً من العنف والإرهاب -وما زالت- تتمسك بالحوار كآلية للاختلاف.

ويتصل بما سبق حرص الملك عبد الله على الاعتدال والبعد عن الغلو وهو ما تمثل فيما تردد مؤخرًا من أن الحكومة تدرس إصدار قانون جديد يكبح ظاهرة "فوضى الفتاوى"، وذلك بهدف الحد من الوصول لمرحلة "تحريم الحلال وتحليل الحرام"؛ وهو الأمر الذي ينذر بكارثة دينية واجتماعية، كما أنه حرص على منح فرصة للمتطرفين للتراجع عن أفكارهم التي تستهدف أمن واستقرار المملكة من خلال إعطائهم مهلة شهر لإعلان توبتهم وتم تجديدها، فضلاً عن استقباله لأفراد معارضة سعوديين سابقين ومنهم عبد العزيز بن شرف الشنبري، واستصدار قرارات بالعفو عن بعض السجناء والموقوفين في العديد من سجون المملكة، وهي خطوات تعمل على إرساء بداية ميثاق جديد بين الدولة وبعض الفئات التي انحرفت عن المسار الصحيح، رغم إعلان الملك سابقًا أنه لا حوار مع هؤلاء إلا بالبندقية.

ومن ناحية ثالثة، فقد امتدت آلية الانتخابات من البلديات إلى المجالس المهنية ومجالس الغرف التجارية والاتحادات الرياضية، وأخيرًا إلى المجالس الطلابية، حيث اقترع مؤخرًا نحو 2900 طالب في كلية المعلمين بجدة لاختيار مجلسهم. ولا شك أن تعميم تلك الآلية في مؤسسات الدولة السعودية يُعَدّ أهم مؤشرات التحول الديمقراطي؛ إذ تجعل المواطن شريكًا للدولة في صنع القرار حتى ولو كان ذلك على أدنى المستويات بما يعكس المطالب والمشكلات الحقيقية لهؤلاء المواطنين.

وإضافة لما سبق لا يزال الملك عبد الله يولي اهتمامًا بقضيتي المرأة وحقوق الإنسان باعتبارهما من قضايا الجدل التي لا تخلو منها تقارير المنظمات الدولية المعنية بتلك القضايا، وكان آخرها ما أشارت إليه بعض التقارير الدولية بشأن اتهام عدة دول خليجية من بينها السعودية "بالاتجار بالبشر".

ومن ثَم فإن جولات الملك عبد الله العديدة وحرص الحكومة على تحديث المناطق النائية والقانون الذي صدر بهدف تقنين عمل رجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فضلاً عن المطالبات الإصلاحية، وظهور المرأة في المنتديات الاقتصادية والإعلامية يؤكد أن المملكة في طريقها نحو انفتاح حقيقي غير معهود.

ثانيًا: على الجانب الاقتصادي:

تتسم الرؤية الإصلاحية للملك عبد الله بالشمول، حيث يدرك أنه لا معنى للإصلاح السياسي بدون تحقيق تقدم ملموس على الصعيد الاقتصادي. وتقوم هذه الرؤية على عدم التفرقة اقتصاديًّا بين منطقة وأخرى ولا بين مواطن وآخر، والعمل على تعظيم استثمار الموارد وتعظيم العائد، ما يعزز جهود التنمية الشاملة بمشاركة الجميع.

وبناء على ذلك فإن حصاد عام على الصعيد الاقتصادي يوضح أن استمرارية هذا النهج ربما ستؤتي ثمارها على المدى القريب، فقد وضع الملك ذوي الدخل المحدود على رأس أولوياته من خلال إنشاء صندوق استثماري مخصص لأصحاب الدخول الصغيرة تتولى الدولة من خلاله استثمار أموال هؤلاء وضمان رأس المال لهم، وزيادة رأس مال الصندوق الخيري لمكافحة الفقر الذي تأسس في عام 2003، وقيام الملك عبد الله بزيارات متنوعة للأحياء الفقيرة وإعلانه عن بدء مشروعات تنموية بها.

وفي هذا الإطار يشار إلى افتتاح الملك عبد الله مشروعات جديدة في منطقة القصيم بلغت تكلفتها 4.6 مليارات ريال سعودي، ووضعه حجر الأساس لنحو 412 مشروعًا تعليميًّا بالمنطقة، ومشروعات تنموية وتعليمية في منطقة حائل قدرت تكاليفها بنحو 2.8 مليون ريال سعودي. وإدراكًا منه لأهمية المحروقات لاحتياجات المواطنين اليومية فقد اتخذ قرارًا بتخفيض أسعارها بما يسهم في تحسين مستوى معيشة المواطنين، بالإضافة إلى قرار زيادة رواتب موظفي الدولة بنسبة 15%، ولا شك أن الخطوات السابقة تستهدف تمتين النسيج الوطني من خلال الحد من الفوارق بين الدخول.

ومعروف أن مشكلة البطالة هي أبرز التحديات التي تواجه الملك عبد الله منذ توليه الحكم وحتى اليوم، لكن المملكة قد اتخذت بعض الخطوات على طريق حل هذه المشكلة؛ إذ أقام الملك عبد الله مشروعات اقتصادية عملاقة للحد من البطالة، أبرزها البدء في تنفيذ "مدينة الملك عبد الله الاقتصادية" باستثمارات قيمتها 100 مليار ريال سعودي، ويوفر هذا المشروع حوالي 500 ألف فرصة عمل جديدة.

كما انضمت المملكة لمنظمة التجارة العالمية بعد مفاوضات استمرت لأكثر من 10 سنوات، الأمر الذي قد يسهم في زيادة الاستثمارات الأجنبية داخل المملكة، فضلاً عن حرية النفاذ للأسواق الخارجية، وهو أمر إستراتيجي بالنسبة للمملكة التي تسعى لتنويع مصادر دخلها للحد من تقلبات أسعار النفط في الأسواق العالمية.

ثالثًا: في المجال الأمني:

عملت المملكة خلال تلك الفترة القصيرة من حكم الملك عبد الله على مواجهة أخطر التحديات، وهي ظاهرة العنف والتطرف. والجديد هو الجمع بين التصدي للظاهرة ليس فقط بالاكتفاء بالحل الأمني وإنما باعتماد آلية الحوار لتحقيق الاستقرار الأمني، فقد تم القضاء على زعيم تنظيم القاعدة في المملكة "صالح العوفي" في عام 2005، والتصدي لجماعات التطرف، وكان آخرها القبض على 40 شخصًا في منطقة البقيق خلال شهر يونيو 2006 في واحدة من أهم العمليات التي نفذتها قوات الأمن السعودية.

وإذا كان الملك عبد الله قد أوجد آليات لتحقيق الاستقرار الأمني منها إشرافه المباشر على مجلس الأمن الوطني السعودي، وتأكيده على المحافظة على المصالح السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية للملكة والعزم على القضاء على الفئة الضالة من الإرهابيين القتلة ومكافحة الفكر التكفيري، فإنه في ذات الوقت لم يدع مساحة للحوار وقبول التائبين والعفو عن بعض من صدر أحكام ضدهم؛ أي أنه اعتمد آلية الحوار وليس آلية البندقية فقط.

تحديات الإصلاح

وعلى الرغم من إجماع كافة الآراء على أن ثمة منجزات على الصعيد الإصلاحي بالمملكة خلال الآونة الأخيرة، فإنه لا تزال هناك عدة تحديات تواجه الخطوات الإصلاحية لعل أهمها تزايد ظاهرة الإرهاب والتطرف على الرغم من إعلان الحكومة السعودية عن مهلة جديدة للتوبة؛ إذ إن تفاقم تلك الظاهرة قد يعرقل جهود الإصلاح، حيث تتطلب إجراءات أمنية وتشريعية يمكن أن تمثل قيدًا على حرية الرأي والتعبير أو يحدّ ذلك من الحقوق المكفولة للمواطنين.

ومن ناحية أخرى لا تزال هناك حاجة إلى تفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني لتضطلع بدورها في بلورة المطالب الحقيقية لفئات الشعب المختلفة، على أن يتم إيلاء المرأة الاهتمام المطلوب، ولا شك أن وسائل الإعلام يقع على عاتقها دور مهم في هذا الشأن، حيث يتعين تعميق مفهوم المشاركة لدى كافة فئات الشعب وإيجاد الآلية التي تكفل تلك المشاركة، بالإضافة إلى الحاجة لإقرار عدد من التشريعات اللازمة لضمان حرية الرأي والتعبير والسماح لمزيد من منظمات المجتمع المدني بالعمل في المجالات المختلفة.


**باحث في العلوم السياسية.
 
 

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع