بريدك الالكتروني


English

 

الأربعاء 29 رجب 1427هـ - 23/08/2006م

لبنان » المنطقة العربية » تحليلات وآراء
أرسل لصديق
روابط من إسلام أون لاين
  أهم الأخبار

 

حرب لبنان.. مكاسب وخسائر إيران

محمد عباس ناجي**

منشأة أصفهان النووية الإيرانية

تدخل إيران منذ اللحظة الأولى لاندلاع شرارة الحرب العدوانية على لبنان على خط المواجهة، بل إن هناك اتهامات عدة توجه لها غربيا وإقليميا بأنها تقف وراء هذه الحرب، لصرف النظر عن التطورات التي يشهدها ملفها النووي في مجلس الأمن، ومن ثم فإن تحديد موقف إيران من هذه الأزمة وتحديد ما أضافته إلى قوة إيران الإقليمية والدولية وما قد تأخذه من هذه القوة حال إصرار المجتمع الدولي على تنفيذ القرارين 1959 و1701 اللذين يقضيان بنزع أسلحة حزب الله، يبدو أمرا ملحا لتحديد طبيعة التفاعلات الإقليمية في مرحلة ما بعد لبنان.

فقد كانت الحرب الإسرائيلية التي دارت رحاها على لبنان لأكثر من شهر، ليست أكثر من محاولة للقضاء على حزب الله، وإنهاء تهديده لإسرائيل، وهي في ذلك جزء من مواجهة كبرى بين الولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها إسرائيل من جهة وإيران وسوريا من جهة أخرى. لذا لم يكن مستغربا إطلاق اتهامات أمريكية وإسرائيلية لكل من إيران وسوريا بالمسئولية عن إشعال الأزمة وتسخين الجبهة الشمالية لإسرائيل من خلال تحريض حزب الله على القيام بعمليته، وهو ما يعيد تأكيد أن الحرب لم تكن على لبنان أو حزب الله، بل أيضا على كل من سوريا وإيران، في محاولة للقضاء على ما أسماه عمير بيريتس بـ"كتيبة الكوماندوز الإيرانية" المتقدمة.

حرب معدة سلفا

ثمة تأكيدات أمريكية كثيرة ومهمة صدرت عن أشخاص لهم مكانتهم في دوائر صنع قرار السياسة الخارجية الأمريكية، اعتبرت أن الحرب الإسرائيلية على لبنان هي مقدمة لحرب أمريكية إسرائيلية على إيران لحسم الملفات العالقة معها وعلى رأسها الملف النووي.

كما تحدثت تقارير عدة عن وجود خطط أمريكية إسرائيلية معدة سلفا لمهاجمة حزب الله، فقد كتب الصحفي سايمور هرش، في مجلة ذي نيويوركر أن الرئيس الأمريكي جورج بوش ونائبه ديك تشيني كانا واثقين من أن حملة قصف إسرائيلية ناجحة على مواقع حزب الله قد تهدئ من مخاوف إسرائيل بشأن أمنها. وقالت المجلة إن إدارة بوش كانت ترى في هذه الحملة مقدمة لهجوم وقائي أمريكي محتمل لتدمير المنشآت النووية الإيرانية.

وأضافت أن البيت الأبيض كانت له دوافع كثيرة لدعم حملة القصف، فإذا كان هناك خيار عسكري ضد إيران فإنه من الضروري القضاء على الأسلحة التي قد يستخدمها حزب الله للانتقام من إسرائيل. ورغم رفض مسئولي الإدارة الأمريكية لهذه الاتهامات، فإن ذلك لا ينفي أن النية كانت مبيتة لتنفيذ الخطط الأمريكية الإسرائيلية بشن حرب للقضاء على حزب الله.

لكن على الجانب الآخر، قد اعتبر معارضو الحزب في لبنان وخارجه أن عملية حزب الله بخطف الجنديين الإسرائيليين نفذت خدمة لجدول أعمال إيراني قبل أي شيء آخر. فأسر الجنديين الإسرائيليين من وجهة نظر معارضي الحزب، وما تبعه من نتائج، خرق تعهدا كان حزب الله قد تقدم به في مؤتمر الحوار الوطني اللبناني من أنه لن يقوم بأي عمل يجر لبنان إلى الحرب.

ويؤسس معارضو سلوك حزب الله قولهم على أن اندلاع الحرب ترافق مع تعثر مفاوضات سكرتير المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني ومسئول الملف النووي علي لاريجاني مع الدول الست (الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا) بشأن عرض الحوافز المقدم لإيران على خلفية برنامجها النووي. هذا إضافة إلى أن إيران كانت قد حذرت في مناسبات مختلفة أنها ستستخدم نفوذها في فلسطين ولبنان والعراق وأفغانستان، إذا أحيل ملفها النووي إلى مجلس الأمن وفرضت عليها عقوبات.

إيران وسلاح حزب الله

منذ نشأة حزب الله في عام 1985 والعلاقة معه تخضع لعديد من المشاورات والمناقشات بين الأجنحة السياسية في نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فقد أرادت إيران من ظهور حزب الله كقوة عسكرية تحقيق أكثر من هدف:

الأول، ضمان موطئ قدم لها في ملف الصراع العربي- الإسرائيلي، بما يجعلها تمتلك من الأدوات الإقليمية الكثير لتوظيفها حين تسنح فرص ذلك ووفق المصلحة الإيرانية.

والثاني، إقامة نقطة وثب لتصدير مشروع الثورة الإسلامية الإيرانية إلى المحيط العربي المجاور، وقد استمرت هذه الرؤية طاغية على الخطاب الرسمي الإيراني من حزب الله حتى بداية عقد التسعينيات من القرن الماضي، والتي شهدت بداية تحول إيران من حالة الثورة إلى حالة الدولة بما يقتضيه ذلك من إضفاء نوع من المرونة في التعاطي مع الخارج، وتراجع مشروع تصدير الثورة لحساب الانفتاح على دول الجوار.

وفي هذه اللحظة بالتحديد برز تيار داخل الأجنحة السياسية الإيرانية قاده رئيس الجمهورية آنذاك أكبر هاشمي رافسنجاني دعا إلى تحويل حزب الله إلى حزب سياسي ودمجه داخل الدولة اللبنانية، وقيامه بدور شعبي من خلال ملء الفارغ الناتج عن انسحاب الدولة من بعض الأنشطة خصوصا الاجتماعية، على اعتبار أن ذلك يمثل آلية مثلى لاكتساب الحزب قاعدة شعبية عريضة تجعل منه قوة سياسة يعتد بها داخل لبنان.

وقد لاقت هذه الدعوة استجابة نسبية من جانب حزب الله الذي قام بإنشاء مؤسسات مدنية للإغاثة والإعمار على غرار مؤسسات أنشئت في إيران مثل مؤسسة الشهيد، وجهاد البناء وغيرهما. لكن هذه الدعوة لاقت فتورا من جانب التيارات اليمينية المتشددة في إيران التي رأت أن تحول حزب الله إلى قوة سياسية لن يصب في مصلحة إيران، لكون ذلك يمثل خصما من قوته العسكرية الموجودة على الحدود الشمالية لإسرائيل. هذا الفرز داخل النظام الإيراني ظهر مرة أخرى خلال الأزمة الأخيرة، حيث برز على الساحة تياران:

التيار الأول، يتزعمه الجناح اليميني المتشدد من التيار المحافظ (ائتلاف إيثار كران) بقيادة الرئيس محمود أحمدي نجاد، ويرى أن هذه الترسانة العسكرية التي بنتها إيران في لبنان وأنفقت عليها 3 مليارات دولار في غضون ربع قرن تقريبا، المفروض أن توضع في احتياطي القوة لإيران، ولا يجوز استعمالها ضد إسرائيل إلا في حالة نشوب حرب بين إيران وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل. وبما أن هذه الترسانة قد استعملت قبل أوانها، ومن دون أن تقع الحرب المذكورة، فقد ربط هذا الفريق موقفه النهائي من الحزب بالتطورات التي ستؤول إليها أزمة الملف النووي الإيراني، مع نهاية شهر أغسطس 2006 موعد انتهاء الإنذار الدولي لإيران بالتوقف عن تخصيب اليورانيوم وإلا تعرضت لعقوبات قد تمهد الأرضية لمواجهة عسكرية بين إيران والولايات المتحدة.

أما التيار الثاني، فهو التيار البرجماتي المؤيد للانفتاح على الخارج، ويتزعمه كل من هاشمي رافسنجاني ومحمد خاتمي، إذا يقول بأنه لم يعد بالإمكان بعد هذه الحرب الإسرائيلية الفظيعة على لبنان تحميل الطائفة الشيعية أكثر مما يلزم حتى لا تنقلب على حزب الله وتحمله المسئولية عن الموت والخراب الذي حل بأبنائها وبقراها وبمصالحها، كما انقلبت في السابق على قوات ياسر عرفات عندما كانت تسرح وتمرح في جنوب لبنان ولا تكترث بمصالح أهله اللبنانيين. وهذا التيار يميل إلى قطع احتمالات نشوب مواجهة ثانية مع إسرائيل من خلال القبول بقرار مجلس الأمن رقم 1701، حتى لو اقتضى الأمر الاستجابة للضغوط الدولية والإقليمية بل واللبنانية بنزع سلاح حزب الله.

مكاسب وتحديات

التداعيات التي تمخضت عن الحرب الإسرائيلية على لبنان لا تخلو من مكاسب عدة بالنسبة لإيران أهمها:

أولا، انكشاف قدرات الردع الإسرائيلية، وفشل إسرائيل في تحقيق نصر عسكري ملحوظ على حزب الله؛ الأمر الذي اضطر الحكومة الإسرائيلية إلى اتخاذ قرارين يعبران عن فداحة هذا المأزق: القرار الأول، يتمثل في توسيع العمليات العسكرية في الجنوب اللبناني، وهو قرار وصفه المراقبون بأنه "قرار اضطراري" في ظل إحساس بتراجع الفرصة لتحقيق إنجاز سياسي مهم يستطيع أن يفرض نفسه على مجلس الأمن للخروج بقرار يتوافق مع الطموحات الإسرائيلية.

أما القرار الثاني، وهو قرار اضطراري أيضا، فيقضي بإقالة اللواء أودي آدم قائد القوات الإسرائيلية في الجبهة العسكرية مع لبنان، وتعيين اللواء موشيه كابلينسكي بدلاً منه، والسبب هو الحذر الشديد الذي سيطر على أداء اللواء أودي آدم وأدى إلى بطء تقدم القوات الإسرائيلية في الجنوب اللبناني.

هذه التطورات في مجملها تعني عدم صعوبة إلحاق الهزيمة بإسرائيل حال دخولها في مواجهة مع قوات نظامية وأن ما يتردد عن قواتها التدميرية الهائلة له حدوده على الأرض ويمكن مواجهته بوسائل قتالية مضادة.

ثانيا، أن الدعوات التي انطلقت خلال الحرب إلى إيران بالتدخل لتسوية الأزمة أكدت نفوذ إيران على الصعيد الإقليمي وقدرتها على التدخل لتسوية الملفات الإقليمية العالقة.

ومع ذلك فلا تخلو الأزمة بدورها من تحديات عدة يمكن أن تواجه إيران خلال المرحلة القادمة، لعل أهمها:

- أن إيران مقبلة على مرحلة حاسمة في أزمة ملفها النووي، لا سيما في ظل حالة الاستنفار التي بدت عليها الدول العربية المعتدلة خصوصا السعودية ومصر ضد النفوذ الإيراني المتنامي في المنطقة؛ الأمر الذي دفعها إلى انتقاد حزب الله، ووصف العملية التي قام بها في 12 يوليو 2006 بأنها "مغامرة لا تتحملها المنطقة". وثمة مؤشرات عدة تؤكد أن السعودية تنظر إلى حزب الله باعتباره امتدادا لإيران، وأنه لا يمكنها تصديق أن حزب الله اتخذ قرار العملية التي قام بها بدون علم الإيرانيين.

- ثمة ما يكشف عن أن تعمد إسرائيل في شن حرب إبادية ضد الشعب اللبناني واستهداف البنية التحتية اللبنانية كان هدفه تحميل حزب الله المسئولية عن نشوب الحرب، ومن ثم تدعيم موقف القوى التي تنادي بنزع سلاح حزب الله، بما يعرضه للانكشاف ليس إقليميا ودوليا فحسب، بل ولبنانيا أيضا، وهو تطور سوف تكون تداعياته سلبية على إيران لأنها في هذه الحالة، سوف تخسر "ذراعها الطولى" في مواجهة إسرائيل، وكان يمكن أن تستند إليها عند نشوب أي مواجهة عسكرية بين الطرفين.

وحتى في حالة تأجيل حسم مسألة نزع سلاح حزب الله، بعد قرار الحكومة اللبنانية في 15 أغسطس برفض نزع سلاح الحزب بالقوة، فإن قرار مجلس الأمن رقم 1701 والذي وافقت عليه كل من إسرائيل ولبنان من شأنه تقليص قدرة حزب الله على تهديد شمال إسرائيل في المرحلة القادمة، وهو ما تدركه إيران جيدا، ومن ثم جاء موقفها من هذا القرار، مشوبا ببعض التردد، حيث أعربت عن تأييدها لأي قرار تتخذه الحكومة اللبنانية، لكنها في الوقت نفسه أيدت حزب الله في تحفظاته على القرار.

وهذا التردد يمكن إرجاعه إلى رغبة إيران في انتظار ما سوف تؤول إليه تطورات أزمة ملفها النووي التي دخلت مرحلة حاسمة بعد قرار مجلس الأمن بتحديد مهلة لإيران حتى 30 أغسطس 2006 لتوقف عمليات تخصيب اليورانيوم وإلا تعرضت لعقوبات، بما يعني أن تطورات أزمة الملف النووي سوف تحسم إلى حد بعيد الموقف الإيراني من حزب الله.


** باحث متخصص في الشئون الإيرانية.

 
 

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع