|

|
|
جانب من اجتماع الحكومة اللبنانية يوم 13 نوفمبر 2006 لإقرار المحكمة الدولية |
|
بدا المشهد الذي حدث خلال
الجلسة الأخيرة لطاولة التشاور أو
الحوار الوطني اللبناني يوم 11 نوفمبر 2006،
مثيرًا إلى القدر الذي يمكن القول معه أن
كلاًّ من حزب الله وحركة أمل، وكأنهما
أعدا العدة مسبقًا ووضعا أمامهما كل
الاحتمالات، ليس لإنجاح التشاور، وإنما
للاستعداد للدخول في مسار أزمة.
ورغم صعوبة الاتفاق مبدئيًّا
بين التيارين الكبيرين على الساحة
اللبنانية، فإن كثيرًا من المتابعين
للشأن اللبناني ربما توقعوا قبل هذه
الجلسة الأخيرة أن يحدث شبه انفراج
بنَّاء على ما ساد خلال الجلسات الثلاث
الأولى من صراحة بين الأطراف المتحاورة،
وإن كان يعتريها التشنج والسخونة
أحيانًا بين سعد الدين الحريري "رئيس
كتلة المستقبل" وأحد أقطاب 14 آذار،
وبين "محمد رعد" ممثل الأمين العام
لحزب الله السيد حسن نصر الله. وقد نبع
هذا التفاؤل الأولي من أن الأنباء التي
كانت ترد من واقع الجلسات تؤكد على أن
الجميع وافق من حيث المبدأ على مشروع
المحكمة الدولية، وأن تسوية ما قد تحدث
وفق معادلة "قبول بالمحكمة الدولية
مقابل حكومة وحدة وطنية".
سير الأحداث
أما الجلسة الأخيرة لطاولة
الحوار فقد سادها التوتر، بالتزامن مع
وصول مسودة مشروع المحكمة الدولية التي
أرسلها الأمين العام للأمم المتحدة
والتي ينبغي أن توافق عليها الحكومة
اللبنانية حتى يشرع في تطبيقها، الأمر
الذي يوحي أن حزب الله وحركة أمل لا
يريدان لمشروع المحكمة أن يتم، لا سيما
أن رئيس الحكومة فؤاد السنيورة أصر على
عقد جلسة خاصة يوم 13 نوفمبر 2006 لمجلس
الوزراء لإقرار مشروع النظام الداخلي
للمحكمة الدولية التي ستنظر في قضية
اغتيال الحريري، حيث قوبل طلبه بالرفض من
قبل رئيس الجمهورية إميل لحود، مطالبًا
إرجاءه لكي يتمكن من عرض مسودة نظام
المحكمة على خبراء لدراستها.
وبعد ساعات على رد رئيس
الجمهورية وسفر رئيس حركة أمل إلى طهران
لحضور مؤتمر الجمعية البرلمانية
الآسيوية، جاءت استقالة وزراء حزب الله
وحركة أمل مساء يوم 11 نوفمبر والتي
اعتبرها نائب الأمين العام لحزب الله
الشيخ نعيم قاسم "مجرد خطوة أولى وأنه
توجد خطوات أخرى سنناقشها مع حلفائنا
بالتفصيل وسنعلن عنها تباعًا؛ لأن
برنامجًا للتحرك سيكون موجودًا لإنقاذ
البلد من هذه العقلية"، مشيرًا إلى أن
المشاورات فشلت؛ لأن زعماء الغالبية
المناهضة لسوريا رفضوا السماح للآخرين
بالمشاركة الفاعلة في إدارة البلاد،
وقال "نحن الآن أمام حكومة تريد أن
تستأثر الأغلبية فيها بحكم البلد"، ثم
جاء كلام الرئيس لحود في كتاب رسمي أرسله
إلى السنيورة أن الحكومة "وفي ضوء
استقالة جميع الوزراء من فئة معينة باتت
فاقدة للشرعية الدستورية ومناهضة لمبادئ الدستور
وأحكامه بحيث يكون كل اجتماع لمجلس
الوزراء في ظلها باطلاً بطلانًا مطلقًا
وغير دستوري، وما بُني على باطل فهو باطل"،
مستندًا في موقفه إلى نصوص في الدستور،
لا سيما الفقرة "ي" من مقدمة الدستور
التي تنص على أنه "لا شرعية لأي سلطة
تناقض ميثاق العيش المشترك بين الطوائف
اللبنانية"، وإلى المادة 95 من الدستور
التي تنص على أن "تمثل الطوائف بصورة
عادلة في تشكيل الوزارة حتى تحقيق إلغاء
الطائفية السياسية".
وبما أن المستقيلين جميعهم من
الطائفة الشيعية وأنهم ينتمون إلى
التيارين الأساسيين في الطائفة الشيعية
فإن استمرار وجود الحكومة اللبنانية
بهذه الحالة يتناقض مع صيغة العيش
المشترك، حيث يحرم طائفة تعتبر من أكبر
الطوائف اللبنانية في النسيج اللبناني.
ما يعني أن حكومة السنيورة وبناء على ما
ذكر لم تَعُد صاحبة شرعية دستورية،
وبالتالي لا يحق لها الموافقة على مشروع
المحكمة.
حزب الله والمحكمة
الدولية
والسؤال المشروع الآن: هل ما حدث
من قبل حزب الله وحركة أمل بالترتيب
والتنسيق مع رئيس الجمهورية لتعطيل
المحكمة الدولية، خصوصًا بعدما أصرت
الحكومة على عقد جلسة استثنائية يوم 13
نوفمبر والذي عقد بالفعل رغم استقالة
وزراء حزب الله وأمل، وأقرت فيها البدء
بإجراءات تشكيل تلك المحكمة، أم أن ثمة
أسباب أخرى وراء ذلك؟.
رغم حالة التزامن بين استقالة
الوزراء وبين بعث الأمين العام للأمم
المتحدة لمسودة مشروع المحكمة، وهو ما
جعل البعض يرى التوقيت مناسبًا لإطلاق
حكم بأن سبب الاستقالة هو المحكمة
الدولية، وكذا لا يمكن استبعاد أن حركة
أمل وحزب الله قد اختارا هذا التوقيت
بالذات للاستقالة حتى يقع الفريق الآخر
وهو 14 آذار في هذه الشبهة، فيظن أن السبب
هو عرقلة المحكمة الدولية، ويستبعد
أسبابًا أخرى أكثر جوهرية من المحكمة وما
ستئول إليه.
وتفسير ذلك، كما أوردت بعض
الصحف، ومنها صحيفة النهار يوم 11 نوفمبر،
أن ثمة معلومات تشير إلى أن حزب الله
وحركة أمل قد اطلعا على مسودة مشروع
المحكمة، وأنهما كلّفا لجانًا متخصصة
لدرستها، وأن اللجان المكلفة بدرس
المسودة أكدت أن لا شيء في هذه المسودة
يعزز هواجسهما. أضف إلى ذلك أن مسودة
مشروع المحكمة قد أجري عليه تعديلات
كثيرة جدًّا.
فالمحكمة التي ستتشكل من قضاة
لبنانيين وأجانب لن يكون لديها السلطة
لاستجواب أو محاكمة رؤساء الدول، كما أن
"الاغتيال" لن يتم تعريفه على أنه
"جريمة ضد الإنسانية" أو "هجوم
إرهابي". وبالتالي يجب التساؤل: لماذا
يريد حزب الله وحركة أمل إقناع الجميع
بأن الاستقالة جاءت حرصًا على لبنان كما
قال نبيه بري من طهران، في الوقت الذي
يوهمون فيه الآخرين بأن الاستقالة جاءت
لعرقلة المحكمة حتى اقتنع فريق 14 آذار
بذلك، حتى بات يردد الكثير من رموزه أن
الفريق الآخر يريد أن يحمي سوريا من
المحكمة. وأي حماية للنظام السوري إذا
كانت المحكمة لن يكون من حقها استجواب أو
محاكمة رؤساء. بل إن الموافقة الروسية
على المسودة في صيغتها النهائية تعني أن
النظام السوري لن يتزعزع إذا أجريت هذه
المحكمة ولن يطال شيء إليه، وإلا لكان
لإيران شأن آخر في الضغط على روسيا، وهي
صاحبة التأثير على القرار الروسي في مجلس
الأمن فيما يتعلق بمصالحها الإقليمية،
والجميع يعلم كم حاجة إيران اليوم لسوريا
في حل ملفاتها العالقة مع الولايات
المتحدة ومجلس الأمن كورقة ضغط على
الولايات المتحدة في كل من جنوب لبنان
والعراق.
استقالة الوزراء
والاستحقاق الإقليمي
وبناء على ذلك فإنه لا بد من
النظر لاستقالة وزراء حزب الله في سياق
أكبر من أمر المحكمة الدولية.
بعد سقوط الجمهوريين في
الانتخابات الأمريكية وقدوم
الديمقراطيين الذين طالما تناولوا
السياسة الخارجية للرئيس الأمريكي جورج
بوش بالنقد، وبعد أن أجمع المراقبون على
أن فشل الإستراتيجية الأمريكية في
العراق وراء هزيمة الجمهوريين، فضلاً
عما طرأ مؤخرًا على الإدارة الأمريكية من
تغيير، حيث أقيل وزير الدفاع "رامسفيلد"
عراب الحرب على العراق وتم استبدال "روبرت
جيتس" به والذي كان يدعو خلال السنوات
الماضية الإدارة الأمريكية إلى حوار مع
إيران متفقًا مع رؤية بلير بدعوة بوش إلى
فتح حوار مع إيران، وهو الأمر الذي جعل من
المحور الإيراني السوري أكثر قوة
وثباتًا من أي يوم مضى حتى انعكس ذلك على
تصريحات المسئولين في كل من سوريا
وإيران، فالمرشد الأعلى للثورة
الإسلامية في إيران علي خامنئي قال في
آخر تصريح له بأن نجاح الديمقراطيين في
الولايات المتحدة يصب في مصلحة إيران.
وتعلم إيران جيدًا أن هناك عديدًا من
الشخصيات داخل الإدارة الأمريكية تدعو
إلى الدخول في حوار مباشر معها، على
اعتبار أن ذلك الحل الوحيد للخروج من
المأزق العراقي والذي لن يتم إلا عبر
البوابة الإيرانية.
فإيران، على حد قول أحد
الباحثين الغربيين والمعنيين بمنطقة
الخليج، تسعى إلى تطوير ذاتها مثل الصين،
وتسعى لتقديم نفسها في الإقليم كشريك
دبلوماسي وقطب جـاذب للاستثمـارات
الخارجية المباشرة، وذلك بالتناسب مع
التقارير التي تفيد بأن إيران قد وضعت
لنفسها هدفًا بأن تصبح القوة الكبرى في
الاقتصاد والطاقة في منطقة غرب آسيا خلال
العشرين عامًا المقبلة.
أما بالنسبة لسوريا فقد بدأت
الأصوات تتعالى في كل من الولايات
المتحدة وبريطانيا وكذلك إسرائيل في
التحاور معها حتى إن نائب وزير الخارجية
الروسي ألكسندر سلطانوف قال: "يستحيل
تسوية شاملة في الشرق الأوسط من دون
مشاركة سوريا". لقد استطاعت سوريا
وبالتنسيق مع إيران في تشكيل إرباك حقيقي
للوجود الأمريكي في العراق، لدرجة أن
السيناتور الديمقراطي "فرجنسكي" قد
ذكر: "ستخرج الحرب الأخيرة في العراق
الولايات المتحدة الأمريكية من المنطقة،
كما أخرجت حرب السويس بريطانيا وفرنسا".
وبناء عليه، وبما أن المحور
الإيراني - السوري يتقدم حاليًّا على
المحور الأمريكي، فإن إيران تريد أن يبقى
حزب الله الحليف الأقوى لها في المنطقة،
صاحب قوة وشوكة؛ لما يحقق لها من نفوذ
إستراتيجي على المدى البعيد، فما يتمتع
به السيد حسن نصر الله من مصداقية وشعبية
في العالم العربي عند السنة قبل الشيعة،
والمعركة الأخيرة لحزب الله مع إسرائيل
والتي بحق سطرت بطولة نادرة للحزب في
الميزان العسكري... ذلك يجعل الحزب، إضافة
إلى حماس مع سوريا وطبعًا بعد سرقة
العراق، بوابة إيران لتحقيق طموحها
الإقليمي في المستقبل القريب.
وبما أن لبنان يحتل موقعًا
إستراتيجيًّا هامًّا، كما أنه يمثل
منبرًا ثقافيًّا وفكريًّا ووطنًا لكل
المناضلين والفارين من الأنظمة العربية
المستبدة، فإن إيران لا غنى لها عنه. كما
أن موقعه المحاذي لفلسطين المحتلة،
يمكِّن إيران إذا ما استطاعت توجيه
سياسته -لا ينفي ذلك بالطبع وجود أجندات
غربية وعربية في لبنان- أن تبقي لنفسها
جبهة جنوبية مع إسرائيل في سياسة ضغطها
وعدم استسلامها للضغوط الأمريكية
والغربية.
وعليه يمكن الحديث عن أن
استقالة وزراء أمل وحزب الله لم يأتِ في
سياق لبناني خالص أو صرف أو للسعي لعرقلة
إنشاء المحكمة الدولية، بقدر ما يأتي
لتقويض الحكومة اللبنانية المدعومة
عربيًّا وأمريكيًّا، أو على الأقل
تحييدها إن لم يكن ميلها إلى المحور
الإيراني لاستكمال الدور المنوط بها في
ظل استحقاقات جديدة قادمة على المنطقة
تكون فيها إيران اللاعب الأساسي.
|