بريدك الالكتروني


English

 

الثلاثاء 26 شعبان 1427هـ - 19/9/2006م

شئون عربية » المنطقة العربية » تحليلات وآراء
أرسل لصديق
روابط من إسلام أون لاين
أهم الأخبار

 

مواجهة إستراتيجية الهيمنة.. العلاج بالإصلاح

د. محمد السيد سعيد**

د. محمد السيد سعيد

وقع تصريح هذا الرجل المشهور في قلبي كان أشد من صدم سيارة مسرعة لطفل صغير عمدا‏.‏ لقد صرح في "جلسة مسامرة"‏ أنه كان يتمنى أن تنهي إسرائيل حزب الله خلال عدوانها الأخير على لبنان‏.

‏فكرت، لربما كان للرجل المشهور والوزير السابق في إحدى دول الخليج استثمارات ضخمة في لبنان فموقفه لا يختلف كثيرا عمن أخذوا في مراكمة وتعبئة الثروات في لبنان ذاتها، وخافوا من أن تتوقف هذه العملية بسبب العدوان الإسرائيلي المتكرر على لبنان بذريعة حزب الله‏.‏

ولكن مزيدا من الاستماع والتعرف على الواقع السياسي والاجتماعي في هذا البلد العربي الصغير الواقع على الخليج صحح لي هذا الانطباع؛.‏ فالأرجح أن هذا التصريح الفج والصادر علنا عن شخصية سياسية‏ "مرموقة" ويفترض أن تملك شيئا من الحكمة السياسية يعكس حالة التطير الملتهبة من صعود النفوذ الإيراني والسياسات الشيعية في بلاده ذاتها‏.‏

استمعت لعشرات آخرين من مواطني هذه الدولة العربية من الشيعة والسنة، والذين عبروا عن مشاعر مختلفة تماما لما صرح به هذا الرجل،‏ وكانوا سواء في الإعجاب والحماس للأداء البطولي لحزب الله، وهو ما أكد لي أن الرجل يعبر أيضا بل وربما يعبر أساسا عن مصالحه الطبقية، بأكثر كثيرا مما يعبر عن مشاعر طائفية‏.‏

ومع ذلك، فلم يكن من الممكن تجاهل عمق المخاوف التاريخية من إيران لدى النخب والجماعات الفكرية والسياسية في الأقطار العربية في الخليج‏.‏ وتتعاظم هذه المخاوف بسبب القلق من النتائج المدمرة للمشروع النووي الإيراني، وبغض النظر عن كونه سلميا أو عسكريا، على البيئة الطبيعية في الخليج العربي‏/ ‏الفارسي‏.‏ ويبدو أن بعض النخب الخليجية تخشى من أن يكون حزب الله امتدادا للنفوذ الإيراني‏.‏

أما الخوف الأعمق في عدد من دول الخليج فهو أن تكون بعض تيارات السياسة الشيعية امتدادا للنفوذ الإيراني، وتصل هذه المخاوف عند البعض لمستوى القلق على عروبة المجتمع والدولة‏.‏

إستراتيجية أقل تكلفة للهيمنة

ولا يمكن أن ننسب هذه المخاوف لغالبية الجماعة السنية‏، بل ولا يمكن أن ننسب هذه المخاوف لعمق التراث اللا ديمقراطي في العالم العربي بما فيه أقطار الخليج،‏ فالمرجح أن غالبية العرب شيعة وسنة على السواء تهفو لتأسيس دولة مدنية حديثة تحقق الأمل التاريخي في العدالة وحكم القانون وإقرار الحقوق الأساسية للبشر‏.‏

وما زال غالبية المثقفين من السنة والشيعة على السواء يعتقدون أن تأسيس دولة الحق والقانون التي تقر وتحمي الحق في المساواة التامة بين المواطنين هو الضمان الحقيقي دون نجاح الأمريكيين والصهاينة في تأليب الطوائف المسلمة ضد بعضها البعض، ودون تأليب المسلمين العرب ضد مواطنيهم المسيحيين والعكس؛ إذ تبذل الدعاية الصهيونية جهودا مستميتة لإلهاب العلاقات الإسلامية المسيحية عالميا وقوميا ومحليا‏، ولإلهاب العلاقات السنية الشيعية في النطاقين العربي والإسلامي؛ إذ يكفل إشعال الصراعات الطائفية أقل إستراتيجيات الهيمنة على العالم العربي تكلفة من وجهة نظر المحافظين الجدد والصهاينة في الولايات المتحدة وإسرائيل، فهم لن يحتاجوا لإرسال الجيوش ويتكفل العرب بأنفسهم بمهمة الاقتتال والإضعاف المتبادل،‏ بما يدعوهم لاستدعاء التدخل الاستعماري بأنفسهم‏.‏

ولأن تلك الإستراتيجية نجحت في العراق وإلى حد كبير أيضا في السودان ‏-حتى الآن‏-‏ يعتقد الاستعماريون أن بوسعهم النجاح أيضا في الخليج وفي بقية العالم العربي‏. ويتفاوت نصيب الشعوب العربية من المناعة أمام الحيل والدعايات الاستعمارية‏، ولكن الاستعماريين لا يكفون عن العمل باستماتة لإشعال الفتن الطائفية‏.‏

العلاج بالإصلاح

ينبهنا هذا الواقع إلى ضرورة فهم العلاقة المعقدة بين الداخل والخارج وخاصة في سياق عملية الإصلاح السياسي، فلم تكن هناك أسوار حصينة بين الداخل والخارج في أي مجتمع في أي يوم‏، ولكن التطورات المذهلة في تكنولوجيا انتقال المعلومات والأفكار والدعايات يكاد يدمر ما بقي من تلك الأسوار، وهو ما ييسر مهمة إشعال الداخل بقوة الدعايات الخارجية‏.‏ فالعلاقة بين الداخل والخارج صارت أكثر تعقيدا من أي وقت مضى خاصة في مجال انتقال الأفكار والصور‏.‏ والفعالية الحقيقية للدعاية‏ -أو حتى للعدوان الخارجي‏-‏ لا تنشأ عن فرض مدركات معينة على عقول الناس أو حتى دقها دقا في قلوبهم وأذهانهم‏.‏

حيثما لا يكون هناك أساس حقيقي وواقعي ما لتشويه صورة بعضنا عن البعض الآخر أو لتشويه عملية تصحيح العلاقات الاجتماعية عموما والدينية والطائفية خصوصا‏، فكل ما تستطيعه الدعاية الخارجية هو إحداث تغيير بسيط في التفصيلات الخاصة بعلاج مشكلات حقيقية‏.‏

لقد نجحت الإمبريالية الأمريكية والصهيونية في العراق؛ لأنه كانت هناك مشاكل حقيقية في العلاقات الطائفية والقومية‏.‏ وبوسعنا أن نؤكد أن هذه المشكلات في العراق كانت أقل بكثير مما كانت وما زالت عليه في معظم دول الجوار‏.‏ وما كان مختلفا ليس شدة هذه المشكلات وإنما قدرة الدولة على التعامل المرن والفعال مع تفاصيلها وتحولاتها‏.‏ ويؤكد العلماء الذين درسوا العراق مثلا أن الاندماج بين الشيعة والسنة كان متسارعا خلال عقد الأربعينيات وحتى مقتبل الثمانينيات‏، ويصدق ذلك أيضا حتى على العلاقة بين العرب والأكراد‏.‏ ووقعت النكسة الحقيقية مع تحول حقيقي في طبيعة الدولة العراقية ‏- بسبب الفشل في حل مشكلة الشرعية وبسبب عنف الدولة والحروب المتواصلة‏-‏ من مجرد دولة تسلطية إلى دولة عشائرية أيضا‏،‏ ومثل الأسلوب الوحشي في قمع ثورة مارس ‏1991‏ قوة دفع فريدة للطائفية‏.

وفي بلاد الخليج هناك في الواقع تطورات إيجابية للغاية فيما يتعلق بالعلاقات السنية الشيعية‏،‏ وثمة اتجاه قوي لرفع بعض جوانب الإجحاف التاريخي الواقع على الشيعة، وتمكينهم من التعبير الحر عن أنفسهم؛ وذلك بمناسبة إقرار بعض الحريات العامة للجميع‏.‏ ومع ذلك فليس من السهل علاج مشكلات طويلة الأمد في أيام أو سنوات قليلة، كما لن يكون من السهل إنهاء التطرف في التعبير عن الرأي أو في رفع المطالب خلال المرحلة الأولية من الانتقال طويل المدى إلى مجتمع مفتوح أو إلى نظام سياسي يقوم على حقوق المواطنة‏.‏ ومن كان يعتقد أن الانفتاح والإصلاح السياسي الجزئي الذي تحقق في بعض دول الخليج سيذهب بالتطرف دفعة واحدة هو من تصدمه حقيقة أن التطرف لم يختفِ بل ربما زاد لدى بعض قطاعات المواطنين بمن فيهم المواطنين الشيعة‏.

وحيال هذه الحقيقة يريد كثيرون ممن كانوا يعتمدون على امتيازات طائفية أن يوظفوا بعض مظاهر التطرف كذريعة للعودة إلى نظام الامتيازات والقهر الطائفي القديم، حتى لو تم ذلك عن طريق التحريض ضد إيران وإنعاش المخاوف من الميل الإمبراطوري لفارس التاريخية أو حتى عن طريق تمني سحق حزب الله كما صرح هذا المسئول السابق ذكره‏.‏

ويتفق هؤلاء الناس على استدعاء الاستعمار الأمريكي‏ -ولا يمانعون حتى من استدعاء الاستعمار الإسرائيلي‏-‏ لوقف عملية الانفتاح النسبي التي تتم في الخليج وفي مناطق أخرى من العالم العربي‏.‏

حقيقة الأمر أن الإصلاح العميق والجذري الذي يتم عبر عملية تفاوض اجتماعية ذكية يشكل الأمل الوحيد في إنقاذ الداخل بكل جماعاته وطوائفه من الغول الاستعماري‏، ومن تأليب الخليج ضد إيران والعكس‏.‏ وهذا الإصلاح هو الحماية الحقيقية من التوظيف الانتهازي للمشاعر الطائفية أو للخلافات المذهبية والسياسية الصرفة‏.‏ وفي الوقت نفسه، فإن الإصلاحات الجزئية التي تتم بنصف عقل ونصف قلب قد تكون بذاتها خطيرة، وإن كانت واضحة، بينما يشكل الجمود خطرا أشد لأنه أقل وضوحا وأقل شفافية‏.‏ ويعني ذلك أن العودة إلى الجمود وإفشال الإصلاح ليس حلا‏، والإصلاح الجزئي المفروض من أعلى ليس حلا حقيقيا أو كاملا بدوره،‏ والحل الحقيقي هو في استمرار الإصلاح الديمقراطي بثبات وثقة وعبر إستراتيجيات ذكية تدمج كل الجماعات الوطنية في موقع المسئولية، وعلى قدم المساواة‏.‏

ويصدق هذا الرأي في المجتمعات التي لا تعاني من الطائفية قدر معاناتها من الانسداد السياسي، وعنف الدولة، وفساد الطبقات السائدة سياسيا واقتصاديا في غالبية الأقطار العربية‏.

نصف الحلول قد لا تنفع كثيرا‏، والتدرج قد يكون رسالة ضعف وليس رسالة ثقة بالشعب وبكل أبنائه‏.‏ الحل الحقيقي هو في إصلاح منسجم وصادق يؤسس المساواة في المواطنة، وفي التمتع بالحرية العاقلة والذكية‏.

اقرأ في هذا الموضوع:


* مقال نشر بجريدة الأهرام، 18 سبتمبر 2006 تحت عنوان "بين الداخل والخارج".

** نائب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية.. 

 
 

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع