 |
|
الملك عبد الله والرئيس بوش أثناء لقائهما في إبريل 2005 بواشنطن |
أسفرت الإصلاحات التي قامت بها
الحكومة السعودية عن إجراء أول انتخابات
في البلاد، فضلا عن خلق فرص جديدة أمام
المواطنين للانخراط في أنشطة المجتمع
المدني، ونقلت الجدل حول الحريات
السياسية من الغرف المغلقة إلى الفضاء
العام.
وبالرغم من هذه الإجراءات التي
فتحت ثقبا كبيرا في جدار الحياة السياسية
في السعودية، فإنها لم تغير طبيعة النظام
السياسي هناك. فلا تزال الأسرة الحاكمة
بالتحالف مع المؤسسة الدينية، تهيمن على
الدولة والمجتمع. وفي ظل غياب أي نوع من
التنافسية السياسية فإن العملية
الإصلاحية ستظل محدودة ومقيدة. ولا يزال
الدور المنوط به مجلس الشورى دون المأمول،
ولا يتعدى الطابع الاستشاري دون
التشريعي، ولا يقوى على ممارسة أي رقابة
للحكومة أو مساءلة الأسرة المالكة.
وفي إطار هذه القيود والمحددات
التي تركز كل السلطات في أيدي الأسرة
المالكة، والمؤسسة الدينية، فإن هناك 4
طرق رئيسية يجب على الحكومة السعودية أن
تسلكها من أجل استمرار العملية
الإصلاحية، وهي:
1- تقوية مجلس الشورى ودعم
المجالس البلدية:
من أجل تعزيز دور مجلس الشورى،
يجب أن يتم اختيار أعضائه، أو على الأقل
نسبة منهم، من خلال الانتخاب الحر المباشر.
وفي هذا الإطار اقترح بعض الإسلاميين
المعتدلين والإصلاحيين الليبراليين أن
يتم انتخاب ما يقرب من 25 إلى 50 شخصا من بين
150 عضوا في المجلس.
ومنذ عام 2002 فإن ثمة تطورا داخل
الجناح المعتدل في الأسرة المالكة بأهمية
انتخاب بعض أعضاء المجلس، خصوصا بعد أن
كشفت الانتخابات البلدية عن أنه لا يوجد
أي خطر يهدد الاستقرار أو يهدد شرعية
الأسرة المالكة.
كما يجب زيادة صلاحيات المجلس
بحيث تتعدى الإطار الاستشاري الشكلي،
وبدلا من الإفراط في توسيع هذه الصلاحيات،
على غرار ما يطالب به بعض الإصلاحيين
الليبراليين الذين دعوا إلى أن يصبح
المجلس رقيبا على أعمال الحكومة ويسائل
أعضاءها، فإنه يمكن زيادة صلاحيات المجلس
بشكل جزئي، كأن يتم مساءلة بعض الوزراء عن
جوانب الإيرادات والنفقات في وزاراتهم.
أما بالنسبة للمجالس البلدية
فإنه يمكن تطوير أدائها من خلال إجراءين
محددين، الأول هو إجراء الانتخابات في
جميع مجالس المناطق بدلا من قصرها على 50%
فقط منها، وهو أمر قد يعد مقبولا بالنسبة
للأسرة المالكة، وتنفيذه سيكون مسألة وقت
فقط.
الثاني، دمقرطة الأداء الداخلي
لهذه المجالس، بما قد يجعلها نابضة
بالحيوية السياسية، وإعطاؤها مزيدا من
الصلاحيات بحيث يمكنها المشاركة في
اقتراح التشريعات وتقديم التوصيات
للأجهزة التنفيذية.
2- توسيع المجتمع المدني:
بالرغم من الانفتاح الواضح في
أداء المجتمع المدني السعودي، فإن
التشريع الحالي الذين يقنن أداء الجمعيات
الأهلية لا يزال بحاجة إلى إعادة نظر بحيث
يتم السماح لمختلف الجمعيات والمنظمات
الأهلية بالحصول على ترخيص لمزاولة
أنشطتها. وخلال السنوات الأخيرة اضطر معظم
الإصلاحيين الليبراليين والإسلاميين
المعتدلين إلى الاعتماد على شبكات غير
رسمية لتنظيم أنشطتهم.
 |
|
المرأة السعودية شاركت مؤخرا في انتخابات النقابات المهنية |
وكما ذكر آنفا فقد سمحت الحكومة
بإنشاء بعض النقابات المهنية وسمحت
بإجراء انتخابات جزئية في البعض منها،
وانتخاب جميع مجالس إدارتها. وفي معظم
الدول العربية عادة ما يلجأ النشطاء
السياسيون إلى النقابات لممارسة نشاطهم
السياسي وطرح برامجهم الإصلاحية من
خلالها، وهو ما نجحت فيه بعض الحركات
الإسلامية.
من ناحية أخرى فقد دفعت أحداث
الحادي عشر من سبتمبر 2001 بالحكومة
السعودية إلى مراقبة المنظمات الخيرية،
كما قامت بإغلاق بعضها ومنعتها من ممارسة
أنشطتها خارج البلاد، وذلك خوفا من إقامة
علاقات مع الجماعات الإرهابية والمتطرفة.
ولكن لسوء الحظ فقد تم وضع بعض القيود على
أداء العديد من الجمعيات الأهلية التي ليس
لها علاقة بأي أنشطة سياسية أو إرهابية،
وهو ما يتطلب من الحكومة السعودية إعادة
نظر في القواعد الصارمة التي تضعها على
أنشطة الجمعيات الأهلية، ويمكنها استخدام
أساليب أكثر حنكة لمراقبة أنشطتها وضمان
عدم خروجها عن القانون.
3- تطوير الإصلاح التعليمي:
يعتبر موضوع الإصلاح التعليمي من
أكثر الموضوعات حساسية بالنسبة للإصلاح
السياسي في المملكة، فبالرغم من بدء
إجراءات الإصلاح التعليمي منذ عام 2002،
فإنها لم تأت بنتائج فعالة أو مؤثرة وذلك
نظرا لرفض المؤسسة الدينية لأغلب هذه
الإصلاحات. لذلك يطالب معظم الإصلاحيين
بضرورة إقامة حوار مع رجال المؤسسة
الدينية بهدف إقناعهم بضرورة إدخال
تعديلات على بعض المناهج الدراسية.
ويجب على وزارة التعليم أن تستمر
في طرح برامج تدريبية للمعلمين بهدف رفع
أدائهم كي يصل إلى مستوي أقرانهم في الدول
المجاورة والعوالم الأخرى.
4- المساواة بين النوعين:
يثار جدل واسع في المجتمع
السعودي حول مسألة المساواة بين الجنسين،
وذلك نظرا للحالة غير الصحية التي تعامل
بها المرأة في المجتمع السعودي. فعلى سبيل
المثال لا يجوز للمرأة السعودية قيادة
السيارة، كشأن مثيلاتها في الدول الغربية.
فضلا عن منع المرأة من حقوقها السياسية
قاطبة.
ويعاني المجتمع السعودي من
انقسام حاد حول هذه المسألة؛ ففي الوقت
الذي سُمح فيها للمرأة بالمشاركة في
انتخابات النقابات المهنية، لم يُسمح لها
على الإطلاق المشاركة في الانتخابات
البلدية. وترى المؤسسة الدينية بعدم وجوب
ممارسة المرأة لأي نشاط أو الاهتمام
بالشأن العام.
ومن غير المتوقع أن تتم المساواة
التامة بين الرجال والنساء في السعودية في
الأمد المنظور، وذلك على الرغم من
احتمالات مشاركتها مستقبلا في الانتخابات
البلدية، أو انتخابات مجلس الشورى إذا ما
أجريت.
دور الولايات المتحدة في
دعم الإصلاح
تواجَه الولايات المتحدة العديد
من العقبات في سبيل تعزيز إجراءات الإصلاح
السياسي في السعودية؛ ففي الحالة
السعودية تعاني الولايات المتحدة من غياب
ورقة المساعدات العسكرية أو الاقتصادية
التي يمكن استخدامها لفرض مزيد من إجراءات
الإصلاح السياسي. بل على العكس من ذلك
يعتمد الاقتصاد الأمريكي بشكل كبير على
إمدادات النفط السعودي، والتي زادت في
الآونة الأخيرة.
فضلا عن ذلك فلا توجد أدوات محلية
يمكن للولايات المتحدة استخدامها للضغط
على السعودية في مجال الإصلاح السياسي؛
لذلك لم تثمر موجات الضغط الأمريكي على
السعودية إلا عن قدر محدود من الانفتاح
السياسي.
وقد شاب العلاقات الأمريكية-
السعودية قدرًا من التوتر عقب وقوع الغزو
الأمريكي للعراق عام 2003، ولكن خلال
العامين الماضيين حاولت الولايات المتحدة
استعادة الشكل الطبيعي لهذه العلاقات
مجددا. وفي المقابل قامت الأسرة المالكة
ببعض الخطوات التكتيكية لامتصاص الضغوط
الأمريكية بشأن الإصلاح. يضاف إلى ذلك أن
خصوصية البيئة السعودية لعبت دورا مهما في
عقلنة السياسة الأمريكية تجاه مسألة
الإصلاح السياسي والتعليمي في السعودية.
وفي هذا الإطار يمكن القول بأن
أمام الولايات المتحدة مسلكين رئيسين
لتشجيع الإصلاح السياسي في السعودية،
الأول على المستوى الرسمي، أن تقوم
الولايات المتحدة بدعم مطالب الجماعات
المعارضة المنادية بالإصلاح، مثل تقوية
مجلس الشورى، وانتخاب أعضائه، وفتح
المجال أمام تكوين الجمعيات الأهلية.
والثاني على المستوي غير الرسمي، حيث يمكن
للولايات المتحدة أن تقوم بالاتصال
بالفاعلين السياسيين في المجتمع السعودي.
وذلك من خلال دعم الاتصالات بينهم وبين
المنظمات العالمية المهتمة بشئون الإصلاح
السياسي وتعزيز الديمقراطية حول العالم،
وأن تقوم بالضغط على الحكومة السعودية كي
تسمح للمنظمات غير الحكومية العالمية
بالاتصال بنظيرتها المحلية في السعودية.
في حين يجب على الولايات المتحدة ألا تضغط
في بعض القضايا مثل الإصلاح التعليمي
والمساواة بين النوعين، وذلك نظرًا
لحساسيتهما الشديدة في المجتمع السعودي،
وأن تبحث عن وسائل أقل خشونة للتعامل مع
هذين الملفين.
والخلاصة أنه على الرغم من تواضع
خطوات الإصلاح السياسي السابقة، مع أنها
لها طبيعة خاصة في بلد مثل السعودية،
والذي بدأت لتوه مسيرته باتجاه
الليبرالية، فمن الأفضل للولايات المتحدة
أن تضع أجندة متواضعة، مصحوبة بسياسات
واضحة، بدلا من الانغماس في أحاديث ضخمة
حول تعزيز الديمقراطية في السعودية.
اقرأ في هذا
الموضوع:
|