|

|
|
غالب أبو مصلح - يمينا مع موفد إسلام أون لاين إلى بيروت |
دخلت قضية إعادة إعمار لبنان
وتعويض اللبنانيين المتضررين من العدوان
الإسرائيلي سريعا في السجال السياسي
القائم في لبنان، وتحولت لمساحة صراع
وتنافس جديدة بين "حزب الله" و"تيار
14 آذار" المسيطر على الحكومة.
وفي مقابلة مع إسلام اون لاين.نت،
قال غالب أبو مصلح، الخبير اللبناني في
الاقتصاد السياسي: إن الحكومة اللبنانية
تعمدت أثناء الحرب عدم إمداد النازحين
بالمساعدات الكافية، وذلك من أجل فض
الارتباط بين المقاومة وحزب الله، إلا
أنها سارعت لمد يد العون إليهم عندما
بادر حزب الله إلى تعويضهم ماديا بعيد
الحرب.
أما حزب الله، فيرى أبو مصلح أنه
وإن كان صحيحا أنه يركز على تقديم
الخدمات الاجتماعية والمادية لطائفته
فقط، إلا أن سلوكه الحالي لا يعكس مثل هذا
الزخم الاحتكاري الذي كرسته الطبقة
الحاكمة في لبنان في السنوات الأخيرة ولا
رغبة بعض تيارات هذه الطبقة في الارتباط
بالغرب.
ونوه أبو مصلح، وهو درزي معارض
لتيار وليد جنبلاط، بأن معركة الإعمار
بدأت تأخذ أيضا بعدا تنافسيا خارجيا بين
إيران التي تدعم جهود حزب الله في هذا
المضمار والسعودية وسائر دول الخليج
التي سيكون دعمها المادي لصالح الحكومة
وقوى 14 آذار.
وفيما يلي نص الحوار:-
*الخلافات السياسية
تبدو أكثر حدة في لبنان بعد الحرب،
باعتباركم ناشطا سياسيا وخبيرا في شئون
الاقتصاد، هل لهذا الصراع السياسي
الراهن أوجه اقتصادية واجتماعية يمكن
التطرق إليها؟
- لبنان بلد به تناقضات عديدة
جدا ليس على المستوى السياسي فقط بل حول
الهوية ومفهوم الوطن ودوره بل ومفهوم
المواطنة والدولة، هناك فروق ووجهات نظر
متباعدة جدا في فهم هذه المفاهيم.
ويعود أصل تلك المشكلة إلى عام
1861 عندما تم إنشاء نظام "المتصرفية"
في لبنان تحت رقابة وسيطرة القناصل
الأوروبيين، وبيروت ذاتها بنيت كموطئ
قدم للقوى الاستعمارية. وقد سبق هذه
الخطوة تمهيد بكسب ولاءات من الداخل إلى
الغرب وخاصة فرنسا والنمسا ذات الأغلبية
الكاثوليكية.
وقد نشأت منذ تلك اللحظة طبقة من
وكلاء الشركات الأجنبية والسماسرة
ومستوردي البضائع الأوروبية، وبالتالي
نشأت طبقة رأسمالية كومبرادورية "طفيلية"
ارتبطت فكريا ومصلحيا بالغرب وباتت في
تناقض مع التيارات الشعبية العربية
والبعد العربي للبنان.
هذه التناقضات ما تزال قائمة
حتى الآن، والخلاف الوحيد هو تحول هذه
الفئات إلى الولايات المتحدة وحلفائها
حتى إسرائيل التي لا يجد البعض أنها ليست
عدوا.
القليلون في لبنان هم من يتذكر
مثل هذه التناقضات القديمة/ الحديثة،
وتبقى الإشكالية الفكرية والسياسية
والاقتصادية قائمة في لبنان حتى اليوم.
واليوم هناك تناقضات بين الطبقة
الحاكمة وتوجهاتها وبين الشعب اللبناني،
فلبنان منذ ارتباطه بالغرب في القرن
التاسع عشر نبعت أهميته من أنه بلد منتج
للخدمات يصدرها للمحيط العربي المجاور
ونشط البلد اقتصاديا وماليا وسياحيا
بسبب أن مرفأ بيروت كان الأكثر أهمية في
العمق العربي.
ومنذ ذلك الوقت عاش لبنان كمنتج
للخدمات فقط، لكن أحداث الحرب الأهلية
والاجتياح الإسرائيلي عام 1982 قد أفقد
لبنان سبب ازدهاره الاقتصادي.
وعندما وصل تيار الحريري إلى
السلطة في أوائل التسعينيات لم تلحظ
الطبقة الحاكمة أن حجم التحولات كبير
بالمنطقة والعالم، وعملت هذه الطبقة على
استعادة دور لبنان دون وعي بأن المحيط
العربي وغيره لم يعد بحاجة ماسة إلى
خدماتية لبنان كما كان في السابق.
وفي ذات الوقت بقيت هناك طبقة من
الرأسماليين لم تغير مواقعها أو تحالفها
مع الغرب، وتماشت مع المخططات الغربية
الأمريكية، بينما كانت هناك قوى أخرى
تقدمية وإسلامية تدرك حجم التناقضات
بالدولة، وبدأت تعمل على مواجهة هذه
النزعات الإمبريالية الغربية.
ومن هنا ازداد التناقض في لبنان
بين طبيعة الحكم وبين البنى الشعبية، ولم
تدرك الطبقة الحاكمة أن لبنان بلد يحتاج
إلى تنوع القطاعات السلعية كما الخدمات.
إن هذه الطبقة قد أضافت بذلك
بعدا آخر للقضية المذهبية والطائفية
التي هي صلب النظام، وباتت تستخدم
الطائفية لتخرج الجماهير عن مصالحها
الحقيقية، رغم أن هذه الطبقة هي في الأصل
متعددة الطوائف، لكن مصالحها الاقتصادية
تلاقت معا بشكل ملفت.
*الحرب الإسرائيلية
على لبنان والقصف الجوي لكثير من عناصر
البنية التحتية كان مجالا لتوجيه الكثير
انتقادات لحزب الله بأنه قد ورط لبنان في
حرب لم يكن لها أي دواع في هذا التوقيت،
ما رأيكم في هذا القول بالنظر إلى ما لحق
لبنان من خسائر اقتصادية جراء هذه الحرب؟
- الطبقة الحاكمة تريد القول
الآن إن أصل المشكلة الاقتصادية في لبنان
إنما يرجع إلى أضرار الحرب. صحيح أن للحرب
أضرارا عدة، بيد أنه يلاحظ أن مشكلة
لبنان ترجع إلى حكم الحريري وحلفائه،
فتحت مسمى أيديولوجية الليبرالية
الجديدة، والسياسات الاقتصادية
المرتبطة بالولايات المتحدة، وضعف
البنية الإنتاجية للدولة، ازدادت
المديونية، ودخل لبنان في أتون أزمة
اقتصادية اجتماعية بنيوية بعد أن بلغ
الدين العام اللبناني أكثر من 200% من
الناتج المحلي، وتفاقم العجز في حساب
المدفوعات الجارية، وانخفاض مستوى
الادخار الوطني إلى أدنى مستوياته، إذ
يستهلك اللبنانيون 120% مما ينتجون،
وتراجعت معدلات النمو في السنوات
الأخيرة، وبلغت نسبة الفقر بين السكان 35%،
كما اتسعت الهوة بين الطبقات الاجتماعية،
فهناك من ازداد عنى وهناك من ازداد فقرا،
وأضحى 75% من خريجي الجامعات لا يجدون عملا.
وبعد انتهاء الحرب يسعى تيار
بالدولة إلى تحميل المسئولية لحزب الله
واتهامه بأنه تسبب في تدمير بنية الدولة.
ورغم أن الحرب قد ألحقت خسائر اقتصادية،
إلا أن المتعاونين مع الغرب والولايات
المتحدة يسعون لتضخيم هذه الأضرار
لإلحاق ضرر آخر بحزب الله ذاته والنيل من
شعبية المقاومة في الشارع اللبناني.
*لكن الحرب سببت
بالطبع خسائر اقتصادية كبيرة قدرتها بعض
الجهات الرسمية الاقتصادية بنحو 6
مليارات دولار أمريكي، وتقولون إن بعض
التيارات تحمل مسئولية حزب الله ذلك
للنيل من شعبيته، كيف يمكن حل هذه
المعادلة؟
- الإجابة على ذلك مردها حجم
الأضرار الاقتصادية الكبيرة التي ذكرت
سابقا، وللتوضيح، فإنه قبل الحرب وعبر
السنوات الأخيرة أغلق العديد من المصانع،
وبدت بعض الصناعات على وشك الانهيار مثل
صناعة الألبسة والحياكة، التي كان يعمل
بها نحو 44 ألف لبناني، وهبط هذا الرقم إلى
5 آلاف فقط في العام الماضي.
والمثال الآخر، نجد أن
الإحصائيات اليوم، وبعد الحرب، تتحدث عن
نسبة بطالة تقدر بنحو 40% علما بأنه لم
تصدر قبل الحرب أي معدلات رسمية عن حجم
البطالة في الدولة، كما أننا في لبنان
نصدر أقل من 10% مما نستورد.
يضاف إلى ذلك أن الحرب
الإسرائيلية على لبنان لم تدمر البنية
الصناعية كما يروج البعض، فهي لم تطل إلا
مصانع محدودة تريد إسرائيل أن يتحول
مستوردو بضائعها إلى الشركات
الإسرائيلية.
والقصد أن هناك من يضخم في حجم
الخسائر لهز شعبية حزب الله والاستفادة
من ذلك في أي حوار مستقبلي مع الحزب، وذلك
على عكس الإسرائيليين الذين يقللون من
حجم خسائرهم الاقتصادية، مع العلم أن حجم
الاقتصاد الإسرائيلي يفوق نظيره
اللبناني 6 مرات، وأرى أن خسائر إسرائيل
من هذه الحرب تتراوح بين 20 ـ 25 مليار
دولار، وهذا غير معلن.
*في تقديركم يقدر
حجم الخسائر الاقتصادية التي لحقت
بلبنان جراء هذه الحرب، وهل ما يتم
الحديث عنه حتى الآن من جهود ومساعدات
لإعادة الإعمار تكفل الخروج من هذه
الأزمة؟
- هناك تقديرات متباينة لحجم
الخسائر تتراوح في الحد الأدنى إلى 2
مليار دولار، وفي الحد الأقصى تبلغ نحو 6
مليارات دولار، وفي كل الأحوال فإن حجم
الأضرار إذا قدر بخمسة مليارات دولار،
فإن ذلك يعد 25% من الناتج المحلي الإجمالي.
وأعتقد أن حجم الأضرار الحقيقية
دون هذا التضخيم المتعمد يتراوح بين 3 ـ 4
مليارات دولار، منها إعادة تأهيل أو بناء
الأبنية والمساكن، وتقدر بنحو 750 مليون
دولار، ومنها أكثر من مليار دولار لإعادة
بناء الجسور المدمرة، وهناك أضرار نتاج
توقف أنشطة القطاعات الخدمية الرئيسية،
فضلا عن الأضرار التي لحقت بقطاع السياحة
على وجه خاص، إضافة إلى توقف موسم الحصاد
الزراعي، وهدم بعض المصانع، وغير ذلك.
ومهما يكن حجم الخسائر، فإن
المساعدات التي ستتلقاها لبنان تغطيها
بكثير، بل وربما يستفيد بعض الرأسماليين
من تدفق رؤوس أموال إعادة الإعمار التي
ستنهال من بعض الدول العربية كتعويض عن
موقفها السلبي من المقاومة وعدم قدرتها
على اتخاذ موقف إيجابي لوقف العدوان
الإسرائيلي على الشعب اللبناني وامتصاص
للغضب الشعبي بهذه الدول، وهناك أيضا بعض
القوى الغربية التي ستدعم معاونيها
بالداخل، وأيضا هناك إيران التي ستعوض
خسائر حزب الله وبعض المناطق بالجنوب
اللبناني.
*هل تعتقدون أن جهود
إعادة الإعمار في لبنان بعد الحرب سنكون
سجالا إضافيا يضاف لهذا القدر من السجال
السياسي، وهل يمكن لقوى خارجية أن تستغل
ذلك للإكمال تحقيق أهدافها في لبنان أيا
كانت هذه القوى؟
- في رأيي أنه لا اعتراض على
أموال تأتي من هنا أو هناك طالما تخدم
لبنان وتحافظ على مصالح جماهيريه، فهذه
ليست المشكلة، لكن جوهر هذه المساعدات
يتعلق، إضافة بالطبع إلى طبيعة الالتزام
من بعض الدول بالمشاركة في جهود الإعمار،
ببعد تنافسي خارجي على لبنان، فالسعودية
خاصة والدعم العرب عامة والغربي أيضا
سيكون لصالح الحكومة وقوى 14 آذار على وجه
خاص، أما إيران يأتي دعمها بالأساس لحزب
الله.
المشكلة ليست في المساعدات أو
في إعادة الإعمار، فهذا أمر مكفول
للبنانيين، لكن الوجه الآخر لكل ذلك هو
سعي البعض للقضاء على المقاومة. وأذكر
هنا أن الحكومة اللبنانية قد تعمدت أثناء
الحرب عدم إمداد النازحين بالمساعدات
الكافية، وذلك من أجل فض الارتباط
بالمقاومة وحزب الله لأن الحزب قد تمكن
من أن يكون مبكرا حزبا ذا جماهيرية داخل
أوساطه وخارجها، فاهتم بالقضايا
الاجتماعية، وباتت المقاومة مقاومة
شاملة لمواجهة حلفاء الخارج الغربي، حتى
وإن تحالفت مع سوريا وإيران لمواجهة
الهجمة الأمريكية الشرسة.
وهنا لا بد من التنويه إلى أن
حزب الله ليس حزبا عاديا بل هو حزب تغييري
تطوري ينضج بسرعة ويدرك حجم التحولات
بالداخل اللبناني ويستجيب لها بسرعة،
كما وضح من جهوده الإغاثية رغم كونه في
حالة حرب، وظهر ثانية في سرعة رد الفعل
لإعادة الإعمار بالجنوب، فالحزب يعلم أن
الجوانب الاجتماعية والاقتصادية تمس
شعبيته خاصة في الجنوب، وهو على نقيض هذه
الطبقة الحاكمة، لا تسعى قياداته لتحقيق
مصالح شخصية أو ربط لبنان بالخارج الغربي
المهيمن، فهو يعمل حتى في الجوانب
الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية على
صد هذه الهجمة.
*في هذا الإطار أورد
بعض الكتاب في لبنان أن ثمة صراعا بين
الدولة وبين الحزب ليس فقط على مستوى
الطرح السياسي، بل على مستوى إعادة
الإعمار، لدرجة أن وصفها البعض بضعف
التنسيق بين الجانبين في هذا المجال، فما
تعليقكم؟
- ربما يكون ذلك صحيحًا، لأن
الصراع في لبنان الآن هو صراع على السلطة
وحول السلطة وبين من هم في السلطة، وبذلك
تبقى كل الأدوات قابلة للتطويع
وللاستخدام السياسي كما كان في تواريخ
سابقة في لبنان. هنا نقف أمام صراع بين
حزب الله والقوى الأخرى التي تطالب بنهج
المقاومة وبين الأكثرية، وهي أكثرية
وهمية بالطبع، ترتبط بالخارج، وتروج كل
وسائل الإعلام لإيهام الناس بمخاطر
المقاومة وتوحي بتهديد كيانية الدولة من
لدن حزب الله رغم أنه لا وجود لهذه الدولة
منذ الاستقلال وحتى الآن.
*أعتقد أن من يقولون
إنهم يضخمون حجم الخسائر ويسعون لإضعاف
حزب الله ويرتبطون بالغرب تتكون كتلتهم
من طوائف متباينة، ولبنان بلد يقوم على
تنظيم الطائفية في كل شيء، فهل حزب الله
استثناء من ذلك؟ وثانيا ألا يسعى كل
المسئولين إلى تعظيم مكاسب طائفتهم،
وبالتالي يعملون على صدع الشروخ بها؟.
- لا يمكن رؤية لبنان اليوم فقط
على أنه مركب من الطوائف، إذ طبيعي أن
تنقسم الطائفة فيما بينها، وهنا يبرز
تناقض آخر، وهو أنه طبيعي كذلك أن يخدم كل
مسئول وكل القيادات طائفته بالقدر الأول،
وحزب الله ليس استثناءً في هذا الشأن،
لكن أوجه الاختلاف تكمن في من يحتكر
المال السياسي لتحقيق مصالحه ومصالح
طائفته، التي يسعى لتجمعها أو تجمع
غالبيتها من حوله.
نحن مثلا نجد أن رأسمال السياسي
هو ما يدير شعبية تيار كالمستقبل أو تيار
جنبلاط في أوساط الدروز، وكذا ارتباط
الآخرين من قوى 14 آذار مثل القوات
اللبنانية بأمريكا وبإسرائيل، وهذا أيضا
طبيعي، أما غير الطبيعي فهو أن ينقلب
رأسمال إلى رأسمال احتكاري يدفع أثمانه
المواطن، فقطاع الإعلام محتكر، وكذا
البنى والنفط والدواء، بل إنه لا يوجد
قانون حماية الوكالات الحصرية في العالم
إلا في لبنان، وهذا يضر بكافة المواطنين.
أما حزب الله فصحيح أنه يركز على
تقديم الخدمات لطائفته، إلا أنه لم يدخل
في لب هذه الأنظمة المعقدة للدولة، ويمكن
القول إن سلوكه الحالي لا يعكس مثل هذا
الزخم الاحتكاري الذي كرسته الطبقة
الحاكمة في لبنان في السنوات الأخيرة.
مشكلة لبنان كدولة في الحاصل
الأخير هي أن كل طرف يعتبره وطنه الخاص،
البعض يراه في عروبة لبنان ومقاومة
المشاريع الأمريكية سياسيا واقتصاديا،
والبعض الآخر مثل ميشيل شيحة فيلسوف
الطبقة الحاكمة يختزل لبنان في قوله: "لبنان
إذا استقل اهتز، وإذا رهن يعتز". هذه
مقولة تصر على ربط لبنان بالغرب واعتباره
جسرا أو ممرا أو متجرا وتخليه سياسيا
واقتصاديا عن محيطه العربي والإقليمي.
|