 |
|
حسن نصر الله صاحب رصيد كبير في الشارع العربي |
ألقى حزب الله بكل أوراقه تقريبا
في ساحة الحرب التي أشعلها ضد إسرائيل،
واقترب من معادلة صفرية قد تؤدي به إلى أن
يستمر على الساحة السياسية اللبنانية
كطرف فاعل يمتلك الخبرة العسكرية ومشروعا
للمقاومة، أو كطرف مهزوم نزع عنه سلاحه
وهمش حزبه على الساحة المحلية والإقليمية.
والحقيقة أن التحدي الحقيقي أمام
حزب الله يكمن في نجاحه من الخروج من أسر
تلك المعادلة الصفرية، خاصة أن انتصاره
الكامل في هذه المعركة لن يقدر عليه ولن
يسمح به، لأنه سيكون غير متوائم مع
التركيبة اللبنانية والعربية الحالية،
كما أن خسارته الكاملة لهذه المعركة ستؤدي
إلى هزيمة موازية لقيمة المقاومة في لبنان
والمنطقة العربية، وبالتالي سيصبح التحدي
أمام الحزب هو الخروج من أسر المعادلة
الصفرية هذه قبل الانتصار أو الهزيمة.
ومن ثم فإن قبول حزب الله بمبادرة
نشر الجيش اللبناني في الجنوب عقب
الانسحاب الإسرائيلي، يمثل خطوة صحيحة في
اتجاه الحل الواقعي لتلك الأزمة،
واعترافا بأن على حزب الله أن يعيد النظر
في شكل المقاومة ووسائلها لا في ثقافتها
وقيمها.
صمود المقاومة يعني
انتصارها
إن قيمة صمود حزب الله لا تكمن في
صواب وسائله أو خطئها، ولا في الاتفاق مع
عملية أسر الجنديين الإسرائيليين أو
رفضها، إنما في جدية الخيار الذي اتخذه
الحزب واتساق قادته الكامل مع الشعارات
التي يرفعونها، على عكس النظم العربية
التي رفعت شعارات الرخاء والإصلاح
والديمقراطية وجلبت الفقر والفساد
والاستبداد، وصرخت بشعارات الصمود
والتصدي ضد إسرائيل، ولكنها بنت جيوشا لكي
تحارب في لبنان والكويت ولم تطلق طلقة
واحدة على إسرائيل.
إن حزب الله ربما يكون التجربة
الوحيدة في العالم العربي الواقعة خارج
ثقافة النظم العربية "المعتدلة" و"الراديكالية"
في آن واحد، ولذا فهو مصدر قلق وعدم راحة
للجميع، ولولا الحسابات اللبنانية الضيقة
والضغوط الإقليمية الهائلة لأعاد حزب
الله النظر في شكل تحالفه مع النظام
السوري، ولربما استطاع أن ينقل له بعض
المعاني والقيم السياسية في الصمود
الحقيقي والمقاومة.
إن الصمود البطولي الذي قدمه
مقاتلو حزب الله لم يأت من فراغ أو من نضال
حنجوري عرفته الساحة العربية منذ عصر
الرئيس السادات وحتى الآن، إنما بنى شكل
مقاومته على أساس الأخذ في الاعتبار فارق
القوة العسكرية بينه وبين إسرائيل، ودرس
بعناية قدرات الجيش الإسرائيلي وعرف نقاط
قوته وجوانب ضعفه، وبالتالي حقق نجاحا في
المقاومة والصمود بجديته واتساق بنيته
الداخلية مع الخيارات التي تبناها.
هذا على عكس ما شاهدناه في العالم
العربي على مدار ثلاثة عقود ماضية، حين
طرح مشروعين غير جادين في المنطقة، أحدهما
ادعى المقاومة ومحاربة إسرائيل
والإمبريالية، ولكنه حارب شعبه والشعوب
العربية، وآخر ادعى أنه سيحمل الرخاء
والتنمية والإصلاح والديمقراطية، فجلب
الفقر والاستبداد، وكلاهما جلبا المهانة
لشعوبهم وللأمة العربية.
إستراتيجية جديدة
إنه للخروج من أسر هذه المعادلة
الصفرية لا بد من وضع مجموعة من الخيارات
الإستراتيجية أمام حزب الله ربما تساعده
على إيجاد مخرج مشرف من الحرب البشعة
الدائرة الآن، وربما تضع ملامح مشهد سياسي
عربي لا يبدو فيه حزب الله خارج السرب،
إنما يجب أن يكون هو الصوت الأكثر استقامة
وصلابة وتشددا داخل هذا السرب المسمى
بالعالم العربي.
وأول تلك الخيارات هو السؤال
البديهي الذي يطرح فيما يتعلق بسلاح حزب
الله، وهل هناك مشروعية في ظل نظام
ديمقراطي منتخب، وحالة سلمية مستقرة -ولو
هدنة- مع إسرائيل أن يبقى هذا السلاح خارج
إطار الشرعية والجيش.. الإجابة البديهية
بلا، ولا يوجد دولة عربية أو غير عربية،
وديمقراطية أو غير ديمقراطية فيها هذا
الوضع إلا لبنان، وبالتالي فإن السؤال
الذي يجب أن يطرح على حزب الله أن الوضع
الطبيعي والشرعي هو أن يكون سلاحه جزءا من
الدولة اللبنانية، وأن الاستثناء هو أن
يمتلك تنظيم مقاوم سلاحا، لاسيما بعد أن
نجح في تحرير الأرض اللبنانية من الاحتلال.
إن هذا الوضع الاستثنائي له ما
يبرره حاليا على الأرض، متمثلا في احتلال
إسرائيل لمزارع شبعا، وعدم إفراجها عن
الأسرى اللبنانيين، واستمرار العدوان
الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني، ومن هنا
فإن المطلوب من حزب الله ليس القبول بنزع
كامل لسلاحه، إنما الحصول على شروط خاصة
لعملية انخراطه في مؤسسات الدولة والجيش
اللبناني، نتيجة الوضع الإقليمي
الاستثنائي المتمثل في الاحتلال
الإسرائيلي، لا أن يبدو موقفه وكأنه رافض
من حيث المبدأ لهذه الخطوة.
ولذا لا يبدو مقبولا فك
استثنائية وضع حزب الله وترك دولة أخرى
كإسرائيل تمثل "استثناء" عن العالم
في كل شيء، فهي غير مطالبة باحترام
القانون الدولي ولا الشرعية الدولية ولا
الشرائع الأخلاقية المتعارف عليها في
العالم الديمقراطي وغير الديمقراطي،
وأصبح من حقها أن لا تطبق قرارات الأمم
المتحدة التي تطالبها بالانسحاب إلى حدود
1967، كما أنها تعتبر الانتقام بقتل وتهجير
الأبرياء هو وسيلتها الوحيدة من أجل
البقاء. ومع ذلك، سيحتاج حزب الله الآن أو
غدا إلى غطاء سياسي جديد يبرر انخراطه في
مؤسسات الدولة اللبنانية ويقدم لغة
مقاومة جديدة لا تعتمد في اللحظة الحالية
على المواجهة المسلحة والمنفردة.
تكلفة الحرب
سيحتاج حزب الله إلى مزيد من
الوقت والصبر للملمة جراح آلاف الأسر التي
هجرت واستشهد أبناؤها جراء العدوان
الإسرائيلي في بلد حرر أرضه بمقاومته، ولا
يوجد شعب عربي -بما في ذلك الشعب اللبناني-
على استعداد أن يدفع الضريبة التي تدفع
الآن في لبنان من أجل "قضايا الأمة"،
أو من أجل حسابات إقليمية، فالمؤكد أن
الدعم المادي والسياسي للشعب الفلسطيني
يجب أن يكون هو موقف العرب من المحيط إلى
الخليج، أما التطوع أو الدخول في مواجهة
عسكرية فهو اختيار فردي أو قرار دولة وليس
تنظيمات.
ومن هنا فإنه من المتوقع أن تزداد
نسبة اللبنانيين الذين لن يرغبوا في سماع
أي حديث عن القضايا القومية والإسلامية،
وسيعتبر البعض الآخر أن حزب الله هو
المسئول عن التدمير الذي يشهده لبنان،
وهنا أيضا من الصعب التعامل مع هذا التحول
بنفس اللغة الإيديولوجية السابقة التي
قسمت الساحة اللبنانية قبل العدوان
الإسرائيلي، وسيحتاج حزب الله إلى خطاب
أكثر اتساعا ورحابة يدخله كطرف فاعل في
المعادلة اللبنانية والعربية لا كحالة
استثنائية تفرض أجندتها الخاصة على باقي
الأطراف.
خطاب دعائي وسياسي جديد
بات من المهم على حزب الله أن
يقدم لغة سياسية وإعلامية جديدة تختلف عن
لغة ما قبل الحرب، فبالتأكيد أن حزب الله
لم يعرف طوال الحرب "صحاف" آخر،
وتميزت بياناته بالمصداقية والشفافية
الكبيرة، ولكن عليه قدر الإمكان أن يبتعد
في تحليلاته السياسية عن الخطاب البعثي
بطبعته العراقية والسورية، خاصة بعد أن
تورط بعض قادة حزب الله في معارك مع كثير
من السياسيين العرب عبر الفضائيات يستوي
فيها النصر أو الهزيمة، وستضر بحزب الله
في حال استمرارها، وتجعل انتصاره أو صموده
أمرا غير مرحب به عربيا، خاصة في ظل غياب
شبه كامل للجماهير العربية.
إن العالم العربي يمر بمحنة
قاسية غيبت فيها جماهيره عن ساحة الفعل،
وتواطأ حكامه مع المشاريع الخارجية، وصار
من الضروري أن يكسر حزب الله هذا
الاستقطاب الثنائي الذي يفصله عن باقي
الدول العربية لا أن ينضم إلى مسيرتها
الفاشلة، دون أن يعطي انطباعا أن انتصاره
بالصمود والبقاء سيكون في مواجهتها، إنما
هو انتصار لمرحلة قادمة سيعرف فيها الجميع
قيمة المقاومة -بوسائلها السلمية قبل
العسكرية- باعتبارها الطريق الوحيد
لتحرير الأرض المحتلة وبناء أوطان حرة
وقوية.
لذا فإن المطلوب من حزب الله أن
يتجاوز هذا الخطاب التبشيري الذي يعمق
حالة الاستقطاب في مواجهة ما يعرف بالنظم
المحافظة، وأن يتوافق على قيم الحد الأدنى
التي يحتاج فيها الشارع العربي إلى وجود
مشروع مقاوم لا بالضرورة مشروع حزب الله.
ولأن اللحظة الحالية جمعت بين الاثنين
فعلى حزب الله أن يستفيد بتواضع وبمرونة
أكثر من هذا الرصيد الاستثنائي الذي
امتلكه في الشارع العربي، باعتباره صوت
المقاومة الوحيد خارج فلسطين، في ظل وجود
نظم عربية احترفت التسليم بالأمر الواقع.
والحقيقة أن أمام حزب الله فرصة
لكي يقدم معادلة جديدة لمرحلة ما بعد
العدوان الإسرائيلي، التي عليه أن يتوقع
فيها كثيرا من ردود الفعل المناوئة من
قطاعات يعتد بها في الشارع اللبناني، فهو
يحتاج أن يقدم خطابا سياسيا أكثر انفتاحا
على العالم ينقل فيه معنى تشدده من الحقل
العسكري إلى الحقل السياسي دون أن يتخلى
بالضرورة عن الأول، بحيث يكون "تشددا
محسوبا" ومندمجا في قيم العالم، ولديه
حلفاء من غير الشيعة والمسلمين.
من المؤكد أن خبرة حزب الله
امتلكت بعض الجوانب التي تؤهلها للتطور
لتكون تيارا متشددا بالمعنى التحرري
والديمقراطي للكلمة، خاصة أن الخصم
المقابل لتوجهها أي الإدارة الأمريكية، و"كاديما"
أولمرت، يمثلان أقصى صور التشدد والتطرف،
ولكن لأن بيدهم القوة و"الحكم الدولي"
اعتبروا هذا التشدد هو "المسطرة"
التي يقيسون بها العالم، وبدت المفارقة
هائلة أن تلك القوى المتشددة أمريكيا
وإسرائيليا ترغب فقط أن يكون شركاؤها على
الجانب العربي والإسلامي من المعتدلين.
هذه المفارقة تعطي لحزب الله
فرصة تاريخية لكي يلعب دورا سياسيا متشددا
يعيد التوازن على الساحة العربية، ولكنة
التشدد القادر على التأثير والتفاعل
النقدي مع المنظومة العالمية، وسيصبح
مطالبا بإبداء درجة أكبر من المرونة تجاه
قدرته العسكرية الواقعة خارج المؤسسات
الشرعية اللبنانية، وهنا سيصبح الجميع
مطالبين بالحفاظ على الجانب المقاوم من
حزب الله وبالتالي جانب من قوته العسكرية
واختيار الصيغ المناسبة لدمجه داخل الجيش
اللبناني.
إن حدود انتصار حزب الله في هذه
المعركة كمنت في أن لا يخرج منها مدمرا في
قدرته العسكرية جريحا في كبريائه، ولكن مع
صموده البطولي والخسائر التي مني بها
الجانب الإسرائيلي، أصبحنا من المؤكد
أمام انتصار لحزب الله على الأرض، حتى لو
كان باهظ الكلفة على مستوى الشعب اللبناني.
ولذلك عليه أن يحافظ على بقائه
وعلى مشروعيته الأخلاقية والسياسية، وأن
يقوم بإبداء أقصى قدر من المرونة في أي
مفاوضات غير مباشرة مع الجانب العبري من
أجل تبادل للأسرى بين الجانبين وعندها
سيمثل هذا الموقف اعترافا ولو غير مباشر
بانتصار حزب الله ودخوله في مرحله جديدة
لا بد أن يعيد فيها حساباته ويراجع خطابه
السياسي والدعائي، دون أن يفقد قيمته
كحركة مقاومة فذة واستثنائية في التاريخ
العربي المعاصر.
|