بريدك الالكتروني


English

 

21:00 مكة - السبت 5 جمادة الآخرة 1427 هـ - 1/7/2006 م

الخليج العربي » المنطقة العربية » تحليلات وآراء
أرسل لصديق
روابط من إسلام أون لاين
  أهم الأخبار

 

انتخابات الكويت.. انقلاب برلماني على الأسرة الحاكمة!

 محمد جمال عرفة*

فرحة الفوز على وجه مرشحين

لم تتعلم الحكومة الكويتية من تجارب الماضي عندما تم حل البرلمان 4 مرات بهدف إقصاء المعارضة عنه، ولم يخيب الناخب الكويتي ظن القوى الإصلاحية، وأبقى على المعادلة الكويتية الشهيرة التي تشير دوما إلى أن المستفيد من قرار الحل غالبا يكون البرلمان نفسه وليس الحكومة؛ وأن الانتخابات اللاحقة تأتي ببرلمان جديد غالبًا ما يضم المزيد من الوجوه المعارضة التي تطالب بحزمة أكبر من الإصلاحات!.

تلك هي باختصار نتيجة انتخابات برلمان الكويت التي فاز فيها تحالف المعارضة بقيادة الإسلاميين بـ 33 مقعدا من أصل 50 (بنسبة 66%) بزيادة 4 مقاعد بعدما كان له 29 مقعدا في البرلمان الأخير المنحل، مما يؤكد أن التيار الإصلاحي في تصاعد مستمر ( 52% في برلمان 1999 و55% في برلمان 2003 ثم 66% في برلمان 2006).

ووضعت هذه المحصلة الانتخابية الحكومة والأسرة الحاكمة في مأزق شديد، فلم يعد أمامها سوى الرضوخ لمطالب القوى الإصلاحية في البرلمان الجديد أو العودة للعبة القط والفأر المسماة "حل البرلمان" بعد عامين آخرين تتأزم فيهما الأمور بسبب شل البرلمان قدرة الحكومة على الحركة بدون موافقته، أو تجميد التجربة الديمقراطية ككل في حالة رفضها لتوجه المعارضة الإصلاحي بما قد يترتب عليه من احتقان سياسي واسع، وفي كل الأحوال يتوقع سلسلة أزمات سياسية حادة مستقبلا لا تقتصر على تصادم آراء البرلمان والحكومة في أمور داخلية، ولكن حتى في الشئون الخارجية.

هذه الانتخابات حسمت الكثير من الملفات فيما يخص العلاقة بين الحكومة والأسرة الحاكمة من جهة، وقوى المعارضة الإصلاحية من جهة أخرى، بحيث يمكن القول إن نتائجها أشبه بانقلاب على سلطة الأسرة الحاكمة التي تتولى عمليا الحكومة والسلطة، ويمكن أن تؤشر لتحول الكويت إلى نظام ملكي دستوري فعلي يملك فيه الأمير ولا يحكم، والسلطة الحقيقية في يد البرلمان!.

فوفقا للنتائج حصلت القوى المعارضة على 33 مقعدا مقابل 13 فقط لأنصار الحكومة (بالإضافة إلى 4 مستقلين قد يصوتون مع الحكومة أو المعارضة)، ولو أدركنا أن للحكومة 16 صوتا أخرى في البرلمان هي أصوات أعضاء الحكومة التي يعطيهم القانون الحق في التصويت في البرلمان كباقي النواب، فسوف يكون أقصى ما تحصل عليه الحكومة من أصوات هو 33 صوتا أيضا.

وإذا تصورنا أن رئيس البرلمان المقبل سيكون أيضا من المعارضة على اعتبار أن الغالبية المعارضة سوف تشارك في انتخابه، فسوف يكون للمعارضة عمليا 34 صوتا، بإضافة صوت رئيس البرلمان في حالة التعادل بين الطرفين، ما يعني على الأقل معارضة أية قرارات حكومية وعدم تمرير أي قانون لا ترضى عنه المعارضة، بل وتمرير قوانين تطالب بها المعارضة لأول مرة، ما يعد -عمليا- انقلابا سياسيا لأول مرة في تاريخ الكويت.

بعبارة أخرى، إذا كان حل البرلمان الأخير استهدف ضمنا وقف تصاعد نفوذ برلمان 2003 -2006 وتحجيمه؛ لأنه أول برلمان كويتي يتمكن -لأول مرة في منطقة الخليج- من إزاحة وريث العرش الكويتي الشيخ سعد العبد الله السالم الصباح لأسباب صحية، منقلبًا بذلك على التقاليد المتبعة لانتقال الحكم لصالح الأمير الحالي، ولأنه أجبر 3 وزراء في العام الماضي على الاستقالة، وسعى أيضًا هذا العام -لأول مرة- لاستجواب رئيس الوزراء، فالبرلمان الجديد (الأقوى) ستكون له سلطات أوسع قد تطال العرش والحكومة معا

صعود الإسلاميين.. أبرز الدلالات

إذا كانت النتيجة الحقيقة التي ترتبت على أزمة حل البرلمان الأخير وما أعقبه من انتخابات فازت فيها المعارضة أشارت بوضوح لاختيار الشعب للمزيد من نواب التغيير والإصلاحات، وفشل عنصر المال وشراء الأصوات في النتيجة النهائية وكذلك فشل أصوات النساء - اللاتي سمح لهن بالتصويت والترشيح للمرة الأولى وفشلن جميعا- في تغيير تركيبة البرلمان، فهناك دلالات أخرى أفرزتها الانتخابات تعكس نتائج هامة.

ويمكن استعراض بعض هذه الدلالات فيما يلي:

1 - فوز المعارضة بعدد كبير من المقاعد ورفع مقاعدها من 29 إلى 33 ارتبط بإحراز الإسلاميين عموما نتائج قوية وفوزهم بـ 21 مقعدا مقابل 18 في المجلس السابق، وهي رسالة قوية تشير لتصاعد دور الإسلاميين في الحياة السياسية مستقبلا، وربما تأتي في سياق التطور العالمي بشأن صعود أسهم الإسلاميين كمكافح قوي لانتشار الفساد.

2 - مقاعد الإسلاميين توزعت بين 17 مقعدا للسُنَّة، و4 مقاعد فقط لشيعة الكويت، حيث حققت الحركة الدستورية الإسلامية (إخوان) فوزا كاسحا، وضاعفت عدد أعضائها في البرلمان السابق (عضوين) ثلاث مرات، بفوز ناصر الصانع، ومحمد البصيري، ودعيج الشمري، وخضير العنزي، وجمعان الحربش، وجمال الكندري، وبالمقابل خسر النواب الشيعة المقربون من الحكومة إضافة الى خسارة سيد حسين القلاف، وفاز نواب شيعة معارضون، وانخفض مجموع نوابهم من 5 إلى 4 ما قد يشير ضمنا إلى تأثير فكرة "الهلال الشيعي" في المنطقة العربية على النتائج.

3 - منيت كتلة النواب المستقلين بخسارة قوية بعدما فقدت 11 عضوا لم يحالفهم الحظ هم: شيخان الفارسي، عصام الدبوس، صلاح خورشيد، محمد الفجي، براك النون، راشد الهبيدة، على الخلف، ويوسف الزلزلة، وعلى الهاجري، وفهد الميع ووسالم الحماد، كما مني "المنبر الديمقراطي" بخسارة بهزيمة رئيسه عبد الله النيباري، وواصل الليبراليون خسارة المقاعد كما حصل في انتخابات 2003؛ حيث خسروا مقعدين وبقي لهم 6 مقاعد فقط في المجلس الجديد.

4 - فوز المعارضة بغالبية المقاعد يحسم الخلاف السابق بين الحكومة والبرلمان السابق المحلول حول عدد الدوائر الانتخابية، ويرجح وجهة نظر المعارضة التي تطالب قصر الدوائر من 25 دائرة إلى خمس فقط، وليس عشرا كما تطالب الحكومة، ويضمن بالتالي وقف تصاعد دور رأس المال والرشوة في حسم نتيجة التصويت في البرلمانات المقبلة، كما يضمن تقليص دور الفساد في التأثير على الانتخابات، خصوصا أن "مكافحة الفساد" كان شعار غالبية المرشحين.

5 - فشل المرأة الكويتية في الحصول على أي مقعد من الـ 28 التي ترشحت فيها، وحصولها على أصوات متدنية في عدة مدن (أكبر عدد أصوات كان 1056)، يعد مؤشرا واضحا على طبيعة المجتمع الكويتي القبلي العشائري الذي لم يعتد على عمل المرأة أو مزاحمتها للرجل، ويبقى فوز المرأة مع ذلك بالمشاركة السياسية مكسبا هاما، ولكن لم تنجح الحكومة وأنصارها في الاستفادة منه في التصويت، رغم أنه قيل إن الهدف من تصويت المرأة هو رد الجميل للحكومة وانتخاب أنصارها.

6 - الكتل الشعبية المستقلة التي يمثلها نواب ذوو ثقل جماهيري مثل أحمد السعدون، ومسلم البراك، عادت بقوة وفاز أنصارها بغالبية الأصوات؛ حتى إن البراك كان أكثر النواب في عدد الأصوات التي حصل عليها.

7 - فاز المرشحون القبليون بـ26 مقعدا بينها عشرة للإسلاميين، وباقي الفائزين القبليين مستقلون أو موالون للحكومة، وذلك مقابل 23 مقعدا في البرلمان السابق؛ ما يعني أنهم لا يزالون ثقلا رئيسا في الحياة السياسية خصوصا بعدما زحف التيار الإسلامي بين القبائل وأصبح له رموز منها.

8 - بلغت نسبة التغيير في المجلس الجديد 38%، خلافا للتوقعات التي تحدثت عن نسبة تغيير تصل إلى 50 و60%، وجاء التغيير لصالح الإسلاميين عموما، وضد أنصار الحكومة خصوصا.

أجواء المستقبل

إذا كان موضوع الفساد قد هيمن بشكل واسع على الحملات الانتخابية للبرلمان، واتهم مرشحون معارضون الحكومة والمقربين منها بإدارة البلاد وكأنها شركة خاصة، ووجهوا لهم اتهامات بشراء الأصوات، فمن الطبيعي أن نتوقع – خصوصا أن 36 من النواب الحاليين من الإصلاحيين ضد الفساد- أن يشهد المستقبل الكويتي حالة من الهجوم ومحاربة كل أشكال الفساد، من الرشوة إلى محاولات "قوى الفساد" الاستئثار بثروات الكويت النفطية التي يثار حولها جدل كبير في ظل تعاظم الفوائض المالية البترولية نتيجة ارتفاع أسعار النفط ( بلغت 30 مليار دولار عام 2005، وتضاعفت هذا العام 2006، وهناك مدخول سنوي من النفط يبلغ خمسين مليار دولار تقريبا).

ولأن هناك توافقا في الهدف حول محاربة الفساد بين الإسلاميين (السنة والشيعة) والليبراليين وغيرهم، فمن الطبيعي أن تشهد الكويت حربا شرسة حول العديد من مظاهر الفساد مستقبلا حتى لو كانت لها صلة بالحكومة، وأن تثار معارك سياسية كبيرة حول الفساد في الداخل.

أيضا هناك ملفات سياسية خارجية هامة يتوقع أن يثار حولها نقاش وجدال شديد بين الحكومة والمعارضة خصوصا مسألة النفوذ الأمريكي في الكويت، والعلاقات مع إيران النووية، والملف الفلسطيني الذي ظل مُجَهَّلا لفترة بسبب الخصام مع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، ويسعى الإسلاميون لتنشيطه، خاصة في ظل الحصار الإسرائيلي على الفلسطينيين وضرب غزة ووقوف واشنطن مع تل أبيب.

فبعض النواب الذين فازوا أكدوا أن الكويت الغنية جدا بالنفط تكبدت خسائر "بمليارات الدولارات" بسبب الفساد، عبر توزيع أراض تابعة للدولة بطريقة غير شرعية، وعبر تلزيم بعض النافذين عقودا حكومية، حتى إن النائب المعارض المخضرم أحمد السعدون اتهم الحكومة بتوزيع 141 مليون متر مربع من الأراضي العامة "بطريقة غير شرعية"، وقيمة هذه الأراضي بحسب السعدون "بمليارات الدولارات".

واتهم نواب جدد آخرون ما يسمونها "قوى الفساد" -والتي لم يحددوا هويتها- بالسعي إلى "الاستئثار" بالثروات النفطية في الكويت، وأشار هؤلاء بشكل خاص إلى مشروع لتطوير الحقول النفطية في شمال البلاد بـ 8.5 مليار دولار، كما اتهم النائب المعارض مسلم البراك الحكومة بمنح 19 مرشحا مواليا في الانتخابات حوالي 12 مليون دينار(41 مليون دولار) من الأموال العامة لشراء أصوات، بسعر 12 ألف دولار للصوت الواحد!! .

أيضا أكد النائب الإسلامي ناصر الصانع أنه تم إيقاف 18 ملفا مشبوها كانت تريد الحكومة تمريرها، وفيها شبهات سرقات بمئات الملايين من الدنانير، مُنوِّها بمنتهى الصحوة والرقابة وتحميل المسئولين لمسئولياتهم.

أما الأهم من كل ذلك، والمعركة المتوقع أن تنشب بقوة بسبب ارتباط هذه الاتهامات بوزراء في الحكومة ومسئولين في الأسرة الحاكمة، فهي معركة النفوذ بين البرلمان والحكومة والأسرة الحاكمة، والتي تطلب قدرا من التنازل المتبادل ورضاء الحكومة بالأمر الواقع، وفي هذه الحالة قد لا يستمر المجلس الجديد لفترة طويلة، وقد لا يتعدى عمره العام أو العامين لو تم فتح كل ملفات الخلافات والنفوذ بين الطرفين أو خسرت الحكومة عدة معارك متتالية، وخصوصا أن المعارضة الكويتية حذرت من إعادة تعيين وزراء تزعم أنهم متورطون في الفساد في الحكومة الجديدة، ودعا نواب لمقاطعة افتتاح البرلمان لو حدث هذا.

صحيح أن القانون الكويتي يقول إن البرلمان لا يملك حق سحب الثقة من الحكومة بمجملها، ولكن يمكن وفق هذا القانون الاستجواب والتصويت على سحب الثقة من الوزراء كل على حدة، كما حدث سابقا مع ثلاثة وزراء، ويمكنه استجواب رئيس الوزراء أيضا، والمشكلة هنا يمكن أن تصل لحد الصدام لو أعلن البرلمان عدم التعاون مع الحكومة كلها، فحينها سيدخل الجميع الدائرة المفرغة ويتعين على الأمير إما حل البرلمان أو إقالة الحكومة، وغالبا ما يُحل البرلمان.

الحكومة الكويتية ودائرتها الأوسع الممثلة في الأسرة الحاكمة قد تكون بالتالي على موعد مع انقلاب سياسي يقلص نفوذها بسبب نتيجة انتخابات برلمان 2006، وربما يعجل بهذا الانقلاب الاختلاف الواضح بين أفراد الأسرة الحاكمة منذ أزمة عزل الشيخ سعد العبد الله بين فرعي "السالم" و"الصباح".


*محلل الشئون السياسية بإسلام أون لاين. نت
 
 

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع