بريدك الالكتروني


English

 

12:00 مكة - الأحد 23 ربيع الآخر 1427 هـ - 21/5/2005 م

الخليج العربي » المنطقة العربية » تحليلات وآراء
أرسل لصديق
روابط من إسلام أون لاين
روابط خارجية
ملفات وصفحات
 أهم الأخبار

 

تحولات جوهرية في المشهد السياسي السعودي*

د. عمرو حمزاوي**
ترجمة موجزة: خليل العناني***

جانب من إحدى جلسات الحوار الوطني السعودي

على مدار الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم، شكلت السعودية نموذجًا فجًّا للأنظمة السلطوية؛ حيث تمكنت العائلة المالكة بزعامة آل سعود من استخدام ورقة النفط لإحكام سيطرتها على الأوضاع وبناء شبكة من الولاءات التقليدية في المجتمع السعودي. واعتمدت في سبيل ذلك على العديد من الأدوات، كان أهمها الأداة الأمنية والسلفية الدينية ممثلة في الأيديولوجية الوهابية؛ وهو ما ساعدها على إحكام سيطرتها على المجتمع السعودي.

وقد استبدلت بالتعددية التي وسمت المجتمع القبلي في السعودية والتي لعبت دورًا كبيرًا في النواحي الخيرية والتطوعية، دولة عدوانية ذات أيدلوجية متشددة، حيث تم إلغاء الانتخابات البلدية التي كانت تعقد بانتظام حتى عقد الستينيات، ولم يَعُد يسمح بوجود أي معارضة سياسية أو اجتماعية، كما عانت الأقلية الشيعية من التمييز المنهجي، واحتكر أمراء العائلة المالكة والمتحالفون معهم من البيروقراطيين ورجال الدين من الوهابيين، ممارسة السياسة دون غيرهم.

وعلى الرغم من عمليات التحديث والتحضر التي حدثت طيلة العقود الثلاث الماضية، ونجم عنها العديد من التحولات في الخريطة الاجتماعية السعودية، أفرزت في النهاية، طبقة وسطى فإن المطالب الإصلاحية الشعبية لا تزال ضعيفة، ويبدو أن السعوديين أكثر ميلاً للقبول بمقولة "لا ضرائب، لا تمثيل" أو No Taxation, No Representation. كما تم احتواء العديد من حركات المعارضة التي حاولت تحدي سلطة العائلة المالكة، وذلك على غرار ما حدث عام 1979 حين قامت إحدى الجماعات بالسيطرة على المسجد الحرام في مكة فيما عرف بحركة "جهيمان العتيبي"، فضلاً عن ظهور ما يعرف بحركة "الصحوة الإسلامية" إبان عقد الثمانينيات.

وقد شهد عقد التسعينيات تحولاً ملحوظًا في المشهد السياسي السعودي، نتيجة لتداعيات حرب الخليج الثانية عام 1991، وتأثيراتها على الأوضاع الداخلية في السعودية، خصوصًا الوضع الاقتصادي؛ حيث ارتفعت معدلات الفقر والبطالة، وهو ما حدا ببعض المثقفين السعوديين إلى المطالبة بإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية. لذلك فقد وقّعت ما يقرب من خمسين شخصية دينية وفكرية مذكرة للملك فهد بن عبد العزيز، عرفت باسم "مذكرة الشورى" دعت فيها لإنشاء مجلس تشريعي لمواجهة الفساد، وضمان توزيع الموارد بين المواطنين.

وبعد المضايقات الأمنية التي تعرض لها الموقعون على المذكرة، أعلن الملك فهد في عام 1992 عن إنشاء مجلس استشاري أطلق عليه "مجلس الشورى" يتم تعيين أعضائه جميعًا، وتم الإعلان أيضًا عن تعيين مجالس بلدية في مناطق المملكة المختلفة. وفي النصف الثاني من التسعينيات أُدخلت بعض الإصلاحات الإدارية، لامتصاص حال الغضب في الشارع السعودي.

ولكن بنهاية العقد، واجهت الحكومة السعودية تحدي صعود الجماعات الجهادية العنيفة التي حاولت الاستفادة من حال السخط وعدم الرضا الموجودة في الشارع السعودي، وذلك انطلاقًا من خلفيات دينية من أجل تدعيم شرعيتها بين المواطنين. وكرد فعل ذلك حاولت السلطة الدينية الرسمية "الوهابية" إحكام سيطرتها على المساجد والمحاكم والمدارس.

وبعد وقوع هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، بدا أن السعودية على وشك الدخول في مرحلة جديدة، حيث أحدثت الهجمات صدمة في المجتمع السعودي، وما آلت إليه الأيديولوجية الوهابية، وقد تمثل التأثير المباشر لهذه الأحداث في ارتفاع الضغوط على العائلة المالكة من أجل القيام بإصلاحات سياسية جدية لمواجهة الإرهاب والتطرف. كما فتحت جدلاً ساخنًا بين النخب السعودية حول ما الذي حدث؟ وكيف يجب مواجهته؟ وعلى إثره ارتفعت المطالب الداخلية بالإصلاح.

بكلمات أخرى، لعبت العوامل الداخلية والخارجية دورًا مهمًّا في الانفتاح السياسي الذي شهدته المملكة العربية السعودية خلال السنوات الأخيرة، وخلقت دوافع لدى الحكومة السعودية لمواصلة طريق الإصلاح.

خريطة الفاعلين السياسيين

كشفت الخطوات الإصلاحية التي جرت في المملكة مؤخرًا عن وجود عدد من الفاعلين السياسيين، فبالإضافة إلى العائلة المالكة المتحالفة مع المؤسسة الدينية التقليدية، فهناك مجموعة الليبراليين الإصلاحيين، والإسلاميين المعتدلين، والجماعات الدينية المحافظة التي تعارض النخبة الدينية الرسمية التي تتبنى الخطاب الوهابي. وهو ما يمكن استعراضه على النحو التالي:

- الأسرة المالكة:

تنص المادة الخامسة من النظام الأساسي للحكم في السعودية على أن "نظام الحكم في المملكة العربية السعودية ملكي، ويكون الحكم في أبناء الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود وأبناء الأبناء.. ويبايع الأصلح منهم للحكم على كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم".

ومنذ وصولها للحكم في الربع الأول من القرن العشرين، نادرًا ما تعرضت العائلة المالكة في السعودية للتحديات، حيث نجحت في إحكام سيطرتها على كافة المؤسسات سواء الحكومة أو المناطق والمحليات والتي تخضع جميعها لسلطة الأمراء السعوديين، بالتحالف مع الأجهزة البيروقراطية.

ومن المعتاد أن يحصل الأمراء المؤثرون على المناصب السيادية مثل وزارة الداخلية ومختلف فروع الاستخبارات والقوات المسلحة، كما تذهب عائدات النفط إلى ميزانية العائلة المالكة، حيث لا فرق بينها وبين ميزانية الدولة. وفي ظل الغياب الكامل لأي سلطة رقابية أو وسائل للمحاسبة، كثيرًا ما تحتفظ العائلة المالكة بمختلف موارد الدولة لتدعيم سلطتها. فمنذ الوفرة النفطية في السبعينيات، تم استثمار كثيرًا من العائدات في تنمية وتقوية البنية القبلية من أجل تدعيم الشرعية وضمان الولاء للأسرة المالكة.

ومنذ قيام الدولة السعودية الحديثة عام 1932 أقامت العائلة المالكة حكمها على أساس من الإسلام الوهابي (الذي يقوم على تفسير أصولي للإسلام وقد ظهر منتصف القرن الثامن عشر)، في حين عمل الوهابيون على تقوية الولاء للأسرة المالكة.

كما أقامت العائلة المالكة شبكة من التحالفات الإقليمية والدولية من أجل تدعيم مكانتها، وهنا تجدر الإشارة إلى تحالفها الإستراتيجي مع الولايات المتحدة منذ اكتشاف النفط عام 1938، وذلك من أجل حماية حكمها لحظات الاضطراب الإقليمي، وذلك على غرار ما حدث إبان المواجهة مع الناصرية خلال الستينيات، ومع صدام حسين بغد غزوه للكويت عام 1990.

وفيما يخص الموقف من الإصلاح السياسي، يبدو أن ثمة اتجاهين داخل الأسرة المالكة، أحدهما معتدل والآخر محافظ، يمثل الاتجاه الأول الملك عبد الله بن عبد العزيز الذي يتبنى النهج التدريجي في الإصلاح ويؤيد إحداث مزيد من المشاركة السياسية للمواطنين السعوديين، شريطة ألا يؤدي ذلك إلى تهديد هيمنة الأسرة المالكة على البلاد. ويشجع هذا الاتجاه العمل على تحديث المنهج الوهابي وتقليل التمييز تجاه جماعات المعارضة التي عانت من الإقصاء الوهابي كالشيعة والنساء وحركات المعارضة.

وقد انتقلت السلطة الفعلية على البلاد للملك عبد الله منذ مرض الملك الراحل فهد بن عبد العزيز منتصف التسعينيات، وذلك قبل أن تنتقل له بشكل رسمي بعد رحيل الملك فهد صيف 2005. وقد أخذ الملك عبد الله على عاتقه معظم الإصلاحات السياسية التي جرت في البلاد منذ عام 2002.

كذلك يمثل هذا الاتجاه الأمير سعود الفيصل الذي يحتفظ بمنصب وزير الخارجية منذ ثلاثين عامًا والذي انتقد المؤسسة الوهابية بسبب تشددها تجاه الحقوق السياسية والمدنية للمرأة، مشيرًا إلى أنه "لا يوجد في القرآن ما ينص على منع المرأة من قيادة السيارة، وأن يكون لها حق التصويت وتحديد مسارها الوظيفي".

أما الاتجاه الثاني داخل الأسرة المالكة والذي يتخذ موقفًا متحفظًا تجاه الإصلاح السياسي، فيخشى أن تؤدي تعزيز إجراءات الإصلاح إلى أن تفقد الأسرة المالكة سيطرتها على المجتمع السعودي. ويمثل هذا الاتجاه ولي العهد الأمير سلطان بن عبد العزيز، والأمير نواف بن عبد العزيز وزير الداخلية والأمير سلمان بن عبد العزيز أمير منطقة الرياض. وجميعهم يعتبرون أن الولاء الذي توفره الوهابية الرسمية يُعَدّ أداة هامة للحفاظ على حكم البلاد. كذلك يعارضون منح مزيد من الحريات للأقليات وجماعات المعارضة، متهمين إياها بإثارة القلاقل وتهديد الاستقرار المجتمعي.

وبغض النظر عن هذه الانقسامات، إلا أن ثمة اتفاقًا على ضرورة الفهم المشترك واتباع المعايير الكفيلة بالتصدي لموجات العنف والتطرف، وذلك من خلال تبني بعض إجراءات الانفتاح السياسي.

- المؤسسة الدينية:

تنص المادة 23 من النظام الأساسي للحكم في المملكة العربية السعودية على أن الدولة "تحمي عقيدة الإسلام.. وتطبق شريعته وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.. وتقوم بواجب الدعوة إلى الله". وهو ما قد يفسّر الدور القوي الذي تلعبه المؤسسة الدينية الرسمية "الوهابية" في السعودية، حيث تخضع معظم شئون المجتمع من تعليم وعدالة وسلوكيات لآليات المنهج الوهابي، ونتيجة لتحالفها القوي مع الدولة السعودية، فقد تغلغلت المؤسسة الدينية في مختلف شئون الدولة السعودية وكوّنت شبكة قوية لها داخل مختلف المؤسسات كالمدارس والجامعات والمراكز الخاصة.

وتعتبر هيئة "كبار العلماء" التي تأسست بمرسوم ملكي عام 1971 أعلى سلطة دينية في السعودية، وهي تتكون من 20 شخصية دينية يتم تعيينها بواسطة الملك ويرأسها المفتي الأكبر. ويتلخص دورها في إبداء الرأي فيما يحال إليها من ولي الأمر من أجل بحثه، وتكوين الرأي المستند إلى الأدلة الشرعية فيه، كما تقوم بالتوصية في القضايا الدينية المتعلقة بتقرير أحكام عامة، وإصدار الفتاوى.

أما المؤسسة الدينية الأخرى ذات الأهمية فتتمثل في "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" والتي تختص بالنظر في تطبيق الفضائل والامتناع عن الرذائل. وتتكون من مجموعة من الموظفين والمتطوعين، فضلاًً عن ذلك هناك وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، ووزارة الحج التي تشرف على شئون المسجد الحرام.

ومنذ عقد السبعينيات، لعبت المؤسسة الدينية دورًا مهمًّا، وذلك استنادًا للمذهب الوهابي، في دعم الشرعية السياسية للأسرة المالكة، وقد وجهت هذه المؤسسة العديد من الانتقادات للإجراءات الأخيرة للانفتاح السياسي، وهو ما جعلها تلقى قبولاً لدى الجناح المحافظ في الأسرة المالكة.

- الإصلاحيون الليبراليون:

       في ظل تقييد الحريات السياسية ومنع إنشاء الأحزاب السياسية في السعودية، ظهرت مجموعة من الإصلاحيين بين أساتذة الجامعات والمثقفين والمحامين والصحفيين والناشطين السياسيين، وقد عمل هؤلاء منذ وقوع أحداث الحادي عشر من سبتمبر على الاستفادة من الأوضاع الجديدة لحشد التأييد سواء بين المواطنين أو داخل الجناح المعتدل في الأسرة المالكة.

ومنذ عام 2002 يطرح هؤلاء الإصلاحيون أجندة تستهدف المزيد من الحريات السياسية والحقوق المدنية للرجال والنساء، كما يضغطون من أجل تعزيز المساواة بين الأغلبية السنية والأقلية الشيعة وتعزيز مشاركتهم في الأمور العامة. فضلاً عن المطالبة بتقوية مجلس الشورى كي يصبح له اختصاصات تشريعية، ويطالبون بإجراء انتخابات في مختلف المؤسسات السياسية.

       وقد أثارت هذه المطالب حفيظة الجناح المحافظ في الأسرة المالكة وكذلك المؤسسة الدينية الرسمية، وهو ما جعل غالبية هؤلاء الإصلاحيين عرضة للمضايقات الشخصية والأمنية، فقد منع أساتذة الجامعات من التدريس، وتم حظر سفر البعض منهم للخارج، فضلاً عن سجن البعض الآخر.

       وفي ديسمبر 2003 تقدم نحو 116 من الإصلاحيين الليبراليين والإسلاميين المعتدلين بوثيقة تدعو لتأسيس ملكية دستورية في السعودية، وتلخصت مطالبهم في توفير مناخ من الحريات السياسية والمدنية لكافة المواطنين، وضمان المساواة بين الرجال والنساء، والفصل بين السلطات وتفعيل مبادئ الرقابة والمحاسبة، وانتخاب مجلس نيابي، وتأسيس قضاء مستقل عن السلطة التنفيذية، وإنشاء محكمة دستورية عليا، وإنهاء كافة القيود عن منظمات المجتمع المدني، ومكافحة الفساد وضمان التوزيع الأمثل للموارد.

وفي مارس 2004 تم إلقاء القبض على 12 شخصًا من الموقعين على الوثيقة، تم الإفراج عن تسعة منهم بشرط عدم تجديد هذه المطالب والتوقف عن ممارسة أي نشاط سياسي، في حين رفض الثلاثة الآخرون هذه الشروط وهم: علي الدوميني ومتروك الفالح وعبد الله الحميد. وفي مايو 2005 صدرت عليهم أحكامًا بالسجن تتراوح ما بين ست إلى تسع سنوات، إلى أن أصدر الملك عبد الله مرسومًا بالعفو بمناسبة توليه الحكم في أغسطس الماضي 2005.

- الإسلاميون المعتدلون:

يتفق الإسلاميون المعتدلون مع الإصلاحيين الليبراليين على الحاجة للضغط من أجل الإصلاح، ولكن من منظور مختلف، فهم ينتقدون التفسير الوهابي الأصولي للإسلام، ويطالبون بضرورة تطوير أداء المؤسسة الدينية الرسمية. ويطالب كل من الشيخ عبد العزيز القاسم، وهو محام يعيش بالرياض، وحسن المالكي، وهو مدرس في جامعة الإمام محمد بن سعود، وهما من أبرز أسماء هذا التيار، بالتشجيع على ضرورة تفسير الدين الإسلامي بطريقة يمكنها استيعاب الأفكار الحديثة، مثل محاسبة الحكومة وتدعيم الحريات السياسية واحترام حقوق الإنسان. كذلك يختلف هؤلاء عن الإصلاحيين الليبراليين فيما يتعلق بالموقف من بعض قضايا الإصلاح الاجتماعي والثقافي. وقد أدت مواقفهم هذه إلى الدخول في صدام مع المؤسسة الدينية الرسمية، فعلى سبيل المثال تم إيقاف حسن المالكي عن عمله بجامعة الإمام محمد بن سعود وتم وقفه عن التدريس بها.

اقرأ في هذا الموضوع:


*الموضوع ترجمة موجزة لدراسة نشرت على موقع مؤسسة كارنيجي في مارس 2006 تحت عنوان:

 "The Saudi Labyrinth: Evaluating the Current Political Opening " .- طالع  أصل الدراسة:  

**خبير بمؤسسة كارنيجي للسلام العالمي.

***باحث سياسي بمجلة السياسة الدولية، الأهرام.

 
 

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع