|

|
| المعارضة اللبنانية تصر على إكمال الاعتصام حتى إسقاط الحكومة |
لبنان اليوم في حالة صراع سياسي
بين مشروعين، ولأصحاب كل مشروع تأثير
بالغ على السياسة اللبنانية، والمشروعان
ناتجان من منطق رؤية كليهما وعلاقاته
بالخارج الدولي والإقليمي والعربي. كما
أن أصحاب المشروعين يستخدمان تعبئة
سياسية أدت إلى انقسام البلاد على حد
السكين، فلكل فريق عصب شعبي وطائفي ومكان
جغرافي فسيح.
والمأزق الحقيقي الذي يعيشه
لبنان هو في التوازن الصعب للقوى المحلية
في امتداد توازن إقليمي ودولي لم يحسم
بعد، وهو ما يعقد الأمور أكثر مما تحتمله
من تعقيد، ويضيف إليها متغيرات غير
سياسية، بحيث يدخل خط التوزيع الطائفي
على خيارات السياسة.
تنافس على دور لبنان
المشروع الأول والذي تتبناه
الأكثرية الحالية ينطلق من نظرة تعيد
تجديد دور لبنان القديم، بصفته محطة
اقتصادية بين الشرق والغرب، وهذه الكتلة
ترى أن مشروعها يحتاج للاستقرار،
وبالتالي إلى شكل من أشكال السلام مع
إسرائيل، وتجد في دول عربية حليفة وفي
قوى أخرى غربية داعما لمشروعها هذا.
أما الخط الثاني في لبنان فيرى
أنه لا يمكن عزل لبنان في المنطقة، وأن
للبنان قضية وطنية لم تنته بعد، فهناك
أراض محتلة وأسرى لدى إسرائيل، وأن ثمة
أطماعا إسرائيلية في المياه اللبنانية،
ومنافسة لبنان اقتصاديا.
على أنه من المفارقات أن التيار
العروبي التاريخي في لبنان، والذي كانت
تمثله الطائفة السنية قد تم الاستيلاء
على قياداته اليوم مع اغتيال رفيق
الحريري وصدور القرار 1559، وهو ما حول
جزءا كبيرا من الطائفة السنية إلى قوى
معادية لسوريا، وأخذ هذا الفريق يندفع
عاطفيا لأن يكون في المعسكر الغربي، في
حين أن الطائفة الشيعية التي تحملت عبء
الدفاع عن الجنوب وعن نفسها من الاحتلال
الإسرائيلي وتمتطي سلاحها لهذا الهدف،
تريد أن يكون لبنان جزءا من ممانعة
المشروع الغربي بالمنطقة وخطا من خطوط
دفاعها.
وهذا الوضع قد أحدث صراعا بين
الطائفتين ليس لتحقيق غلبة طائفة على
أخرى بقدر ما هو صراع لتنفيذ رؤى تتعلق
بطبيعة ما يراه كل فريق لدور لبنان في
المنطقة.
وما حدث جراء ذلك أن البلد يشهد -منذ
فترة- صراعا على السلطة بين الطوائف، وكل
طائفة تحاول أن تعزز نفوذها في البلد..
فريق السلطة يتصرف تحت شعار "معركة
السيادة"، لكنه يتعامل بأسلوب يستعدي
الطوائف الأخرى التي ترى أنه: لمقاومة
المشروع الأمريكي لابد من استمرار
العلاقات مع سوريا وإيران تحت شعار "معركة
الممانعة". وبالتالي كبرت المشكلة
وتضخمت لحد الدخول لأزمة، وتناقض تام بين
وجهتي النظر.
دخول الطائفية على الخط
فالفريق الحاكم الآن يحاول أن
يبقى وحيدا في السلطة، وهو بالقطع فريق
لا يمثل طائفة بعينها، وإن قاده السنة في
لبنان، ويستبعد المعارضة الوطنية التي
تتمثل من حزب الله وحركة أمل والتيار
الوطني الحر واللقاء الوطني النيابي،
وهو سني الطابع، ويتشكل من شخصيات نيابية
سابقة أو شغلت مناصب بالدولة، وبعض
الأحزاب الوطنية، والقومية، والناصرية،
والقومي السوري الاجتماعي، ومن ثم
فالمعارضة تشمل اليوم فئات واسعة، ولم
تعد مجرد طائفة شيعية فقط حتى وإن بدا حزب
الله الأوضح في الصورة.
ولأسباب سياسية، وبالنظر إلى
تعمق الطائفية وجاهزيتها في لبنان، ربما
لم يجد كل فريق سوى اللجوء إلى خياره
الطائفي لدعم مركزه السياسي، وخاصة من
فريق السلطة الذي رأى أنه لا يستطيع
الوقوف أمام المعارضة إلا عبر التحريض
المذهبي والتخويف من الطائفة الشيعية.
وهنا على وجه الخصوص تتداخل
عوامل الأزمة السياسية والرؤية
الإقليمية لكل فريق لتقود لسياسات
مذهبية تعتمد على التدخل الغربي الذي
يدعم حكومة السنيورة لأسباب سياسية
معروفة أبرزها الانسجام والإبقاء على
الفريق الذي يرغب للبنان عزلة عن قضايا
المنطقة، وكذا يدخل على الخط ما تتحدث
عنه بعض البلدان العربية من الخطر
الإيراني بما له من أولوية ربما عن الخطر
الإسرائيلي، وينتشر الحديث عن تقوية
الشيعة على حساب السنة في بعض البلدان
مثل الحالة العراقية.
إنها لوحة من التعقيدات تدخل
على لبنان داخليا بل وتفرض عليه حتى
وجدنا أنفسنا أمام تنازع -بين جميع
الطوائف- أسبابه ليست دينية أو طائفية
بالأساس، لكن هذا التنازع يجعل كل
الطوائف مستنفرة في وجه الآخرين طبقا
لعوامل سياسية. وما الانقسام بين
المسيحيين في لبنان إلا نتاج تداخل هذه
المصالح الجزئية، فالمسيحيون ينقسمون
بين تيارين، الأول والأقوى هو صاحب مشروع
الدولة الواحدة "التيار الوطني الحر"
مقابل تيار مسيحي آخر عرف تاريخيا بأنه
يسعى لصيغ دولة "مفدرلة" تخرج
المسيحيين عن بقية الطوائف، وهذا التيار
يسعى لإقامة تحالفات على المستوى الوطني
ويقترب أكثر ممن يخدم هدفه الانعزالي أو
المفضل للتوجه غربيا لا لبنانيا.
أما الدروز، فمشكلة وليد جنبلاط
رئيس اللقاء الديمقراطي لا تكمن في
الطائفية بل في مشكلته مع سوريا، ولذا
فهو يلجأ إلى التعاون مع قوى المشروع
الأمريكي في المنطقة، وينخرط في هذه
اللعبة خوفا من عودة النفوذ الإقليمي
السوري في لبنان.
وهكذا ولأهداف سياسية تستنفر كل
طائفة ضد طائفة أخرى، ومع تأزم الأمور
فإن المجموعات الطائفية المتشكلة باتت
تخاف على حقها في السلطة بما يخدم
مشروعها الخاص. والخشية أن يتحول الصراع
السياسي الذي نزل إلى الشارع إلى أعمال
عنف وعنف مضاد نتيجة انسداد الأفق
السياسي لأن الفرقاء يريدون دورا في
السلطة يخدم مشروعاتهم.
هل تكسب طائفة معينة؟
|

|
| مصير لبنان يبقى معلقا بين أسلاك شائكة تفصل الأكثرية عن
المعارض |
ووسط هذا الزخم التصاعدي من كل
من الفريقين، تبدي المعارضة قدرتها على
إسقاط الحكومة وإنجاز ما تراه تحولا
سياسيا مطلوبا، وتبدي السلطة أيضا
تفاؤلا بقدرتها على الاستمرار في
موقعها، وكل يقول بأنه يحقق ما يريد
بالوسائل الديمقراطية والسلمية وعبر
الاستقواء بالقانون، لكنهما يتناسيان أو
يتغافلان في تلك اللحظة أن البلاد لا
تحكم من دون شراكة بين المجموعات
الطائفية، كما لا يمكن أن تدار في ظل
التعطيل المتبادل الناتج عن طبيعة
الانقسام الوطني، وليس فقط من خلال
علاقات المؤسسات وآليات عملها لأن "الميثاقية"
في النظام اللبناني هي انعكاس لخيارات
سياسية كبرى تلتقي مع التوزيع الطائفي
وليس العكس.
وتبرز وسط هذه الخارطة بعض
الخصوصيات الدينية والطائفية، ويتضح
الأمر وكأنه صراع مذهبي أو ديني، أو أنه
سعي طائفة لاكتساب ميزات على حساب
الطوائف، ويبرز العامل الديني، كأن يكون
أحد المرجعيات الدينية المسيحية أو
الإسلامية أكثر ميلا لفريق السلطة نتيجة
حساسيات سابقة من النفوذ السوري في
لبنان، أو العكس لدى مرجعيات أخرى.
وإجمالا لا تتمتع المرجعيات الدينية،
الشيعية والسنية تحديدا، باستقلالية عن
الكتل السياسية، ويقترب منهما في ذلك
المرجعيات الدرزية، أما المرجعيات
المسيحية فهي الأكثر استقلالية عن الكتل
السياسية.
ولهذا يلاحظ على سبيل المثال
أنه في الوقت الذي يطالب ويحذر فيه أقطاب
المرجعيتين السنية والشيعية من اندلاع
فتنة طائفية بالبلد، فإنهم يأخذون نفس
الخط السياسي لكتلتهم السياسية، فرئيس
المجلس الشيعي الأعلى عبد الأمير قبلان
يطالب الحكومة بحل يرضي المعارضة ويحقق
العدالة وينفذ اتفاق الطائف، ومفتي جبل
لبنان -عن الدروز- يوجه نقدا لاذعا لحزب
الله، ويقف أقطاب المرجعيات السنية خلف
الموقف السياسي لكتلة الأكثرية، وعلى
رأسها تيار المستقبل.
إن خطوط التماس بين موقف
المرجعيات الدينية ـ الإسلامية ـ وبين
قيادات الكتل السياسية يعد إذن السمة
البارزة على مثل هذا الصراع السياسي
الماثل، وهو ما قد يعطي انطباعا أكثر
بدخول المذهبية والطائفية في أتونِ
واحدٍ من أعنف الخلافات السياسية التي
يشهدها لبنان في تاريخه.
بيد أنه مهما يكن من أمر، فإن
التاريخ اللبناني، والوضع السياسي، يدرأ
القول بأنه لا يمكن لطائفة أن تطمح في
التغيير على حساب طائفة أخرى، فكل طائفة
قد أعطيت حصصها ومواقعها في السلطة،
والمسألة ليست أكثر من مسألة نفوذ سياسي،
قد تشكل إحدى الطوائف "الشيعية"
محورا لاجتذاب أطراف أخرى من طوائف أخرى
إليه، لكنه غير وارد أن يكون هناك -كما
يدعي البعض- مطامع في احتلال مساحة طائفة
أخرى أو أطماع في انقلاب على اتفاق
الطائف، أو في تغيير دستوري، لأن
المعارضة "ملونة" الأطياف تطالب
بالمشاركة وإقرار قانون انتخابي وطني لا
يشوه الإرادة الوطنية وفقا لصيغة اتفاق
الطائف ذاتها، بما يستبعد التهميش لبعض
القوى أو فرض التبعية على قوى أخرى.
إذن لا خوف ولا خطر من أن تخرج
طائفة في لبنان طائفة أخرى أو تلغيها أو
تقلب المعادلة القائمة، لأن لبنان عدة
كتل طائفية، وتاريخه يؤكد أنه إذا ما
شعرت طائفة ما بالتهميش أو سعي طائفة
لإلغاء طائفة أخرى، فإن هذه الطائفة
الأخيرة تتحالف مع الطوائف الأخرى ضد
الطائفة التي تسعى لتغيير الأوضاع، ولذا
بقي لبنان دائما خارج هيمنة الطائفة
الواحدة، وسيبقى لبنان بلد الاجتماع على
الخلاف.
إن مطلب المشاركة في إدارة شئون
البلاد هو محور القضية، الأمر الذي لا
مفر من الإقرار به طريقا لصون وحدة
البلاد واستقلالها، ولن تبدل أشكال
المواجهة المختلفة الحقيقة الثابتة إلا
بعودة الجميع إلى منطق التفاوض وصولا إلى
التسوية.
|