بريدك الالكتروني


English

 

الأربعاء 6 شعبان 1427هـ - 30/08/2006م

لبنان » المنطقة العربية » تحليلات وآراء
أرسل لصديق
روابط من إسلام أون لاين
  أهم الأخبار

 

المقاومة اللبنانية دشنت جيلا جديدا من الحروب

محمد عبد الحليم**

أعداد القتلى الإسرائيليين في لبنان وجهت سهام الانتقاد لقادة الدولة العبرية

أسفرت حرب الـ 33 يومًا بين إسرائيل وحزب الله عن نتيجة حتمية خلص إليها رهط من العسكريين حول العالم، وهي أن صورة الحرب في القرن الحادي والعشرين اختلفت شكلا وموضوعا؛ فالعالم مقدم على حقبة تقدم فيها الجماعات المسلحة وأشباه الدول أداء عسكريا يفوق أداء الجيوش النظامية للدول نفسها.

وقد حار هؤلاء العسكريون في تعريف وتسمية هذا النوع الجديد من الحرب؛ فهناك من سماه بـ "نزاع غير تقليدي أو لا متماثل"، وهناك من وصفه بـ"الحرب الحديثة" باعتباره نواة الشكل الأحدث لحرب القرن الحادي والعشرين، ولجأ البعض لمصطلحات فنية من قبيل "حرب الشبكات" أو "الجيل الرابع من الحروب".

ربما اختلفت التعريفات قليلا أو تباينت الأوصاف، ولكنها جميعًا تشترك في رسم ملامح عامة لنزاع بين قوة صغيرة، لا مركزية، تنبثق من جماعة لا دولة، تتحول في إطاره مميزات وإيجابيات وأفضليات الجيوش النظامية الكبيرة التابعة لدولة والمتمثلة في قدرة نيرانية هائلة، وتكنولوجيا متقدمة متفوقة، وتسلسل قيادي هرمي واضح، إلى عوامل ضد هذه الجيوش، وتجعل بذلك كسب الحرب على المستوى السياسي والإعلامي أهم وأولى بالاعتبار والاهتمام من حساب الخسائر وعد الطلعات الجوية وتعداد المقذوفات.

وحيث إن التكتيكات العسكرية هي فن وعلم كسب المعارك، فإن التكتيكات التي اتبعها مقاتلو حزب الله وضعت تحت مجهر مكبر لبحث كيفية نجاحها في إدارة معركة والبقاء صامدة في وجه جيش مصنف بأنه الرابع على مستوى العالم بعد جيوش الولايات المتحدة وروسيا والصين.

حرب العصابات المعصرنة

أهم هذه العوامل في نظر هؤلاء المحللين هو الإعداد الجيد للمقاتل؛ فمنذ سنوات وحزب الله يعد العدة لذلك النزال مع إسرائيل، صحيح أنه تلقى العون والمدد من إيران في شكل السلاح والذخائر لا سيما الصواريخ، وصحيح أن سوريا سهلت له وصول تلك الأسلحة، لكن هذه هي العدة والعتاد، فماذا عن الإعداد، بمعنى كيف نظم نفسه وكيف حول تلك الأسلحة والذخائر إلى درجة عالية من الفاعلية، مع ضرورة التشديد على أنه لا يعمل كجيش نظامي، وكما أن أساليب القتال التي يتبعها مغايرة للمعروف والمأثور عن طرق وأساليب حرب العصابات المعروفة.

الإجابة تتلخص في حرب الشبكات (البعض أسماها "حرب عصابات معصرنة")؛ فهناك لدى الحزب 4 مستويات من الأفراد؛ اثنان قتاليان، واثنان احتياط:

1. القوات الخاصة وهم عبارة عن مقاتلين محترفين سبق لهم الخدمة في جيش نظامي تم تدريبهم على مدى 6 سنوات من خلال فرق ودورات تدريبية عالية المستوى يرجح أنها تمت في كل من سوريا وإيران.

2. الجنود العاديون، وهؤلاء أفراد عاديون ذوو خبرة بسيطة بالقتال أو بدونها، وهؤلاء يوكل إليهم عمليات الدعم والإمداد أو اللوجستيات والأنشطة المعتادة في أثناء دوران المعارك فيما عدا القتال مع إمكانية مشاركتهم في الاشتباكات بصورة غير أساسية.

3. مستوى الاحتياط الأول، وهؤلاء أنهوا تدريبات عسكرية مع الحزب بعد أدائهم للخدمة العسكرية الإلزامية بحيث لا تزيد مدة بعدهم عن الأجواء العسكرية عن 3 سنوات، ومن منظور أنهم ما زالوا يحتفظون بذاكرة هذه الأجواء يوكل إليهم بالعمليات اللوجستية وجمع المعلومات، ونادرا ما يتم الدفع بهم في خطوط الجبهة.

4. مستوى الاحتياط الثاني، وهؤلاء يختلفون عن المستوى الأول بزيادة مدة بعدهم عن الأجواء العسكرية عن 3 سنوات.

على أنه من الأهمية ذكر أن المستويين الأخيرين يخضعان لتدريبات عسكرية منتظمة تمتد من شهر لثلاثة أشهر لتنشيط ذاكرة القتال لديهم.

ويضاف لهؤلاء الأربعة أنواع من الفرق، الفرق الفدائية المعروف عن أفرادها القليل، ويتميزون بالهدوء والكتمان والسرية والقدرة الفائقة على عدم لفت الانتباه لهم، ولا يتلقون تدريبات ويقضون أوقاتهم في العبادة ويميلون للعزلة والتأمل، والذي شارك بشكل قوي وفعال في الحرب المستويات الثلاث الأولى من الخمس مستويات.

وقد أتقن حزب الله تكتيك الكر والفر الذي يطلق عليه الغرب "اضرب واجرِ" بحيث يعجز الإسرائيليون عن استهدافهم باتباع أساليب الحرب التقليدية، وفيما يشبه الخلايا العنقودية التي في عالم الحركات والمنظمات السرية، فإنهم يقاتلون في شكل جماعات من 5 إلى 6 عناصر، وكل مجموعة مستقلة تماما عن المجموعات المجاورة فيما أطلق عليه "الشبكات" في دنيا الحروب والعسكرية.

كل مجموعة من تلك المجموعات لديها تعليمات عسكرية عامة ترسم لهم أطر ارتجال أي خطة حركة يتفقون عليها تقتضيها الظروف قبل وفي أثناء الاشتباك، وهذا يسمح لهم بالعمل حتى في حالة الانقطاع الكلي للاتصالات مع قواعد القيادات، أو الانقطاع الميداني وهو ما حدث فعلا خلال الحرب بعدما دمرت إسرائيل الطرق التي تصل بين بلدات الجنوب وهذه البلدات والعاصمة بيروت، ويؤمن هذا النظام أيضا عدم تنصت أي أحد عليهم في أثناء نقاشهم. وفي حالة وقوع أي منهم في الأسر لدى الإسرائيليين فإنه تحت الضغط لن يدلي بمعلومات إلا عن مجموعته فقط.

تتنقل كل مجموعة مستخدمة الدراجات النارية، مما يسمح لهم بمرونة فائقة تتواءم مع الطبيعة الخاصة بلبنان، والتسليح الأساسي لكل واحدة هو بنادق خفيفة ورشاشات ومضادات للدروع وقنابل يدوية، وبأقل قدر من الخسارة الذاتية، يمكنهم هذا النمط من إلحاق خسائر بالغة في العدو.

كيف تواصل القصف الصاروخي لحزب الله؟

جنود الاحتلال الإسرائيلي واجهوا مقاومة غير متوقعة

أكثر ما لفت الأنظار في الحرب الإسرائيلية مع حزب الله هو قدرة الأخير على مواصلة ضرب المدن والبلدات الإسرائيلية بالصواريخ وقصفها، رغم دفع الإسرائيليين بألوية قوات خاصة في الهجوم البري، ووحشية وكثافة القصف الجوي، والمدفعي والصاروخي، والحصار البحري، والتفوق الإسرائيلي في الرصد بالأقمار الصناعية وطائرات الاستطلاع.

الإجابة، بحسب مصادر عسكرية لبنانية وغربية متطابقة، تتلخص في أن 3 دراجات نارية هي التي تقوم بالعمل بشكل يضمن مرونة التحرك كالتالي:

1. يربض فرد على مسافة للمراقبة والبحث عن أي طائرات استطلاع أو مروحيات أباتشي.

2. تقوم مجموعة من فردين على دراجة نارية بنصب بطارية الإطلاق بدون تعمير القاذف بالصاروخ في زمن قدره 5 ثوانٍ، ثم تنسحب.

3. تقوم مجموعة من فردين على دراجة بتسليم الصاروخ ثم تنسحب في زمن قدره 3 ثوانٍ.

4. تقوم مجموعة بتعمير القاذف بالصاروخ وتطلقه وتنصرف في زمن يتراوح بين 10 و20 ثانية.

5. تقوم المجموعة الأولى بالعودة لجمع منصة الإطلاق وسحب القاذف، وإذا أبلغهم فرد المراقبة بأن الجو خال وأمان، يقومون بإخفائه في مكمن تحت الأرض حتى يتسنى استعماله في عملية أخرى، وتتفرق كل المجموعات الصغيرة في اتجاهات مختلفة.

الطريف أنه قد يقوم راكبو الدراجات النارية أيضا بإغراء المدرعات والدبابات واستدراجهم إلى كمائن معدة سلفا أو لتعريضهم لمرمى نيران مقاتلين مزودين بأسلحة مضادة للدبابات مختبئين في الأنفاق، وبعض هذه الأنفاق من الطول لدرجة أنهم يتنقلون فيها بين البلدات المتجاورة دون رصدهم، ثم ظهورهم المفاجئ في ساحات القتال، بحيث يباغتون العدو الذي يعتمد على الصور الجوية في رصد مسارح العمليات، وهذا النمط تسبب في إلحاق خسائر بالغة في صفوف وآليات الإسرائيليين في أثناء تقدمهم بجنوب لبنان.

تكتيكات مبتكرة

الميركافا الإسرائيلية لم تعد تحتفظ بصورتها الناصعة بعد معركة الجنوب

اتضح من سياق المعارك أنها شهدت أيضا تكتيكات مبتكرة جديدة درس فيها حزب الله العدو الإسرائيلي جيدا، واستلهم وهضم التكتيكات الكلاسيكية وطورها بما مكن مقاتليه من تكبيد الإسرائيليين خسائر فادحة، فقد بلور نمطا جديدا من القتال يختلف عن القتال التقليدي وعن القتال غير التقليدي. وكان نمطه المستند في كل معاركه على القدرات الصاروخية نمطا ثالثا، فهو يستخدم طائفة من الصواريخ "سطح سطح" في قصف العمق الإسرائيلي، وتدمير بارجة وزورق بحريين إسرائيليين، وصواريخ مضادة للدروع والدبابات، وصواريخ مضادة للطائرات.

كذلك اعتمد رجال المقاومة أسلوب قتال يعتمد على المواجهة المباشرة والتصدي للقوات المتسللة، وهو يختلف عن كل التقنيات وأساليب قتال العصابات القائمة على مبدأ "تجنب المواجهة المباشرة" (الفر في التقدم، والكر في السكون والتراجع). هذا الأسلوب حمل العدو على القول بأننا لا نحارب مليشيا بل لواء من القوات الخاصة من الجيش الإيراني، ربما ليخفف من حجم الهزيمة التي لطخت وجهه في بلدة مارون الراس.

وأروع من ذلك التكتيك الميداني المتمثل في المواجهة المباشرة، والالتفاف حول القوة المهاجمة، كان مقاتلو حزب الله ينفذون تكتيك الاندفاع نحو المواقع الخلفية للعدو بمجموعات صغيرة جدًّا وإنزال ضربات في القوى الموجودة والانسحاب تحت وابل من صواريخ تستهدف المدن والمستوطنات وخطوط الإمداد والدعم، ثم اعتماد مبدأ الحركة الدائمة وعدم إخلاء الميدان ما يحول دون تحول الاختراق إلى احتلال، وفرض مفهوم إنشاء مناطق اشتباك بدل الأرض المحتلة

. ثم تنوع أساليب القتال أو نمط العمل التكتيكي الميداني؛ من السد الواقف والضرب على الأذناب، إلى الوعاء الحاضن ثم المدمر، إلى الكمائن البسيطة أو المركبة والمتعددة، إلى الاستدراج إلى مناطق التقتيل، إلى الغارات المركبة أو البسيطة، إلى الأفخاخ البسيطة أو ذات القوة التدميرية الهائلة.

كل ذلك يعني أن المقاومة نوعت نمطها القتالي بحيث لم يستطع العدو أن يتنبأ به في أي نقطة من مناطق المواجهة، وكان يفاجأ دائما ويتكبد الخسائر في خط تصاعدي.

وفي أثناء تقدم المعتدي لجأت المقاومة أيضا إلى زرع العبوات ضد جنود الاحتلال على جانبي الطرق، ولما استطاعت القوات الإسرائيلية مواجهة العبوات الناسفة المفخخة السلكية عبر قطع الأسلاك والتشويش على العبوات اللاسلكية التي تفجر عبر موجات الراديو، قام مقاتلو حزب الله بتطوير أجهزة التحكم في التفجير عبر هاتف خلوي، ثم عدة هواتف خلوية بمنظومة مركبة بعد أن أبطل الإسرائيليون هذه الطريقة، وأخيرا استخدم حزب الله تفجير عبواته الناسفة من خلال أجهزة تحكم تستخدم الخلايا الضوئية كتلك المستخدمة مثلا في المصاعد.

كيف أغرقت "ساعر"

استخدمت المقاومة بذكاء أيضا سلاح المناورة، وتجلى ذلك عبر إطلاق صاروخين، أحدهما على مستوى عالٍ والآخر على مستوى منخفض فوق سطح الماء، على أمل أنه إذا كانت الرادارات تعمل يقوم الصاروخ الأول المرتفع بإشغال الدفاعات التابعة للسفينة في وقت يكون الصاروخ الثاني المنخفض في طريقه لإصابة البارجة "ساعر".

كما استغلت نقص المعلومات الاستخباراتية لدى الإسرائيليين عن القدرات الصاروخية لحزب الله عندما رست القطع الحربية البحرية الإسرائيلية على مسافة قريبة من الشاطئ اللبناني ظنا منهم أنه ليس لدى حزب الله صواريخ تصل لها.

كما استثمر الحزب استهتار الإسرائيليين؛ إذ لم يقوموا بتشغيل نظام الرصد والمراقبة الذي يعمل على رصد صواريخ كهذه وتنشيط الدفاعات الصاروخية الموجودة على السفينة آليًّا للتصدي لأي هجمات قادمة، والتالي تمّت مباغتتهم وإصابة السفينة مباشرة.


** محرر بشبكة إسلام أون لاين.نت.

 
 

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع