بريدك الالكتروني


English

 

14:00 مكة - الأربعاء 24 شوال 1427 هـ - 15/11/2006 م

موريتانيا » المنطقة العربية » تحليلات وآراء
أرسل لصديق
روابط من إسلام أون لاين
  أهم الأخبار

 

موريتانيا.. آمال التغيير وإكراهات الواقع

د. محمدن ولد أجدود **

ائتلاف القوى للتغيير معبرا عن رفضه تدخل الحكم العسكري في مسار الانتخابات

لا أحد يمكنه التكهن بما ستسفر عنه نتيجة الاقتراع الجاري التحضير له في موريتانيا الذي لم يعد يفصلنا عنه سوى أيام قليلة، وذلك نتيجة عوامل يتعلق بعضها بتعقيدات الواقع الاجتماعي، وتداعيات الوضع السياسي في البلاد الذي ظل –حسب قول العديد من المراقبين- رهن إرادة من يتولون إدارة زمام الأمور في البلاد، ولم يخرج يوما عن المقاسات التي حددوها لأبعاد التغيير السياسي المنشود.

فمن أحلام التحول الديمقراطي في بداية التسعينيات إلى الوقوع في شرك الأحادية السياسية والعودة إلى نظام حزب السلطة (الحزب الجمهوري الديمقراطي) الذي لم يسعف المواطنين في الفكاك من قبضته؛ إذ لا ضمانات شفافية ونزاهة في عمليات الاقتراع.

وكانت رئاسيات 2003 -التي وصفتها بعض الكتابات بأنها "ماكينة تزوير هائلة"- آخر انتخابات اختبر فيها المواطنون مدى مصداقية الوعود الرسمية، وتأكد لدى كثيرين منهم صعوبة تحرر المشهد السياسي الموريتاني من قبضة النظام الحاكم أو انعتاقه من تأثيرات الانتماء القبلي أو الجهوي أو الفئوي.

واليوم -ومع المتغيرات الجديدة على المشهد السياسي بعد تغيير الثالث من أغسطس 2005 الذي أطاح بالرئيس السابق "ولد الطايع"- فهل ما زالت نظرة المواطنين إلى التغيير السياسي محكومة بتلك الأبعاد؟ وما الآمال المعقودة على الحراك السياسي الذي تشهده البلاد الآن في أول انتخابات بلدية ونيابية بعد الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس السابق؟... أسئلة حاولنا الإجابة عليها باستطلاع آراء الشارع تارة، واستقراء الواقع السياسي تارة أخرى.

قراءات متباينة

ظلت إشكالية حضور الانتماء القبلي أو الجهوي وتوجيهه لعملية اتخاذ القرار لدى المواطن الموريتاني متغيرا ثابتا في تحليلات المراقبين للمشهد السياسي الموريتاني بعد انطلاق حملة الانتخابات البلدية والنيابية التي تدور رحاها الآن في عموم التراب الوطني حيث تتنافس حوالي 1700 لائحة انتخابية.

وفيما اعتبر مراقبون الحملةَ الانتخابية سوقا للنفوذ القبلي والجهوي نتيجة طغيان اللوائح المستقلة التي لا يجمع بينها سوى رغبة في الوصول إلى سدة الحكم، ولا تصدر في معظمها عن برامج انتخابية واضحة، فإن البعض يرى أن الحملة الانتخابية كشفت عن تنافس لا هوادة فيه بين ثلاث قوى رئيسية هي: (ائتلاف قوى التغيير الذي يضم 11 حزبا من أحزاب ما كان يعرف بالمعارضة، وأحزاب الأغلبية الرئاسية ما قبل التغيير بما فيها حزب السلطة وبعض الأحزاب التي كانت تدور في فلكه، بالإضافة إلى منسقيات المستقلين التي تداعت إليها زعامات تقليدية ورجال أعمال معروفون ووزراء سابقون في الدولة خاصة بعد ما قيل عن احتمالات دعمها من قبل المجلس العسكري الحاكم).

وبالنظر إلى الوزن السياسي لكل من هذه التشكيلات الثلاثة، وتوزع مقومات القوة فيما بينها، فإن أيا منها -وحسب هذا الرأي- لا يمكن أن يحسم النزال السياسي لصالحه ومن أول جولة، فأحزاب المعارضة السابقة -وإن امتلك بعضها خطا أيديولوجيا واضحا، وقدم برامج أقرب إلى واقع المواطن وهمومه المعيشية- إلا أنها تعدم الوسائل المادية (لم يتعد دعم الدولة للأحزاب المترشحة مليوني أوقية)، وتعاني من سرعة نزوعها إلى الانقسام والتشرذم ما لم يوحدها استهداف موجه من السلطة أو القوى السياسية الأخرى، وذلك رغم أن الائتلاف يضم أطيافا سياسية لا يمكن التقليل من وزنها كالتيار الإسلامي الذي أثبت خلال السنوات الماضية قدرته على الصمود والمناورة وعلى التعبئة العالية لأنصاره، ولا يجاريه في ذلك سوى حزب التحالف الشعبي التقدمي ذي الطرح الفئوي.

أما حزب الرئيس السابق وما يطلق عليه أحزاب الأغلبية فإن تجربتها في التعاطي مع الساحة لأكثر من 15 عاما من الحكم، وشبكة علاقاتها الواسعة مع زعامات القبائل ومنفذي الإدارة ورأسمالي النظام السابق، يجعل منها قوة لا يستهان بها خاصة في مدن الداخل، وإن قلل البعض من حظوظها في أعين معظم المواطنين الذين يحملونها تبعات النظام البائد.

وتبقى منسقيات المستقلين التي لم تمكنها أجندة الاستحقاقات من لملمة أوراقها حيث انتدبت على عجل مكتبا للتنسيق على رأسه وزير الداخلية السابق لمرابط ولد سيد محمود، تبقى الميزة الأبرز لاستحقاقات نوفمبر 2006 حيث لم تشهد أي انتخابات موريتانية سابقة مثل هذا الحضور للوائح المستقلة التي يغذيها الانتماء القبلي في أجزاء واسعة من البلاد.

العقيد أعلى ولد محمد فال رئيس المجلس العسكري الحاكم الآن في موريتانيا 

وبغض النظر عن مدى صدق ما قيل عن دعمها من طرف المجلس العسكري من عدمه، فإنها استفادت من توجه السلطات الانتقالية وسعيها إلى إيجاد مكون سياسي ثالث غير أحزاب المعارضة التقليدية أو الأغلبية، وهو التوجه الذي وصفه رئيس المجلس العسكري "ولد محمد فال" في مقابلاته الأخيرة بأنه رأي شخصي وقناعة غير ملزمة لأحد.

ومهما يكن فإن الحضور النسبي لهذه القوى في المسرح السياسي جعل بعض المراقبين لا يستبعد إمكانية اللجوء إلى التحالفات لعدم إمكانية أي طرف حسم النتيجة له ومن أول جولة، خاصة في ظل التقارب الذي تعرفه العلاقة ما بين المستقلين وما كان يعرف بأحزاب الأغلبية. في نفس الوقت الذي أثبتت فيه لوائح الترشيحات وجود تقارب بين التيار الإسلامي وأحزاب ما كان يعرف بالمعارضة.

وبشأن الرئاسيات فإن الحملة الانتخابية وإن أخذت منحى الدعاية الصريحة لمرشحين حزبيين لمنصب الرئيس كما هو الحال بالنسبة لمرشحي حزبي التحالف والتكتل، إلا أن نتائج الانتخابات البلدية والنيابية ستظل محكا أساسيا في تحديد من سيتولى تسيير شئون البلاد بعد 9 مارس 2007.

بين التوفيق والتلفيق

قليلون هم المهتمون بخطابات الحملة الانتخابية وشعاراتها في بلد لا يجد فيه السياسيون غضاضة من تسويق الوهم وحشد الإنجازات وإلقاء الكلام على عواهنه، فالجماهير اعتادت أن للحملة خطاباتها وللمنصب السياسي حساباته.

ومع ذلك فإن المتتبع لخطاب الحملة سواء من خلال الحصص المجانية للوائح المتنافسة أو من خلال التجمعات والفاعليات التي ينظمها ممثلو هذه اللوائح لا بد أن يلمس تباينا في الطرح السياسي لا يبدو في أغلب الأحيان محكوما بثنائية (لوائح الأحزاب ولوائح المستقلين)، ولا بثلاثية (الائتلاف- أحزاب الأغلبية- المستقلون) ذلك أنه في حين تسعى الأحزاب والتشكيلات السياسية ذات المرجعية الأيديولوجية والفكرية إلى التوفيق بين خطاب الحملة وما قد يركن إليه من انتهازية سياسية وبرامجها الانتخابية التي تعتمد على نقد الأوضاع الاجتماعية والسياسية وتتمحور حول أهمية التغيير، فإن لوائح أخرى حزبية ومستقلة يحكم خطابها الانتخابي التلفيق والارتهان لمتغيرات اللعبة السياسية، كتوظيف التوازنات القبلية والجهوية والصراعات الداخلية، كأن يرفع حزب السلطة إبان عهد ولد الطايع شعار القيم الإسلامية (الاعتدال والوسطية)، أو أن يلجأ أحد الأحزاب المعروفة بطرحها الفئوي إلى التركيز على مشاكل المساجد وخدمات البنى التحتية.

ويصنف أحد الإعلاميين تموضعات الخطاب السياسي خلال الحملة الانتخابية إلى خطاب مهتم بالحملة الرئاسية المقبلة، ويسعى إلى حشد الدعم لمرشحيه نظرا لمحورية دور الرئيس في التعديلات الدستورية الأخيرة، ويمثل هذا الخطاب كل من حزبي التكتل والتحالف الشعبي التقدمي، وخطاب أيديولوجي تمثله اللوائح المترشحة باسم الإسلاميين وحزب الصواب، بالإضافة إلى خطاب توافقي لا يصطدم بالمؤسسة العسكرية، ويمثله حزب الاتحاد من أجل الديمقراطية والتقدم والتجمع من أجل الديمقراطية والوحدة.

ومن الواضح في التصنيف الأخير حضور الموقف من سلطات المرحلة الانتقالية في تحليل الخطاب الانتخابي خلال الحملة.

ويبقى أن سمة التلفيق ليست حكرا على الخطاب الانتخابي في الحملة الجارية، وإنما أيضا -وحسب رأي باحثين في العلوم السياسية- كانت السمة الأبرز لبرامج أغلب الأحزاب السياسية منذ أول انتخابات ديمقراطية بعدما سمي بالتحول الديمقراطي مطلع التسعينيات من القرن الماضي.

احتمالات مفتوحة

لا أحد يستطيع الجزم بمآلات الحراك السياسي الذي تشهده موريتانيا هذه الأيام، وإن كاد الجميع يتفق على أن مستقبل النزال الانتخابي وثمرته رهن بإرادة سلطات المرحلة الانتقالية ووفائها بالتزامات الحياد التي قطعتها على نفسها.

المرشحون المستقلون سيكون لهم دور كبير في تحديد نتيجة الانتخابات البلدية والبرلمانية في موريتانيا

وفيما اعتبر بعض مناضلي ائتلاف قوى التغيير أن المجلس العسكري لم يبرئ نفسه تماما من تهمة دعم المستقلين، وأن هناك إشارات توحي بأجواء التقارب بين الطرفين، فإن بعض المراقبين يرى أن المجلس العسكري قد تراجع عن فكرة دعم المستقلين خاصة بعدما ظهر أن أغلب هؤلاء قد لا يكون البديل المناسب للتغيير نظرا لارتباطه بحقبة الفساد السابقة، وبالتالي تراجع أرصدته لدى الرأي العام المحلي والدولي، ولا يستبعد أصحاب هذا الرأي تجاوز ثنائية (الأحزاب والمستقلين) من خلال التشاور حول إنشاء حكومة وطنية فيما بعد الانتخابات النيابية والبلدية، وأن تصدر الأحزاب والسلطات العسكرية عن مرشح موحد للرئاسيات يدير فترة السنوات الخمس الأولى من المرحلة الديمقراطية.

وحسب هذا الرأي فإن الانتخابات البلدية والنيابية ستكون الاختبار الحقيقي لعلاقة المجلس العسكري بالأحزاب والفاعلين السياسيين، بقدر ما ستكون حاسمة أيضا في تحديد بوصلة ما تبقى من المرحلة الانتقالية.

ومهما يكن فإن ضبابية المشهد السياسي، وانشغالات المواطن بهموم كدحه اليومي، وعدم تعليقه كبير أمل -فيما يبدو- على الحراك الانتخابي الدائر الآن، تعطي مصداقية أكبر للرأي القائل: إن انقضاء المرحلة الانتقالية قد لا يكون مؤذنا بانبلاج فجر الديمقراطية في موريتانيا، وإنما الفترة الرئاسية الأولى هي المحك الحقيقي لنجاح التجربة ومعالجة أخطاء الماضي.


**كاتب ومحلل سياسي موريتاني.
 
 

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع