|

|
|
حسن نصر الله.. يتعامل بحذر مع انتقادات تيار 14 آذار |
لبنان يعيش اليوم، بشكل لم يسبق له نظير، مشكلته الأزلية الكامنة
والمتخفية تحت ستار الطائفية والطوائفية، وهي مشكلة ترتبط بالدولة
اللبنانية التي لم تعرف منذ بداية إنجاز استقلالها مركزية قوية أو سيادة
مطلقة للدولة حتى في فترات الرخاء والاستراحة من الحروب، سواء أكانت حروبا
أهلية أم حروبا ارتبطت بالصراع العربي الإسرائيلي.
كأن التاريخ في لبنان يعيد نفسه، إن لم يكن قد توقف، عند ذلك
الصدام الذي عرفه صيف عام 1941 إبان استعداد اللبنانيين بعودة الدستور
وإجراء انتخابات لتشكيل حكومة تعمل لتحقيق استقلال تام، حيث احتدم الصراع
بين الكتلة الوطنية بزعامة إميل إده يسانده الفرنسيون، وكان ينادي
باستقلال لبنان إلى جانب عقد معاهدة مع فرنسا، وبين الكتلة الدستورية
بزعامة بشارة خوري، يسانده الإنجليز آنذاك، وينادي بالاستقلال وبالسير
بخط عربي دون ضمانة من أحد. وبالفعل تم انتخاب بشارة خوري في 21 يوليو 1943، وتم
إنجاز الاستقلال اللبناني.
بين الطائفية والطوائفية
إن هذه الثنائية اللبنانية المتمثلة في الميل بل والتعاون وفي
أحيان أخرى التحالف مع توجه أو طرف خارجي في مقابل آخر داخلي تبقى هي حجر
العثرة المركزي أمام لبنان طوال الخمسين عاما الفائتة، وكانت تكرس هذه
الطوائفية تجاه الخارج في كل مرة يتعرض فيه لبنان لأزمة ما ولا يزداد حالها
إلا سوءا؛ الأمر الذي أضر كثيرا بشكل الدولة اللبنانية ذاتها.
ومنذ الاستقلال في عام 1943 ارتضى اللبنانيون أن تحكمهم بالداخل
الطائفية الدينية، فباتت هي المشكل لكيانات الدولة السياسية والاجتماعية
والاقتصادية والتعليمية والإدارية. سياسيا وفي كل المراحل تم الاتفاق على
توزيع السلطة السياسية على أساس طائفي بحيث يكون رئيس الدولة مارونيا
ورئيس الحكومة سنيا ورئيس البرلمان شيعيا، وعلى أن يتم تقاسم عضوية مجلس
النواب بين المسلمين والمسيحيين.
وتعليميا لا يجوز وفقا للمادة 10 من الدستور المس بحقوق الطوائف من
جهة إنشاء مدارسها الخاصة، لتكرس طائفية التعليم. ووظيفيا وإداريا، لم
يفلح اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية عام 1990 في أن يسقط الطائفية في
وظائف الفئة الأولى بالدولة.
ويبدو أن الجميع في لبنان قد اقتنع بضرورة العيش المشترك في ظل
الطائفية الدينية التي تنظم كافة العلاقات المجتمعية والسياسية
والاقتصادية، وقرر كثير من القيادات المسيحية والإسلامية على السواء
صراحة رفض إلغاء الطائفية لا سيما السياسية.
الطائفية في كل شيء هي من نظمت المجتمع اللبناني بخيار اللبنانيين
وبإرادتهم الحرة وصنعت منهم هذا المكون المعيشي الذي تماسك أمام كل
الأزمات الداخلية، أما أزمة لبنان اليوم فتكمن فيما يمكن تسميته بـ"الطوائفية
السياسية"، إن في الداخل أو الخارج، تمييزا لها عن "الطائفية السياسية".
فاليوم يخرج لبنان منتصرا ورادا لعدوان إسرائيلي غاشم على لبنان
وأرضه، وقد أرادت أمريكا وإسرائيل من خلاله تحويل الشرق الأوسط من "كبير"
إلى "جديد"، وابتغت منه قوى إقليمية هي سوريا وإيران أن تعيد من خلاله
تأسيس شرق أوسط متعدد المحاور يقاوم الهيمنة الأمريكية والمشروعات
الإسرائيلية، وكل هذه الأطراف دخلت الحرب بشكل مباشر أو غير مباشر تحقيقا
لأهداف وأجندات خاصة بها دون النظر جديا إلى اللبنانيين أو ما قد تفعله
الحرب بأهل لبنان. ولم يشفع انتصار المقاومة الذي أكدت عليه كافة التيارات
السياسية المتباينة في لبنان في أن يجتاز لبنان طوائفيته تلك؛ فالدولة
تراوح مكانها من الغياب القسري الذي فرض عليها، بين ريبة وانعدام ثقة تامة
بين فريق تمثله الأغلبية الحكومية، يتوجس من انقلاب على النظام والدولة
القائمة رغم هشاشتها، وفريق آخر يتوجس من انقضاض السياسة الداخلية
والدولية على سلاح المقاومة، ولتكون الدولة ذاتها، إذا أخذنا بعين
الاعتبار القرار رقم 1701 وتداعياته المقبلة، هي محور المواجهة السياسية
الشرسة التي تطل على لبنان في الأيام القادمة.
طوائفية على حساب الدولة
|

|
|
وليد جنبلاط..تبدلت مواقفه من سوريا عبر السنين |
لقد تجذرت بالدولة اللبنانية الآن "طوائفية" جديدة بدأت في
التشكل منذ اغتيال الشهيد رفيق الحريري في 14 فبراير 2005، وما أعقب ذلك من
تحالفات انتخابية، جرت الانتخابات النيابية على أساسها في مايو من نفس
العام.
وتحولت الطائفية السياسية بالداخل اللبناني إلى "طوائفية"
خارجية، اقتضت إلى جوار التجاذبات السياسية والرهانات المصلحية والشخصية،
الاقتران بمحاور أخرى خارجية، بعضها احتمى بالقناع الدولي للتساير مع
الرغبات الأمريكية والدولية، حيث اقتضت طبيعة المصالح من هذا التيار أن
يستغل الحرب لتثبيت كيانية الدولة، وهي الأكثرية الحكومية التي استعجلت،
وقبل الوقف الفعلي لإطلاق النار، طرح قضية نزع سلاح حزب الله على الطاولة
السياسية دونما انتظار لإشعارات ما بعد نهاية الحرب، في استغلال سياسي
مكشوف لانتصار يرون أنه خلّف دمارا هائلا بلبنان، ومن ثم أرادوا مبكرا ما
أمكن أن يقولوا ضمنا بأنه لا يجوز العودة إلى نقطة ما قبل 12 يوليو 2006 (بداية
الحرب الإسرائيلية) في مسألة نقاش سلاح حزب الله.
هذا التيار هو قوى 14 آذار التي تنادي بعدم جواز استمرار ثنائية
الدولة والمقاومة، وتكيف وضع لبنان السياسي داخليا وفق أطر قانونية بعضها
فرض على لبنان فرضا بعد اغتيال الحريري مثل القرار 1559 والقرار 1680، وبعضها
ما ساهمت فيه القوى اللبنانية برغبتها مثل اتفاقية الطائف عام 1990 ثم القرار
الأممي رقم 1701 الذي أنهى الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان. ويرى هذا
التحالف أن خروج لبنان عن قرارات الشرعية الدولية سوف يعرض الدولة
لتداعيات سلبية عديدة.
وداخل هذا التيار تبرز الطوائفية السياسية الداخلية والخارجية في
آن معا. هذه الطوائفية هي ما قادت بزعيم الطائفة الدرزية "وليد جنبلاط"
ألا يعارض الدور السوري في لبنان عام 1990، ثم تحالفه مع كتلة الرئيس رفيق
الحريري في انتخابات 1996 وانتخابات 2000، كما قادت إلى انقلابه على سوريا بعد
التمديد للرئيس إميل لحود في عام 2004، ولم تؤد لاكتفائه بالتحالف مع تيار
المستقبل (سعد الحريري) أو بعض القوى المسيحية مثل "القوات اللبنانية"
(سمير جعجع) في انتخابات 2005، بل تحالف في بعض الدوائر مع حزب الله ومع حركة
أمل. وهي ذات الطوائفية التي قادته اليوم إلى الانقلاب الكلي على حزب الله
وعلى سوريا، حفاظا على شعبيته داخل قوى 14 آذار.
وبنفس المنطق الطوائفي، وطبقا لمن يحقق المصالح، انقسمت الأطراف
السنية على نفسها في انتخابات 2005، فقد تحالفت كتلة المستقبل السنية بعد
صدور القرار 1559 والتجديد للحود مع الحزب التقدمي الاشتراكي بزعامة وليد
جنبلاط، ومع بعض القوى السياسية المسيحية المعارضة، منها القوات
اللبنانية وعدد من الكتل الصغيرة في لقاء "البريستول" الشهير الذي
أفرز هذه الكتلة على الساحة اللبنانية.
ويرى تيار المستقبل أن الحرب وتداعياتها لا يجوز في أي الأحوال أن
تقفز على التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الحريري الذي يحمل التيار
القيادة السورية المسئولية عنها، ويسعى كذلك لفك الارتباط بين سوريا وكل
معارضي القرار 1559 بالداخل اللبناني.
أما التيار الآخر فهو بقيادة حزب الله الذي خاض معركة الدفاع عن
لبنان، كما قاده سابقا إلى تحرير الجنوب. هذا التيار أيضا تعددت روافده
وفقا لأحداث عام 2005 حيث تشكلت كتلة "لقاء عين التينة" التي ضمت القوى
والشخصيات الموالية لسوريا والرافضة للقرار 1559 مثل وزراء حكومة عمر كرامي
السابقة وكل من حزب الله وحركة أمل وبعض القيادات المارونية وقيادات سنية
مثل الجماعة الإسلامية التي فضلت بعد ذلك عدم الدخول بانتخابات 2005.
ويرى هذا التيار الآن أنه من غير المعقول أن يطالب بعض من انتظر
هزيمة الحزب بنزع سلاح حزب الله، وأن لبنان لا يمكن أن يترك دون قوة ردع ما
دام لم يسلح الجيش تسليحا ردعيا، وطالما بقيت الوصايات الخارجية على
لبنان، وطالما لم تنسحب إسرائيل من مزارع شبعا. ويرتبط هذا التيار بعلاقات
مع سوريا وإيران من خلال حزب الله، وهي علاقات أيضا طوائفية تستند إلى دعم
إيران لوجستيا والتقارب الأيديولوجي بينهما، وتحبذ سياسة الإسناد السورية
التي طالما شجعت حزب الله ووفرت له دعما سياسيا.
أزمة الطوائفية اللبنانية تتأجج أكثر وأكثر بعد دخول الرئيس بشار
الأسد بخطاب استفزازي يوم 15 أغسطس 2006 لم يمتدح فيه المقاومة فقط، وهو ما كان
يجب فعله، بل حاول دون مواربة أن يقذف بكل ما امتلكه من نقد قوى 14 آذار، كما
قامت إيران بتصوير انتصار حزب الله، وكأنه انتصار لها في جولة مع الجانب
الإسرائيلي.
قتامة هذه الوضعية تزداد أيضا مع قيام الولايات المتحدة وشركائها
بكافة المحاولات للتضييق على حزب الله، والإيهام المباشر أنها تعمل بنفس
منطق قوى 14 آذار لصالح لبنان، حتى وإن اختلفت مبررات الطرفين، وهو ما يجعل
معظم هذه القوى في ميزان واحد مع الأمريكيين رغم النقمة على السماح
الأمريكي لإسرائيل بضرب كل الأهداف في لبنان دون استثناء.
وعلى ذلك ازدادت التعددية والطوائفية السياسية، وانقلبت إلى
تعدديات وطوائفيات وفقا لتحالفات الداخل وتوجهات الخارج، وبدا التيار
الواحد في لبنان تيارات، وانقلب التعايش الطائفي إلى تعايشات داخل الطائفة
الواحدة. السنة انقسموا بين موال لتيار المستقبل وبين مؤيد للمقاومة ولحزب
الله وبين من فضّل طريقا ثالثا كالحزب الشيوعي أو التنظيم الناصري أو الحزب
القومي السوري؛ فمثل هذه الأحزاب الصغيرة قد استوعبت معظم من لم يرقه الوضع
الجديد من مختلف الطوائف. والموارنة انقسموا بين القوات اللبنانية وقرنة
شهوان والتيار الوطني الحر (تيار عون) الذي تدعمت ركائز تعاونه مع حزب الله
شيئا فشيئا سيما قبيل بداية الحرب الإسرائيلية على لبنان، وتحديدا منذ
تشكيل حكومة السنيورة في منتصف عام 2005. والشيعة توزعوا بين أنصار لحزب الله
وحركة أمل حيث لم تمنع الطوائفية أن تنشب بين الحركتين نزاعات مسلحة بنهاية
الثمانينيات كما حدث على الجانب المسيحي بين العماد ميشيل عون والقوات
اللبنانية أوائل عام 1990، وكذا هناك مجموعة من الشيعة العلمانيين الذين لا
يودون حركة أمل أو حزب الله.
وخلاصة ذلك، فإن مجموع الطوائف اللبنانية الثماني عشرة قد
انقسموا على نحو يزيد عن 46 حزبا سياسيا، ومنذ الاستقلال تم تغيير القانون
الانتخابي أكثر من 20 مرة ليتوافق مع طبيعة توازنات كل مرحلة، كما أنه لا أمل
في إلغاء الطائفية السياسية من الدستور رسميا، وما يزيد الأمور اليوم
تعقيدا هو أن الطوائفية السياسية ذات التوجه الخارجي لم تمكن الحكومة
اللبنانية الحالية حتى قبل اندلاع الحرب من اتخاذ إجراءات تنفيذية في أي من
القضايا محل الاختلاف بين التيارات المتباينة، حيث شلت هذه المحاصصة
المتعددة والطوائفية الجديدة قدرتها على الحركة.
الطوائفية تتكرس أكثر
ومن ثم فإن الطوائفية السياسية الجديدة التي ظهرت داخليا في لبنان
منذ اغتيال رفيق الحريري قد تكرست بمزيد من الاندماج الطوائفي مع قوى
الخارج، وهو ما أفرز كتلتين كبيرتين على الساحة اللبنانية تتشكل كل منهما
من تيارات وطوائف مختلفة، وتتباعد وجهات نظرهما لدرجة كبيرة في كافة أمور
تتعلق بكيان الدولة وشكل النظام السياسي ذاته، بينما غاب تقريبا أصحاب
التيار الثالث الوسطي، وتاه أعضاؤه بين من يحشد للمقاومة ومن يرى ضرورة
وجود دولة تبسط نفوذها على الأراضي اللبنانية كلها، ومن يطالب بالوحدة
الوطنية أو إفراز انتخابات جديدة تؤدي لذلك.
إن لبنان اليوم يحتاج إلى الاستقلال والخروج عن وصاية الآخرين،
ولعل تاريخه في الصمود والمواجهة وتجاربه السابقة في الحروب الأهلية
والنزاعات الطائفية الداخلية تؤكد أن لبنان يجب أن يصبح واقعيا لبنانيا،
لا يتشكل إيرانيا أو سوريا أو دوليا أمريكيا وإسرائيليا.
|