 |
|
حرب أمريكية على الإرهاب والعراق هو الضحية |
مع بداية الحرب الأمريكية على
أفغانستان يوم 7 أكتوبر 2001، انطلق معها من
الناحية العملية التنفيذية ما عرف باسم
"الحرب الأمريكية على الإرهاب"،
والتي بدأت هناك، واستعرت أحداثها في
العراق، وحولت الصراع في فلسطين والحرب
الأخيرة في لبنان في أعين الإدارة
الأمريكية إلى حرب أخرى على الإرهاب.
والمؤكد أن 5 سنوات منذ بدء هذه
الحرب ليست بالفترة القصيرة، ولكن
النتائج ليست بدورها بالهينة؛ فتأثير تلك
الحرب على المنطقة وعلى حجم العمليات
الإرهابية بات لافتا، وحان الوقت لكي نبدأ
في مراجعة تداعياتها ليس فقط على الإرهاب،
إنما أيضا على مستقبل الديمقراطية
والإصلاح المتعثرين في هذه البقعة من
العالم.
فشل نظرية الإحلال
والإبدال
وإذا كنا اعتدنا أن نتحدث عن
الولايات المتحدة بعد 11 سبتمبر 2001، فإنه
من المهم أيضا أن نقترب من الشرق الأوسط
بعد هذه السنوات الخمس، لنعرف حجم التغير
الذي شهدته المنطقة وهل جلبت فعلا "الحرب
على الإرهاب" الطمأنينة والديمقراطية
إلى شعوب المنطقة والعالم؟ وإذا كانت
الإجابة بـ"لا" فهل هناك فرصة
لمراجعة المفاهيم التي قامت عليها تلك
الحرب، لربما تتفهمها إدارة أمريكية أخرى
غير الإدارة الحالية؟.
أول جوانب الخلل في الحرب
الأمريكية على الإرهاب يكمن في تلك النظرة
الأمنية للإرهاب وتلك النظرة المبسطة
للديمقراطية؛ فالإدارة الأمريكية اعتبرت
أن الجماعات الإرهابية مجموعة من الأشرار
والقتلة الذين يجب محاربتهم في جبال
أفغانستان أو في سهول العراق أو وضعهم في
سجون جوانتانامو، وأن بديل هؤلاء القلة
حكام طيبون جدد جاءوا محمولين جوا مع
القوات الأمريكية إلى أفغانستان والعراق.
وتجاهلت هذه الطريقة أن الديمقراطية هي
عملية Process بمعنى أنها تتطلب الدوام
والاستمرارية وآليات غير جامدة، وأن
المطلوب من الغرب هو مساعدة دول الشرق
الأوسط من أجل إجراء إصلاح سياسي
وديمقراطي، وأن محاربة الإرهاب ستعني
مواجهة البيئة الاستبدادية التي أفرزته،
والبيئة الدولية غير العادلة التي ساعدت
على انتشاره.
ولأن الولايات المتحدة فعلت
تقريبا عكس ذلك وخاصة في العراق حيث أضاعت
فرصة حقيقية لتقديم نموذج سياسي ديمقراطي
ملهم لدول المنطقة نتيجة أخطاء سياسية
فادحة بدأت بحل الدولة وتفكيك أجهزتها
الأمنية والعسكرية، دون أن تفهم ماذا يعني
احتلال دولة تاريخها يقدر بآلاف السنين (وليس
ما يزيد قليلا عن مائتي عام) وتضم سنة
وشيعة وأكرادا ومسيحيين، وأن حل الجيش
وهدم مؤسسات الدولة العراقية، سيحدث
فراغا هائلا في إدارة الدولة.
إن نظرية "الإحلال والتبديل"
الأمريكية غير قادرة على العمل في بلد
معقد كالعراق، فمنذ البداية بدا أن
استهداف "القديم" كالجيش ومؤسسات
الدولة (وحتى اجتثاث البعث) وكأنه يستهدف
طائفة بعينها أكثر مما يستهدف نظاما، وأدت
عملية التغيير الفوري للأسس الاجتماعية
والثقافية والسياسية التي قام عليها
النظام القديم إلى إحداث شرخ عميق في
النسيج الاجتماعي للشعب العراقي؛
فالمعركة الأمريكية في العراق لم تكن فقط
معركة عسكرية وسياسية، إنما كانت أيضا ذات
أبعاد اجتماعية ومذهبية؛ فاستئصال "القديم"
أدارته الولايات المتحدة بطريقة بدا معها
وكأنه يستهدف "السنية السياسية"
المسيطرة على حكم البلاد منذ عقود،
واستقبل المشروع الجديد باعتباره "مشروعا
شيعيا" يرتكز على الأغلبية العددية
الشيعية.
وهو الأمر الذي حدث عكسه في لبنان
بعد الحرب الأهلية حيث فرض اتفاق الطائف
بدعم عربي وأوروبي محاصصة طائفية قائمة
على المناصفة بين المسلمين والمسيحيين،
ورغم التفوق العددي للمسلمين، فإنه لم يكن
من البساطة هدم تاريخ "المارونية
السياسية" المسيطر في لبنان لصالح
الطوائف الإسلامية، إنما ما حدث هو اقتسام
في المناصب العليا وبقاء منصب رئيس
الجمهورية للطائفة المارونية، وهذا
تقريبا ما حدث عكسه في العراق على يد
الإدارة الأمريكية.
والحقيقة أن الانهيار الذي أصاب
العلاقة بين الشيعة والسنة يرجع لمجموعة
من الأسباب ليس بينها "نظرية المؤامرة"
الرائجة وسط بعض المثقفين العرب والتي
تتحدث عن مؤامرات أمريكا وإسرائيل منذ
عقود لتقسيم المنطقة، إنما هي في الحقيقة
نتيجة مجموعة من الأخطاء الجسيمة التي
وقعت فيها الإدارة الأمريكية في حربها على
ما يسمى بالإرهاب.
فشل التعامل مع ملفات
المنطقة
أما الجانب الثاني فيتعلق بطريقة
التعامل مع الملفات الساخنة في المنطقة
وعلى رأسها ملف فلسطين ولبنان حيث عجزت
الإدارة الأمريكية عن التمييز بين
الإرهاب متمثلا في تنظيم القاعدة وخلاياه
الجديدة، وبين حركات المقاومة المسلحة
كحزب الله وحماس وحركة الجهاد والجبهة
الشعبية لتحرير فلسطين وشهداء الأقصى
التابعة لحركة فتح، حتى في حال إذا ما
رفضنا بعض أساليبهم.
إن الاعتراض على الموقف الأمريكي/
الإسرائيلي من مسألة الإرهاب لا يرجع
أساسا إلى تكرار الجدل النظري حول الفارق
بين الإرهاب والمقاومة، إنما يرجع أساسا
إلى إغفال الأبعاد السياسية التي تدفع قوى
المقاومة المسلحة لممارسة العنف، أي نزع
السياسة من قضية حماس والمتمثلة في
الاحتلال الإسرائيلي وتحويلها لمسألة
أمنية تدخل في نطاق الحرب على الإرهاب.
إن ما لم تفهمه الولايات المتحدة
أن هناك ضرورة سياسية واجتماعية لوجود حزب
الله وحركة حماس، فحين نجد أن هناك
ترتيبات للمنطقة قائمة على الإذعان
والقهر فشلت في مواجهتها كل من الحكومات
العاجزة والشعوب المغلوبة على أمرها،
يصبح صوت حزب الله صوتا مطلوبا لدى
الجمهور العربي؛ لأنه قادر على أن يقول لا
وأن يرفض هذه الترتيبات في ظل فشل وتعثر
معظم تجارب النظم المسالمة والمعتدلة في
المنطقة العربية.
والسؤال الذي لم يفهمه
الأمريكيون أن "المزاج العام" السائد
عربيا لا يميل إلى رؤية حكام عرب "مطيعين"
ومنفذين للرؤى الأمريكية، كما أنهم في نفس
الوقت لا يرغبون في رؤية "بدائل بعثية"
على "الطريقة الصدامية" السابقة أو
السورية الحالية "تقاوم" بالشعارات
وبقهر الشعوب، ولكنها ترغب في ظهور
سياسيين يتفاعلون نقديا مع العالم
والإدارة الأمريكية كما حدث مثلا في
أمريكا اللاتينية حين احتجت ديمقراطيا
على الهيمنة الأمريكية وقدمت نخبة يسارية
جديدة في أكثر من بلد.
نحو مرحلة إفراز حركات
أكثر تطرفا
والسؤال المطروح عربيا هل هناك
فرصة لتيار سياسي عربي إسلامي أو يساري
ديمقراطي يعبر سلميا عن روح الرفض
الموجودة ضد السياسات الأمريكية بشكل
سلمي وديمقراطي؟ الإجابة بالتأكيد لا.
فالمشهد الحالي هو عبارة عن قوى مقاومة
واحتجاج مسلحة كحزب الله وحماس، وحكومات
عربية غير ديمقراطية ما زالت حليفة
للولايات المتحدة، قضت على كل الفرص
لإعطاء بديل سياسي وسلمي واحد قادر على
تحدي هيمنتها الطويلة على الشعوب.
ومن هنا لم يفهم الأمريكيون ولن
يفهموا في ظل إدارة بوش الدلالة القيمية
والسياسية لوجود صوت المعارضة والاحتجاج
كما تمثله كثير من جماعات الاحتجاج
الإسلامية سواء العنيفة منها كحزب الله
وحماس أو سلمية كجماعة الإخوان المسلمين.
ومن هنا فإن تدمير هذه القوى
وحصارها سيعني الانتقال من عصر المقاومة (التي
من الوارد أن نرفض بعض أساليبها)، إلى
مرحلة ظهور جماعات إرهابية من كل صوب سواء
من عناصر القاعدة أو من غيرها.
ولذا إن أفضل ما في القرار 1701 أنه
لم ينحَزْ بصورة كاملة إلى المفاهيم
الأمريكية الإسرائيلية في "الحرب على
الإرهاب"؛ لأنه في حال تم تبني هذه
الرؤية في المعركة ضد حزب الله، كان سيعني
السقوط في كارثة تحول لبنان إلى عراق
جديد، بكل تداعياته السلبية على دول
المنطقة بما فيها إسرائيل وأيضا أمريكا.
إن الشرق الأوسط بعد 5 سنوات على
الحرب الأمريكية على الإرهاب تحول إلى
منطقة أكثر خطورة من قبل، وأن عدد
العمليات الإرهابية التي شهدتها المنطقة
والعالم بعد الاحتلال الأمريكي للعراق
فاق بما لا يقارن ما شهدناه قبل قدوم
الأمريكيين إلى المنطقة عقب الغزو
العراقي للكويت عام 1990، ولم يعد هناك أي
أمل في القيام بحرب ناجحة ضد الإرهاب وليس
حربا في صالح الإرهاب، إلا بعد أن يدفع
الجميع ثمن إصلاح البيئة السياسية
والاجتماعية والدولية التي ساعدت على
تفريخ الإرهاب، بإنهاء الاحتلال
الإسرائيلي للأراضي العربية المحتلة،
وإيجاد بيئة دولية أكثر عدالة ونزاهة في
تطبيق القانون والشرعية الدولية، وأن
تقوم النظم العربية بإجراء إصلاحات
حقيقية وعميقة في بنية نظمها السياسية،
وأن نخلق بيئة محلية ودولية مواتية تدفع
الإسلاميين المعتدلين نحو تبني
الديمقراطية بشكل كامل كمفاهيم وليس فقط
كوسيلة.
إن الثمن السياسي لنجاح الحرب
الأمريكية على الإرهاب لم يرغب أحد في
دفعه سواء إسرائيل أو أمريكا أولا، أو
النظم العربية، والحركات الإسلامية
المعتدلة ثانيا. وإذا رغبت الولايات
المتحدة في دفع ثمن حرب ناجحة ضد الإرهاب
عندها نستطيع أن نقول إن "الوسط" في
المنطقة العربية قد انتقل من موقف "الشامت"
في الفشل الأمريكي في الحرب على الإرهاب
إلى طرف "مشارك" في هذه الحرب؛ لأنها
ربما ستجلب له الديمقراطية والعدالة
والتنمية.
|