|
مع بداية انتشار القوات الدولية
التابعة للأمم المتحدة "اليونيفيل"
في الجنوب اللبناني، جنبا إلى جنب مع
استكمال انتشار الجيش اللبناني، يثور
التساؤل حول أدوار كل من الطرفين، وطبيعة
وشكل الانتشار على الأرض، وعلاقة ذلك
بالمقاومة اللبنانية في الجنوب.
في هذا السياق، أكد العميد
الركن أمين حطيط في حواره مع موفد "شبكة
إسلام أون لاين" أن لا الجيش اللبناني
أو قوات اليونيفيل يمكنهمz`لدفاع عن
سيادة لبنان ضد أي اعتداء إسرائيلي، لأن
الجيش لا يملك التسليح الضروري لذلك، كما
أن خبرة القوات الدولية السابقة في لبنان
والممتدة منذ عام 1949 وحتى الآن تثبت أن
هذه القوات لا تقوم بأداء أدوارها على
الوجه المنوط.
ومن جانب آخر، يرى حطيط أنه لا
يمكن نزع سلاح حزب الله بالقوة من أي جهة
كانت سواء أكانت القوات التابعة للأمم
المتحدة أو غيرها، وأن الحزب سيسهم في
بسط سيادة الجيش اللبناني على الأراضي
اللبنانية، لكن يعني ذلك القبول بفكرة
نزع سلاحه، أو عدم القيام بواجبه في
حماية أي جزء في لبنان.
وفيما يلي نص الحوار:
* القرار 1701 عزز من
قوات اليونيفيل من حيث طبيعتها والمهمات
الموكولة إليها في لبنان، بداية نود
العودة إلى جذور الوجود الدولي في لبنان،
وتقييم تجربة قوات الأمم المتحدة في
الجنوب اللبناني؟.
- عرف لبنان الأمم المتحدة في أول
دور بعد اتفاقية الهدنة المنعقدة عام 1949،
حيث أوفدت مراقبين للهدنة، ومراقبة سلوك
الطرفين عبر الحدود، وحل الإشكاليات
التي تنشأ عبر هذا الطرف أو ذاك في حالة
خرق بنود اتفاقية الهدنة. واستمر هذا
الدور قائما بفاعلية مقبولة حتى عام 1967،
لكن إسرائيل لم تكن تتهيب هؤلاء وكانت
تقوم باعتداءات على لبنان دون رد فعل
دولي.
وفي عام 1967 ألغت إسرائيل
اتفاقية الهدنة من جانب واحد، وهمشت
واقعيا الأمم المتحدة رغم استمرار
قواتها في الجنوب كما في إسرائيل.
وفي عام 1978 اجتاحت إسرائيل
الجنوب واحتلت المنطقة حتى الليطاني،
باستثناء جيب صغير في محيط صور، واستخدمت
آنذاك قوات للأمم المتحدة "اليونيفيل"
تحت البند السادس من ميثاق الأمم المتحدة،
وأسندت إليها مهمة استلام الأراضي
المحتلة من إسرائيل، وتسليمها للسلطة
الشرعية اللبنانية، ومساعدة الدولة في
بسط سيادتها على أرضها في الجنوب في
مواجهة العدو الإسرائيلي، وكان يجب على
هذه القوة أن تقوم بهذه المهمة في
أسبوعين كحد أقصى؛ لأن القرار 425 ألزم
إسرائيل دون قيد أو شرط بذلك، لكن
إسرائيل لم تستجب لمقتضيات هذا القرار
ولم تسلم الأرض لقوات يونيفيل.
وعندما ذهب الجيش لاستلام الأرض
قصفته إسرائيل في موقعة "كوكبة" وهي
منطقة جنوبية تقع عند ملتقى سهل البقاع
مع الجنوب، فغير الجيش اللبناني محور
انتقاله إلى الساحل، لكن تكررت نفس
التجربة في موقعة "أرزون" حيث منعته
إسرائيل من أداء عمله. وهنا تجمدت وظيفة
اليونيفيل، وانتشرت قواتها في المناطق
التي احتلتها إسرائيل فقط، ومن ثم فشلت
كليا في أداء مهمتها عام 1978.
أما الفضيحة الأكبر لليونيفيل
كانت في عام 1982 حيث أعلمتها إسرائيل قبل 3
أيام من بدء العدوان على لبنان عن
الاجتياح، وطلبت إسرائيل منها إعطاء كل
التسهيلات وعدم عرقلة تقدم القوات
الإسرائيلية، واستجابت اليونيفيل مذعنة
لهذا المطلب، وبالفعل وصلت القوات
الإسرائيلية لدى اجتياحها الجنوب عبر
مراكز ومواقع الأمم المتحدة. ومع هذا
النكوص استمرت هذه القوة في الجنوب
وتعايشت مع الاحتلال لمدة 3 سنوات انتهت
عام 1985 بعودة إسرائيل إلى الشريط الذي
كانت قد احتلته عام 1978 والذي لا يوجد
لقوات الأمم المتحدة به أي مركز.
وفي عام 1993 وأثناء اعتداء يوليو
الذي استمر لمدة 7 أيام لم تستطع قوات
الأمم المتحدة أن تقوم بأي دور لمواجهة
العدوان الإسرائيلي، وتكرر ذلك عام 1996،
مع فضيحة أكبر هي مجزرة قانا، عندما لجأ
المدنيون إلى موقع الأمم المتحدة، فقصفت
الطائرات الإسرائيلية الموقع رغم وجود
علم الأمم المتحدة عليه، وقتلت 103 مدنيين.
* كيف نشأت المشكلة
الحدودية حول مزارع شبعا، وماذا كان دور
الأمم المتحدة التي كان لزاما عليها أن
تغتنم الفرصة لتنفيذ القرار 425؟.
- تصاعدت المقاومة الشعبية
للاحتلال في الجنوب منذ عام 1982 وحتى عام
2000، وأخذت هذه المقاومة منذ عام 1985 الوصف
الإسلامي الشيعي؛ لأن سكان الجنوب
معظمهم من الشيعة. وأدت هذه المقاومة إلى
إلزام إسرائيل بالخروج من الجنوب
اللبناني بعد أن أدركت استحالة استمرار
احتلالها له حيث تكبدت في العامين
الأخيرين من الاحتلال خسائر بشرية بلغت 6
قتلى في الشهر الواحد، وهو رقم لا تستطيع
تحمله، فخرجت متذرعة بالرغبة في تطبيق
القرار 425 وهو الذي أنكرته لمدة 22 عاما.
وهنا عادت الأمم المتحدة للتدخل،
ونظمت مسألة الانسحاب حتى لا تظهر
إسرائيل أمام العالم وكأنها مهزومة، بل
تطبق القرار الدولي، وتم إيفاد بعثة
دولية سياسية قانونية عسكرية وتقنية
برئاسة الدبلوماسي النرويجي "تيري رود
لارسن" مهندس اتفاق أوسلو.
وحاول لارسن أن يعوض إسرائيل عن
انسحابها بمنحها بعض المكاسب في الأرض
عبر تغيير خط الحدود، فطرح فكرة الخط
العملي للانسحاب، وبعد نقاش طويل رفض
لبنان "خطة لارسن" وحمله على العودة
إلى خط الحدود الدولية إلا في نقاط ثلاث
في الجزء الحدودي بين لبنان وإسرائيل،
ورفض لبنان مثل هذا الخط في الجزء
المتعلق بالحدود بين سوريا ولبنان.
لكن الأمم المتحدة سجلت رفض
لبنان تحفظا، ورسمت الخط الأزرق للدلالة
على تنفيذ القرار 425، ونشأ عن هذا السلوك
قضية مزارع شبعا، التي يتمسك لبنان بها،
ولا تدعي إسرائيل تبعيتها لها، ولكن
إبقائها تحت الاحتلال، وهو ما لم يكن
ممكنا التفاوض عليه طبقا للقرار 425 الذي
لم يفتح باب التفاوض.
وفي أغسطس 2000 تم التحقق من خروج
القوات الإسرائيلية بعد الخط الأزرق،
وبقيت المسألة العالقة هي منطقة شبعا،
إضافة للأسرى اللبنانيين وخرائط الألغام
وإقدام إسرائيل على انتهاك الفضاء
اللبناني جوا وبحرا.
ومنذ ذلك التاريخ طلبت إسرائيل
والأمم المتحدة بنزع سلاح المقاومة،
وكان جواب لبنان، الذي تؤيده سوريا والتي
كانت تمتلك جيشا ينتشر في لبنان، أن هذا
الأمر شأن لبناني أولا، وثانيا يحتاج
لبنان للمقاومة لحماية نفسه من عدوانية
إسرائيل خاصة وأن الجيش اللبناني لا
يمتلك السلاح الذي يوفر له فرصة تنفيذ
عمل دفاعي ناجح بوجه عام.
هنا كان ثمة تجاذب ثلاثي
الأطراف (لبنان صاحب الأرض، وإسرائيل
والولايات المتحدة صاحبتا المصلحة،
والأمم المتحدة صاحبة القرار 425) حيث
طالبت الأخيرة مدفوعة من الولايات
المتحدة بنشر الجيش اللبناني في الجنوب،
فأرسل لبنان قوة أمنية قوامها 61 ألف عنصر
لتأمين المواطنين، بينما أعادت قوات
اليونيفيل انتشارها في الجنوب بعد خفض
عدد قواتها من 4 آلاف إلى ألفين.
ولم يؤد هذا العدد المخفض مهام
يمكن الاعتداد بها سوى المبادرة
المحدودة في نزع الألغام التي خلفتها
إسرائيل، ورسم الخط الأزرق على الأرض
والتحقق من الانسحاب بالتنسيق مع لجنة
لبنانية عسكرية شكلت لهذه الغاية، وكانت
برئاستي الشخصية.
ومنذ عام 2000 لم تطور الأمم
المتحدة أدائها. ويمكن القول إن جل ما
فعلته هو المراقبة غير العادلة للطرفين
الإسرائيلي واللبناني. وعندما كان العام
2006 دشنت إسرائيل هجومها الثالث على لبنان،
وكان دور قوات الأمم المتحدة مخزيا أيضا
إذ أنها منعت مراكزها من استقبال أي من
المدنيين اللبنانيين، ما تسبب في مجزرة
مروحين في الأيام الأولى للحرب حيث قتل 32
لبنانيا مدنيا، كما لم تستطع حتى القيام
بالأعمال الإنسانية البسيطة، فكان دورها
سلبيا لأقصى درجة حتى أن البعض يقول -ولا
أؤكد ذلك قطعا- إن الأمم المتحدة لعبت
دورا لصالح إسرائيل في مواجهة المقاتلين
والإبلاغ عنهم.
* هل تتمكن قوات
اليونيفيل من أداء دورها المنوط بعد
إصدار القرار 1701، وهل يمكن أن تتمتع
بالحياد في أداء عملها في الفترة المقبلة
بعد هذا الفشل الطويل؟.
- عدل القرار 1701 من واقع هذه
القوات من جانبي الحجم والمهمة. فقد أصبح
عددها 15 ألف عنصر، وأعطيت هذه القوات
مهمات تتجاوز ما هو منصوص عليه في الفصل
السادس من ميثاق الأمم المتحدة، لكنها لم
تصل إلى ما حددته بنود الفصل السابع، وهو
ما يقود إلى القول إن الذي نظم هذا
القرار تعمد الصيغ الغامضة لقبول لبنان
بالقرار الذي مضمونه يعبر عن الاستجابة
للرغبات الأمريكية والإسرائيلية.
ويعني ذلك أن هذه القوات قادرة
على إنشاء منطقة أمنية عازلة تحمي
إسرائيل، ويكون انتشارها بعرض من 23 ـ 27
كيلومترا من الليطاني إلى الحدود
الجنوبية في الحد الأدنى، كما أنها وإن
استطاعت لاحقا أن تكور مهمتها منفردة أو
عبر الجيش اللبناني أن تنزع سلاح
المقاومة، والأكثر من ذلك أن القرار في
مضمونه يجيز لهذه القوات استعمال القوة
حالة الضرورة.
* وهل الواقع ميدانيا
على الأرض يقود إلى استنتاج أن هذه
القوات ربما تنجح في هذه المهام الجديدة،
والتي تضر بالتأكيد المقاومة وحزب الله؟
- لقد حاولت الأطراف الدولية
إعطاء اليونيفيل وظائف وأدوار ليست لها
في الأصل، ولا يمكن أن يقبل بها الفريق
المنتصر في لبنان، بل إن جميع اللبنانيين
ضد رفض استعمال هذه القوات للقوة في
الداخل أو مراقبة المواني الجوية
والبحرية أو الحدود السورية، فهي بنود لم
ينص عليها القرار 1701، وكلها محاولات
ستبوأ بالفشل، وستجد الولايات المتحدة
نفسها عاجزة عن تغيير أي شيء بالجنوب،
وستدرك قوات اليونيفيل أنها جاءت للمهمة
المستحيلة، وأنه رغم زيادة عدد القوات
إلى 15 ألف عنصر، فإنه مع الوقت سيتراجع
نفوذ هذه القوة إلى ما كانت عليه قبل عام
2000 وربما يتراجع عددها أيضا.
وبالنسبة لنزع سلاح المقاومة،
تبدو هذه المهمة غير المنصوص عليها
بالقرار أمرا عسيرا إن لم يكن مستحيلا
لقوات اليونيفيل، إذ إن فكرة المنطقة
العازلة وهمية نظريا لأن المقاومة في
الجنوب ليست جيشا أجنبيا يحتل الجنوب
ويقال له اخرج فيخرج، لكنها مقاومة من
قلب شعب الجنوب كما أن سلاح المقاومة
الذي عجزت إسرائيل عن نزعه لن يمكن أن
ينزعه أحد، سواء قوات اليونيفيل أو قوات
الأطلسي، وقد اعترفت إسرائيل بذلك.
* الواقع على الأرض
يبدو صعب التخيل، فهناك عدة جهات متضاربة
ومتباينة في أهدافها تتواجد على كتلة
صغيرة على الأرض، في وضع كهذا كيف يمكن أن
يمارس كل طرف ما يراه من اختصاصاته، سواء
تعلق الأمر بالجيش اللبناني أم بقوات
الوينيفل، أو المقاومة؟.
- بالنسبة لتواجد جهات ثلاثة على
بقعة واحدة من الأرض، يمكن أن يرسم ذلك
على الشكل التالي:
ـ الجيش اللبناني: هو القوة
الرسمية التي انتدبتها الحكومة لبسط
السيادة على الجنوب، وبالتالي هو صاحب
القرار العسكري، وعليه الدفاع عن لبنان
وحفظ أمن المواطنين. وهنا يستطيع القيام
بمهمات بسط السيادة، وهو محترف وقادر على
ذلك، أما الدفاع عن لبنان فهذا ممكن
طالما امتنعت إسرائيل عن الهجوم، بيد أنه
لن يتمكن بتسليحه الحالي في رد أي عدوان
إسرائيلي، ومن ثم لا يمكنه الدفاع عن
الأراضي اللبنانية.
ـ قوات اليونيفيل: من المفترض أن
ليس لها قرارات عسكرية، بل عليها أن تكون
في خدمة الجيش اللبناني، أي مؤازرة له في
الدفاع والأمن وبسط سيادة الدولة.
ولكن ما يصدق عن عدم قدرة الجيش
على الدفاع أو رد العدوان الإسرائيلي
ينطبق على قوات اليونيفيل، التي لن تواجه
أي عدوان إسرائيلي في كل الأحوال.
أما بالنسبة لحفظ الأمن، فالجيش
اللبناني لا يحتاج اليونيفيل لأداء هذه
المهمة، ومن ثم أعتقد أن هذه القوة سوف
تجد نفسها بلا عمل حقيقي، وسيمارس
أفرادها السياحة الإجبارية، ولن يكون
بمقدورها أن تمارس عملا أمنيا مباشرا.
ـ المقاومة: رجال المقاومة
التزمت قياداتهم بعدم القيام بأعمال
عسكرية تعوق عمل الحكومة اللبنانية، وهي
لن تتخلى عن تحقيق الأهداف الوطنية (تحرير
شبعا)، ولن يظهر رجالها بأي مظهر عسكري
يثير القوة الرسمية، ولن تكون هناك
مشكلات بين الجيش والمقاومة، أو حتى
بينها وبين اليونيفيل.
ومن ثم فإن الدور المركزي في
الجنوب سيكون للجيش الذي لن يتورط في أي
عمل عسكري ضد المقاومة، وسينأى بنفسه عن
الاختبار إذا التزمت إسرائيل بالقرار 1701،
أما إذا عادت إسرائيل للعدوان سيكون وضعه
محرج حيث لا بد من أن يقوم بالأعمال
الدفاعية، وهنا فالمقاومة من واجبها
وحقها أن تدافع لا أن تكون في موقع
المتفرج.
* تسعى الولايات
المتحدة إلى استصدار قرار دولي جديد يوسع
من صلاحيات اليونيفيل أكثر مما جاء
بالقرار 1701، ربما يشمل نشر قوات دولية
على الحدود السورية اللبنانية، أو أن ينص
صراحة على نزع سلاح المقاومة.. كيف ترون
هذا الأمر؟.
- يمكن للولايات المتحدة أن تأتي
بقرار دولي جديد وتحت بنود الفصل السابع،
ويقول بنزع سلاح المقاومة ونشر قوات
دولية على كامل الساحة اللبنانية وعلى
الحدود السورية اللبنانية. ولا يمكن
استبعاد صدور كهذا رغم الصعوبات التي تقف
أمامه، لكن العبرة ليست في القرار بل في
التنفيذ. ومن يطرح هذا السؤال نحيله إلى
القرار 1559 فقد تحدث عن نزع سلاح
الميليشيات واعتبر حزب الله منها، وقد
مضى عامان قامت الولايات المتحدة
خلالهما بما لا يتصوره عقل، أخرجت القوات
السورية وهيأت الظرف الذي اغتيل فيه
الحريري، وغيرت الحكومة، وشاركت في
العدوان على لبنان، ولم يُنفذ شيء رغم كل
ذلك.
بالنسبة للحدود مع سوريا سيكون
ذلك من مهمات الجيش اللبناني، وستكون هذه
الحدود آمنة بعهدة الجيش دون تسريب أسلحة،
ولن توافق الحكومة على قرار يخالف ذلك،
كما أن المقاومة لن تحرج الجيش عند أداء
هذه المهمة.
|