ربما يكون السؤال الأول الذي
ينبغي طرحه على خلفية أزمة حل البرلمان
الكويتي - للمرة الرابعة في تاريخه منذ عام
1976، هو: هل حل البرلمان يعزز الديمقراطية
في الكويت ويعزز الإصلاح السياسي أم أنه
على العكس يشكل "تراجعًا إصلاحيًّا"؟،
أيضًا يثور سؤال: من المستفيد من قرار
الحل؟.. هل هي الحكومة التي غالبًا ما تلجأ
لأمير البلاد لحل البرلمان على أمل التخلص
من القوى المعارضة في البرلمان، أم
البرلمان نفسه على اعتبار أن حل البرلمان
غالبًا ما يأتي عكس المأمول حكوميًّا؛
لأنه يأتي ببرلمان جديد غالبًا ما يضم
المزيد من الوجوه المعارضة التي تطالب
بحزمة أكبر من الإصلاحات؟.
والسؤال الأول مرتبط بالضرورة
بسؤال آخر يتعلق بالآثار الإقليمية
للإصلاحات والديمقراطية الأوسع في
الكويت، وهل تنعكس هذه المعارك
الديمقراطية في الكويت ورفع الأعلام
البرتقالية (كرمز للتغيير والإصلاح) على
دول الجوار الخليجية التي تعاني بدورها من
معارك مشابهة أخف وطأة، أم لا، خصوصًا أن
إصلاحات الكويت كانت في مراحل سابقة هي
القاطرة لمطالب قوى إصلاحية خليجية أخرى؟.
تحجيم البرلمان.. هدف
 |
|
مجلس الأمة الكويتي |
وتنبع أهمية، وربما خصوصية هذه
الأزمة الأخيرة من عدة أمور منها:
1- أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد
الصباح -الذي كان رئيسًا للوزراء- طلب أن
تتم الانتخابات المبكرة بموجب (القانون
رقم 99 لسنة 1980) الذي يحدد الدوائر
الانتخابية لعضوية مجلس الأمة بـ25 دائرة،
وبالتالي لن تعتمد الانتخابات المقبلة
على مشروع القانون الانتخابي الجديد الذي
طرحته الحكومة أمام مجلس الأمة الذي يقلص
الدوائر إلى عشر دوائر، ولا على مشروع
المعارضة الكويتية الذي يطالب بخمس دوائر
انتخابية فقط، مما قد يغضب المعارضة التي
تعتبره مؤشرًا على لعب سلاح المال دورًا
أكبر في الانتخابات المقبلة لصالح مرشحي
الحكومة، وعدم عدالة تناسب المقاعد مع عدد
السكان (دائرة يسكن بها 16 ألف ناخب مخصص
لها 6 نواب، بينما دائرة أخرى يسكن بها 50
ألف ناخب يمثلهم 4 نواب فقط).
2- رغم أن المادة 102 من الدستور
الكويتي تنص على أنه "في حال رأى مجلس
الأمة بالطريقة المنصوص عليها (أغلبية
عادية) عدم إمكان التعاون مع رئيس مجلس
الوزارة رفع الأمر إلى رئيس الدولة، وله
في هذه الحالة أن يعفي رئيس مجلس الوزراء
ويعين وزارة جديدة أو أن يحل مجلس الأمة"،
فقد جرت العادة على أن رئيس الدولة يميل
لخيار حل البرلمان، وينتصر غالبًا لرئيس
الوزراء الذي يكون أحد أفراد الأسرة
الحاكمة، ما يضر بالتجربة الديمقراطية.
3- بقاء الوضع على ما هو عليه،
وربما تمرير قوانين في غيبة البرلمان، أمر
يتصل بقضايا أخرى تثير خلافات بين الحكومة
والمعارضة مثل قضايا الفساد الحكومي،
ودور المال في استقطاب أصوات الناخبين،
وطرق توزيع عوائد النفط الضخمة، خصوصًا أن
الكويت حققت فوائض مالية هائلة مؤخرًا
نتيجة ارتفاع أسعار النفط بلغت 30 مليار
دولار حتى عام 2005، وتضاعفت هذا العام 2006،
فضلاً عن الأصول الكويتية خارج الكويت
التي تقدر بأكثر من مائة مليار دولار. وفي
هذا الصدد نشير إلى أن الفساد الذي تتحدث
عنه المعارضة وتخشى تأثيره يتعلق بالدعم
الحكومي الذي يمكن أن يأخذ أشكالاً مختلفة
للمرشحين الموالين للحكومة مثل: الدعم
المالي أو تسهيل خدمات متنوعة للدائرة
الانتخابية للمرشح، أو موافقة رئيس
الوزراء على طلبات هؤلاء النواب،
والمرشحون الذين ينتخبون بواسطة هذا
الدعم يشكلون غالبية نواب البرلمان
أحيانًا ويتحكمون في أكثر من 50% من المقاعد.
4- رغم الأغلبية المعارضة في
البرلمان المحلول والتي فاقت في الأزمة
الأخيرة الـ29 نائبًا (30 برئيس البرلمان)
ممن عارضوا قرار الحكومة تحويل قانون
الدوائر الانتخابية إلى المحكمة
الدستورية، فقد رجحت أصوات وزراء الحكومة
(16 وزيرًا لهم حق التصويت) رأي الحكومة،
وانتصرت في جلسة التصويت بإحالة القانون
للمحكمة الدستورية، حيث صوّت بالموافقة
على الإحالة 33 نائبًا (منهم 17 نائبًا و16
وزيرًا) من 34 حضروا الجلسة.
5- حل البرلمان هذه المرة ربما كان
أحد أسبابه هو وقف تصاعد نفوذ هذا
البرلمان وتحجيمه؛ لأن هذا البرلمان
تحديدًا هو أول برلمان كويتي يتمكن -لأول
مرة في منطقة الخليج- من إزاحة وريث العرش
الكويتي الشيخ سعد العبد الله السالم
الصباح لأسباب صحية، منقلبًا بذلك على
التقاليد المتبعة لانتقال الحكم، ورغم أن
هذا جاء لصالح الأمير الحالي، فهناك مخاوف
من تصاعد نبرة "التغيير والتحدي"
داخل هذا البرلمان الذي أجبر 3 وزراء في
العام الماضي على الاستقالة، وسعى أيضًا
هذا العام -لأول مرة- لاستجواب رئيس
الوزراء.
6- الخطوة الكويتية بتحجيم
البرلمان وحله، ووقف "سياسة التغيير
والتحدي" التي انتهجها البرلمان
المحلول، تأتي في توقيت يتناسب مع
المؤشرات الأمريكية السلبية الأخيرة
المرسلة للأنظمة العربية بشأن التغاضي عن
الإصلاحات السياسية عمومًا في العالم
العربي التي تأتي بالتيار الإسلامي
المعادي لمصالحها، كما تأتي في سياق
اطمئنان كويتي لعدم وجود ضغوط خارجية
متوقعة خصوصًا من الحليف الأمريكي، وهو ما
وضح في صورة عدم صدور أي تعليقات أمريكية
رسمية تنتقد حل البرلمان.
الآثار الخارجية لمعركة
البرلمان
رغم أن الانطباع الأول لمعركة حل
البرلمان الكويتي، وما قبلها من صراع بين
الحكومة والمعارضة البرلمانية وانسحاب
نواب ومطالبتهم باستجواب رئيس الوزراء،
يوحي بآثار إيجابية هامة للتجربة
الديمقراطية الكويتية على الإصلاحات في
الخليج عمومًا، بالنظر لأن الكويت هي أول
دولة عربية خليجية تنتهج الخيار
الديمقراطي منذ عام 1962، والوحيدة
خليجيًّا التي لها برلمان منتخب، يضم
نوابًا من توجهات مختلفة إسلامية
وليبرالية، ويتمتع بنفوذ سياسي، فقد يكون
لقرار حل البرلمان انطباعات وآثار أخرى
سلبية خليجيًّا:
فموجة الإصلاح التي شهدها الخليج
العربي عمومًا في السنوات الأخيرة،
وتمثلت في صورة حوارات حكومية مع
المعارضة، وعقد منتديات للحوار بين
المسئولين وكبار المثقفين والعلماء
والنخب (خصوصًا في السعودية)، تعرضت في
العام السابق والحالي لحالات جمود ثم
تراجع وإجهاض عديدة، وإذا كانت التجربة
الكويتية رائدة في الحراك والتغيير، فمن
الطبيعي أن تؤثر ضربات "حل البرلمان"
في الكويت في خلق حالة إحباط خليجية من
توسيع الإصلاحات في هذه البلدان.
وإذا ما أضيف لذلك الآثار
العكسية السلبية لتضاعف عوائد النفط في
دول الخليج على ملف الإصلاحات التي طرحتها
عدة دول خليجية (كانت مأزومة اقتصاديًّا
وسياسيًّا في السابق)، يتضح أكثر أن ملف
الإصلاحات في الخليج عمومًا يواجه تحديات
أكبر.
فأحد أهم أسباب سعي أنظمة عربية
لطرح فكرة الإصلاحات وعقد حوارات شعبية
عنها، كان تدهور اقتصاديات هذه الدول
وتصاعد أرقام البطالة بين الشباب بشكل
أصبح يهدد بتوترات داخلية، وهو ما تقاطع -حينئذ
- مع الضغوط الأمريكية بالتغيير والإصلاح
طوعًا أو كرهًا.
ومن الطبيعي بعد الفوائض المالية
الضخمة الأخيرة نتيجة ارتفاع أسعار النفط
أن تدخل الإصلاحات التي طرحتها هذه
الحكومات من قبل وهي كارهة، في "الثلاجة"،
وأن يتجمد الحديث عن توسيع الحياة
السياسية؛ لأن هناك مخاوف مبدئية منذ
البداية من صعود أسهم تيارات التغيير
الشعبية والتيار الإسلامي في أي انتخابات
في هذه الدول.
بل إن هذه الفوائض المالية كانت
أحد أسباب الصراع بين الحكومة الكويتية
والمعارضة التي تطالب بتوزيع هذه الفوائض
على الشعب والاستفادة منها في مشاريع
ضخمة، وهي كذلك أحد مخاوف المعارضة
الكويتية من أن تستغلها الحكومة في مساندة
نواب في الانتخابات البرلمانية يشترون
أصوات الناخبين بالأموال.
معركة حل البرلمان الكويتي قد
يكون ظاهرها بالتالي هدفًا ديمقراطيًّا
يتمثل في الاحتكام لرأي الشعب في الخلاف
بين الحكومة والبرلمان، وقد يكون ظاهرها
انعكاسًا إيجابيًّا على دول الخليج
الأخرى يتمثل في تأثرها بهذه الأجواء
الديمقراطية في المطالبة بالتغيير، ولكن
الهدف الفعلي لقرار حل البرلمان قد يستهدف
-على العكس- عرقلة موجة التغيير والإصلاح
هذه، وقد يكون له أيضًا آثار سلبية على
إصلاحات الخليج، باعتبار أنه يحدد ضمنًا
سقفًا أو خطا أحمر للتغيير لا يصل إلى
الحكومات أو الأنظمة الحاكمة.
ومع هذا فالنتيجة الحقيقة التي
ينتظر أن تترتب على أزمة حل البرلمان على
المدى البعيد هي اختيار الشعب للمزيد من
نواب التغيير والإصلاحات ما لم يتدخل عنصر
المال وشراء الأصوات في النتيجة النهائية
لانتخابات البرلمان الجديد، أو تؤثر
أصوات النساء (المستفيد الوحيد من حل
البرلمان) اللاتي سيسمح لهن بالتصويت
للمرة الأولى في تاريخ الكويت السياسي في
تغيير تركيبة البرلمان بالتصويت لأنصار
الحكومة ردًّا لجميلها بالسماح لهن
بالتصويت!.