بريدك الالكتروني


English

 

الأحد 06 ذي القعدة 1427هـ - 26/11/2006م

لبنان » المنطقة العربية » تحليلات وآراء
أرسل لصديق
روابط من إسلام أون لاين
أهم الأخبار

 

اغتيال الجميل.. فرصة لبنان الأخيرة!

فتحي محمود** 

اغتيال الجميل يضع كل فرقاء لبنان أمام الاختبار الوطني الحقيقي

يبدو واضحا أن مرتكبي جريمة اغتيال وزير الصناعة اللبناني بيير الجميل، نجل الرئيس الأسبق أمين الجميل، وأحد أركان الأغلبية النيابية المعروفة باسم قوى الرابع عشر من آذار، قد اعتمدوا توقيتا سياسيا شديد الحساسية، ونفذوها في لحظة سياسية دقيقة، إلى درجة يمكن أن يكون معها الاتهام مفتوحا على كل الاحتمالات.

وفي كل جرائم الاغتيال التي حفظها اللبنانيون جيدا -منذ اغتيال الزعيم الدرزي كمال جنبلاط قبل 29 عاما، والتي بلغت ذروتها بالجريمة "الزلزال" التي أودت بحياة رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري والنائب باسل فليحان ورفاقهما، وقبلها محاولة اغتيال الوزير مروان حمادة، ومرورا بجورج حاوي وسمير قصير، ووصولا إلى جبران تويني، ومحاولة اغتيال الوزير إلياس المر والإعلامية مي شدياق- بات معروفا أن ثمة جهات تلتقط لحظة سياسية معينة لارتكاب جريمة سياسية يكون فيها توجيه أصابع الاتهام إلى جهة بعينها أمرا منطقيا.

فهل يمكن فصل جريمة اغتيال بيير الجميل عن الجو السياسي المتأزم في لبنان؟ وهل يمكن فصل توقيت الجريمة عن المحكمة الدولية الخاصة بمحاكمة قتلة الحريري التي أقرها مجلس الأمن الدولي تمهيدا لإبرامها لبنانيا في مجلس الوزراء ومجلس النواب؟ وأي حكومة ستقر المشروع؟ وكيف يمكن أن يصل إلى مجلس النواب إذا لم يتم إحالته رسميا عليه من مجلس الوزراء؟ وهل يمكن فصل الجريمة عن أجواء احتقان وتصعيد سبقتها؟ وهل يمكن فصل الجريمة الجديدة في توقيتها عن حلول ذكرى الاستقلال وقد نفذت قبل ساعات من الاحتفال بها؟.

الحكومة غير مستفيدة

يبدو أن الحديث عن الجهات المستفيدة سيكون "مطاطا"، ويمكن أن يسلك أكثر من اتجاه، وبما أن المستهدف هو وزير في الحكومة، فإن كثيرين سارعوا إلى ربط جريمة الاغتيال بما يسمى "الثلث المعطل" في الحكومة؛ فهناك 6 وزراء مستقيلون، وسابع استقالته معلقة (حسن السبع)، وثامن اغتيل هو بيير الجميل، وهكذا أصبح "الثلث" خارج الحكومة، ويبقى خروج أو اختفاء وزير واحد فقط لكي يصبح أي اجتماع محتمل لمجلس الوزراء غير مكتمل النصاب.

فإذا كان الهدف، كما يعتقد هؤلاء، تعطيل الحكومة ومنعها من الاجتماع، فسيكون السؤال بديهيا عن "الهدف" المقبل من الوزراء، علما أن رئيس الهيئة التنفيذية لتيار القوات اللبنانية سمير جعجع سبق أن حذر من اغتيالات تستهدف وزراء، وكرر الزعيم الدرزي وليد جنبلاط نفس التحذير، موضحا أن الهدف هو تقويض الأغلبية في الحكومة والبرلمان.

وكانت قد سبقت جريمة الاغتيال حركة اتصالات واسعة شملت قيادات روحية وسياسية، وتمحورت حول أبعاد ثلاثة:

البعد الأول: نزع فتيل التوقيت في النزول إلى الشارع الذي دعت إليه المعارضة وخاصة حزب الله، وحمل قيادات المعارضة على إعطاء المزيد من الوقت للوساطات الناشطة محليّا، وإقليميّا، ودوليّا، لترتيب المخرج الذي يحظى بمباركة الجميع.

البعد الثاني: محاولة تعويم الاقتراح الذي كان قد تقدم به رئيس الوزراء فؤاد السنيورة، ويتضمن قيام حكومة وحدة وطنية تعطي للأكثرية أقل من الثلثين، والمعارضة أقل من الثلث، على أن يكون الصوت المرجح ملك وزيرين حياديين لا يحق لهما الاستقالة، مقابل أن تعطي المعارضة موافقة مبدئية للسير باتجاه انتخابات رئاسية مبكرة، مع الحرص على استمرار التشاور في هذا الشأن مع البطريرك الماروني نصر الله صفير، وذلك لوضع البلاد فعليا على طريق الخروج من المأزق باتجاه الإنقاذ، وخاصة بعد أن وافق مجلس الأمن مبدئيا على موضوع المحكمة الدولية الذي كان مثار خلاف محلي.

أما البعد الثالث فكان يرمي إلى إعادة الاتصال بين رئاسة الحكومة والقصر الجمهوري، وخاصة عشية عيد الاستقلال الذي أشيع أن السنيورة سيقاطع الاحتفال به والذي يقام في القصر الرئاسي.

لبنان ساحة مفتوحة

ولكن جاءت جريمة الاغتيال في لحظة قاتلة لتربك حسابات كل الأطراف، ورغم سيل الاتهامات التي وجهتها رموز الأغلبية -ومنهم الرئيس الأسبق أمين الجميل والد الوزير الراحل- إلى سوريا بالضلوع في الجريمة، ورغم وجود قرائن عديدة على تورط دمشق في بعض عمليات الاغتيال التي جرت في لبنان، فإن التحليل الموضوعي لظروف الجريمة الأخيرة يوضح أن سوريا وحلفاءها سيضارون من هذه الجريمة أكثر مما سيستفيدون؛ فعملية الاغتيال أربكت المعارضة الموالية لسوريا في لبنان، والتي كانت تستعد للنزول إلى الشارع في إطار سعيها للإطاحة بحكومة السنيورة، واكتسبت زخما كبيرا في الشارع بعد تصدي حزب الله للعدوان الإسرائيلي، ونجاح الحزب في إبرام تحالفات سياسية جديدة تعزز موقعه الداخلي، أبرزها مع العماد ميشيل عون زعيم التيار الوطني الحر، بالإضافة إلى سعي سوريا مؤخرا إلى تحسين علاقتها مع الإدارة الأمريكية عبر الاعتراف بالحكومة العراقية الحالية، وتبادل التمثيل الدبلوماسي معها خلال زيارة وزير الخارجية السورية وليد المعلم إلى بغداد مؤخرا للمرة الأولى منذ سقوط نظام صدام حسين، وكلها اعتبارات تجعل من الصعب على القيادة السورية القيام بأي عمل سلبي يعيق كل تحركاتها السياسية، ويتيح الفرصة للإدارة الأمريكية لفرض مزيد من الضغوط عليها.

ومن المهم في هذا الإطار أن نشير إلى الاحتمالات الأخرى حول الأصابع التي يمكن أن تكون قد تورطت في اغتيال الجميل، ولا نستطيع هنا أن نتجاهل الموساد الإسرائيلي الذي يحظى لأسباب متعددة بحرية حركة كبيرة في لبنان، ويمتلك عديدا من شبكات التجسس والتخريب التي سبق أن تم ضبط بعضها، وهو المستفيد الأول من حالة الفوضى التي قد تجتاح لبنان إذا استمر مسلسل الاغتيالات، وسيستفز تركز الاغتيالات على الفريق المناوئ لسوريا هذا الفريق ضد حلفاء سوريا في لبنان، وقد تنجر البلاد على خلفية ذلك إلى فتنة وطنية شاملة تعيد للأذهان صورة الحرب الأهلية.

أيضا لا يمكن تجاهل وجود جماعات أصولية سرية متطرفة، إسلامية ومسيحية، في لبنان تعمل على ضرب النظام القائم بكل الطرق والوسائل، وبعضها معروف مثل حراس الأرز المسيحية والتنظيمات الإسلامية المتطرفة الموجودة في مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين بمدينة صيدا، مع ملاحظة أن الجيش اللبناني لا يستطيع دخول المخيمات الفلسطينية في لبنان.

الشارع المسيحي.. الإشكالية القائمة

آلاف اللبنانيين يشيعون جثمان وزير الصناعة بيير الجميل

وفي كل الأحوال لن يكون بمقدور أحد وضع حد لتداعيات جريمة اغتيال الوزير بيير الجميل، ولا لكل الخلاف السياسي الذي قام ويقوم وسوف يستمر؛ فالمعارضة التي كانت تستعد لتحرك شعبي بمواجهة الحكومة الحالية سوف تواجه إرباك اللحظة، لكن الأمر لن يتجاوز حدود التأثر بالمناخ الذي ساد بسبب الجريمة، وستبقى المعركة مفتوحة، وكل الهدوء الذي يرافق التشييع والتعازي والكلام عن وأد الفتنة لن يلغي الاشتباك السياسي، وإن خفف من حدته؛ إذ إن جدول أعمال الاشتباك القائم في لبنان هو للأسف أكبر بكثير من الجريمة التي حصلت.

لكن إلى جانب الأهداف التي سوف يتكاثر الحديث عنها من منع الانفجار الأهلي، ووصولا إلى استعادة وحدة الحكومة سياسيا، فإن الهدف المركزي الذي سيظهر استغلاله يتصل بالوضع في الشارع المسيحي حيث الأزمة قائمة منذ استعادة القوتين البارزتين -أي التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية- حرية الحركة الواسعة سياسيا وتنظيميا، وحيث تراجع الحضور السياسي للآخرين بمن فيهم حزب الكتائب.

ومع اقتراب البحث في الوضع السياسي العام في البلاد، ولا سيما الملف الحكومي، بدا الملف المسيحي عنوانا رئيسيا للحركة السياسية، وقبل اغتيال الوزير الجميل وبعده، فإن التحذيرات من احتمال حصول توترات كبيرة في الشارع المسيحي ظلت قائمة، وقبل أسبوعين على الأقل أبدى دبلوماسي عربي بارز ومعني بالوضع اللبناني خشية كبيرة من انفجار الوضع مسيحيا، وقال هذا الدبلوماسي لصحيفة "الأخبار" اللبنانية: إن المشكلة تكمن في أن القوتين الأبرز داخليا -أي حزب الله وتيار المستقبل- عندهما من الضوابط والتشعبات ما يكفي لمنع الانفجار، لكن المشكلة تكمن لدى الأطراف الأخرى، ولا سيما لدى القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر حيث هناك مشكلة في ضبط التداخل على الصعيد الشعبي، أو منع الاحتكاك الذي يمكن أن يتطور بسرعة.

وقد ظهرت بوادر ذلك عقب الإعلان عن حادث الاغتيال مباشرة، حيث تم الاعتداء على مكاتب للتيار الوطني الحر، وعلى لافتات وصور للعماد عون، وتبيّن أن معظمها تم على يد عناصر من القوات اللبنانية، وهو الأمر الذي دفع العماد عون إلى الاتصال فورا بالبطريرك الماروني نصر الله صفير، وإبلاغه خشيته من سعي البعض إلى إشعال فتنة مسيحية- مسيحية، وأنه يجب العمل بسرعة على منعها، وطلب عون من أنصاره إخلاء المراكز منعا لأي احتكاك، والابتعاد عن التجمعات أو الأمكنة التي قد تتيح للآخرين إشعال مشكلة، وهو أمر ترافق مع بحث في تهدئة الشارع، وواكب الجيش اللبناني ذلك بسلسلة من التدابير التي تخللها تواصل مع قيادتي الكتائب والقوات، حتى وصل الأمر إلى بعض الهدوء، من دون تقدير دقيق لما سوف تؤول إليه الأمور.

صدام أم وئام؟

ورغم كل ذلك، فإن هذه الجريمة البشعة قد تكون الفرصة الأخيرة أمام جميع الفرقاء في لبنان للوصول إلى تسوية للأزمة السياسية، قبل أن تغرق المركب بكل من فيها، والوحيد المؤهل في لبنان الآن للقيام بهذه الخطوة هو رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي قد يستطيع إقناع الجميع بالعودة إلى طاولة الحوار على أن يطرح كل منهم هواجسه ومخاوفه بصراحة كاملة، وأن يتم التوصل إلى قاسم مشترك بين الجميع حول كل عوامل الخلاف المطروحة، ومنها وضع رئاسة الجمهورية وحكومة الوحدة الوطنية المطروحة (تشكيلها وبرنامجها)، وعدم عرقلة قيام المحكمة الدولية لمحاكمة قتلة الحريري، والاتفاق على قانون انتخابات جديد، وتحديد الموقف من الالتزامات الملقاة على عاتق لبنان بموجب القرارات الدولية، خاصة المتعلقة بكيفية التعامل مع سلاح حزب الله، والشرط الوحيد لنجاح هذه الخطوة أن يتعامل معها الجميع من منطلق مصلحة لبنان أولا، وبغض النظر عن أي محاور خارجية، سواء من ناحية القوى الموالية لسوريا وإيران، أو الموالية لأمريكا وفرنسا، وليكن ولاء الجميع للبنان.

وإذا كان بين السياسيين والمراقبين اللبنانيين من سبق أن دعا رؤساء الجمهورية ومجلس النواب والحكومة إلى الإفادة من مناسبة عيد الاستقلال، وعقد اجتماع مغلق يكون عنوانه الوحيد: "طريقة الخروج من الأزمة"، فإن هذه الدعوة تبدو أكثر إلحاحا بعد اغتيال الوزير بيير الجميل، ولبنان الآن عند مفترق طرق، فإما الصدام أو الوئام.


** نائب رئيس تحرير جريدة الأهرام، ومدير مكتب الأهرام السابق في لبنان.

 
 

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع