English

 

الخميس 17 ذي القعدة 1427 هـ -07/12/2006 م

العراق » المنطقة العربية » تحليلات وآراء
أرسل لصديق
روابط من إسلام أون لاين
 أهم الأخبار

 

توصيات لجنة بيكر لحفظ ماء وجه الدولة العظمى

خطة بيكر: حاور أعداءك طالما فشلت في قتلهم!

محمد جمال عرفة**

بوش ولجنة بيكر - هاميلتون .. هل يتجه لانسحاب بطعم الهزيمة من العراق؟

رغم أن تعاليم المحافظين الإنجيليين الجدد المؤثرين في إدارة الرئيس بوش منذ عام 2000 تقوم على مهاجمة الخصوم وتدميرهم، وعدم التردد في خلق فوضى في أي مكان في العالم طالما أن محاربة "محور الشر" ستكون "بناءة" في نهاية الأمر وتعود على المصالح الأمريكية بالفائدة، فقد أدت النتائج الفاشلة المترتبة على هذه السياسية في كل مكان في العالم لانقلاب في تكتيكات هذه الإستراتيجية لتصبح النظرية الجديدة هي: "حاور أعداءك طالما فشلت في قتلهم".

هذا التكتيك الأخير هو بالضبط ما توصلت له "مجموعة دراسة العراق" المشكّلة من مجموعة من خمسة من الديمقراطيين وخمسة من الجمهوريين حول العراق، والتي يرأسها وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جيمس بيكر (جمهوري)، ولي هاميلتون عضو مجلس النواب السابق (ديمقراطي)، والتي أصدرت الأربعاء 6 ديسمبر 2006 توصياتها النهائية بالدعوة إلى انسحاب تدريجي للكتائب الأمريكية الخمسة عشرة الموجودة الآن في العراق، لكن بدون وضع جدول زمني ثابت لانسحابها.

وأصبح بيكر هنا هو الحل الوسط أو المنقذ أو "المخلص" للسياسة الأمريكية الفاشلة، وراعي عملية تجميل الوجه الأمريكي بسلسلة توصيات تدعو للحوار وتسعى لإنقاذ ماء وجه الإمبراطورية الأمريكية التي قامت على استخدام القوة وجلبت الكراهية لصورة أمريكا في العالم.

فقبل ذلك كانت تسود "نظرية تشيني" وأصحابه من اليمين المحافظ القائمة على قول تشيني لزملائه في مجلس الأمن القومي: "إننا لا نتفاوض مع الشر.. إننا نهزمه". أما بعد الهزائم الأمريكية والفشل المتتالي في أفغانستان والعراق ولبنان، أصبحت نظرية بيكر القائمة على الحوار هي الحل.

أبرز ملامح خطة بيكر المعلنة تتلخص في:

1- سحب القوات الأمريكية من مسرح المعارك مع حلول الربع الأول من 2008 وتحويل دورها من العمليات القتالية إلى تقديم الدعم والتوجيه وتدريب القوات العراقية، مع بقاء وحدات للعمليات الخاصة بهدف مواجهة قوات القاعدة بشكل خاص.

2- عقد مؤتمر إقليمي لإعادة الاستقرار إلى العراق يمكن أن يؤدي إلى محادثات وحوار مباشر بين الولايات المتحدة وكل من إيران وسوريا.

3- الدعوة إلى خطة شاملة لإقرار السلام في الشرق الأوسط تشمل حل القضية الفلسطينية، وذلك في إطار توجه إقليمي أوسع لإعادة الاستقرار إلى العراق.

ويمكن القول من خلال تتبع تصريحات الرئيس بوش وأركان حكمه فيما يتعلق بقبول هذه التوصيات أو تحويرها أو تعديلها والإضافة عليها -خصوصا في ظل وصف البيت الأبيض هذه التوصيات بأنها ليست "وصفة سحرية"- إنه ستكون هناك ملامح إضافية (سرية) غير معلنة بجانب خطة بيكر تتلخص في:

1- السعي لتعظيم سياسة "الجزرة" فيما يخص الصراع في العراق والشرق الأوسط ككل، عبر تقديم "وعود" بحل شامل لقضية فلسطين للأصدقاء العرب مقابل تحفيزهم على التدخل بصورة أكبر في العراق (على غرار ما حدث عام 1991) سواء بإقناع الأطراف المعنية بوقف القتال وتلجيم المقاومة العراقية السنية، أو بقبول الطرح الأمريكي القديم المتعلق بنشر قوات عربية في العراق كبديل للقوات الأمريكية ضمن ما يعرف بالمؤتمر الدولي بشأن العراق.

2- تعظيم فكرة (الهلال السني) المشكل من دول الخليج ومصر وسوريا والأردن، والذي تقوده أمريكا في مواجهة (الطوق الشيعي) المتعاظم في إيران ولبنان والعراق خصوصا بعدما بدأ مسئولون إيرانيون يطرقون الأبواب العربية بالدعوة للتحالف مع إيران ضد أمريكا وليس العكس.

3- تقسيم العراق عمليا لثلاثة مناطق عبر اتحاد فيدرالي، وفق ما تسرب من مسئولين كبار وصحف (التايمز) بما يخدم المصالح الأمريكية في المنطقة في نهاية الأمر، بحيث تبقى القوات الأمريكية في الشمال الكردي، ويتم تقنين الأوضاع الحالية التي تتجه لحرب أهلية شاملة لتقسيم ثنائي بين قسمين: شيعي في الجنوب والوسط، وسني في الوسط والشرق والشمال.

تحركات مبكرة

ولأن محور هذه الخطة يقوم على محاورة الأعداء (إيران وسوريا) وحشد الأصدقاء، فقد بدأ التمهيد لهذه السياسة الجديدة في صورة العديد من التحركات المبكرة أبرزها: دفع الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان للترويج لفكرة عقد مؤتمر دولي عن العراق، وتصريح مسئولين أمريكيين أن هذا المؤتمر فرصة للحوار مع إعراب مسئولين آخرين عن رفض إدارة بوش محاورة إيران وسوريا بشكل مباشر، إضافة لزيارة جورج بوش للأردن وزيارة الرئيس العراقي لإيران، وزيارة رئيس وزراء تركيا لسوريا وإيران، وزيارة وزيرة الخارجية الأمريكية لعدة دول عربية، وزيارة ديك تشيني نائب بوش للسعودية ودول الخليج.

هذه التحركات المبكرة استهدفت الاستعداد لإعلان توصيات مجموعة بيكر- هاميلتون، والسعي لإيجاد حلول جديدة للوضع بالعراق بصورة تحفظ ماء وجه الولايات المتحدة الأمريكية، وتبدو في الوقت نفسه كخطة كاملة لترتيبات جديدة في الشرق الأوسط من ضمنها إقرار خطة السلام بين تل أبيب والفلسطينيين، والانفتاح بالعملية الدبلوماسية على جهات إقليمية مثل إيران وسوريا بعد رفض أمريكي سابق لطلبات سورية وإيرانية بفتح حوارات.

واللافت هنا أنه لا تعارض بين واضعي خطة بيكر وبين ما تفعله إدارة بوش من أجل الخروج من مأزق العراق ومأزق تشويه صورة الولايات المتحدة في العالم، وليس صحيحا أن مجموعة تسوية العراق تسعى لوضع توصيات في الهواء لن تجد لها أرضا على الواقع، وإنما هناك تنسيق تام وتكامل أدوار، رغم الطابع غير الملزم لهذه التوصيات.

فجيمس بيكر تحدث بوضوح قبل توليه هذه المهمة بأن هناك توافقا بينه وبين الرئيس بوش، والمحللون الأمريكيون يقولون بصراحة إن خطة بيكر تمثل جزءًا من خطط لوزارة الخارجية الأمريكية لـ "التواصل" مع الإيرانيين والسوريين بما لا يضر بالهيبة الأمريكية في نهاية المطاف ويجعل أمريكا مستمرة في أداء دور مؤثر في المنطقة ودون أن تخرج منها.

ولو وضعنا في الاعتبار أن بيكر كان بمثابة مستشار للرئيس بوش الأب وعائلة بوش منذ سبعينيات القرن الماضي، كما أنه هو الذي ترأس الفريق القانوني الذي تغلب على اعتراضات الديمقراطيين على انتصار بوش الابن في فلوريدا في عام 2000، لأصبح مفهوما الدور الذي يلعبه بيكر بوضوح بالتنسيق مع إدارة بوش للخروج من ورطة العراق.

الانسحاب الشامل.. مؤجل

ورغم قناعة كافة المسئولين الأمريكان وأعضاء لجنة بيكر -هاميلتون بأهمية الانسحاب من العراق بعدما أصبح مستنقعا كبيرا للجيش الأمريكي، فالخيار الأمريكي -خصوصا الرسمي- يصب في خانة (عدم الانسحاب الآن)؛ لأن الانسحاب الكامل سيعتبر هزيمة عسكرية لأكبر دولة في العالم وسيترتب عليه تطورات سياسية هامة في العالم، كما أن أضراره لن تقف عند حد العراق، ولكنها ستمتد لتشمل المصالح الحيوية الأمريكية في المنطقة خصوصا نفط الخليج.

فقيادة الأركان المشتركة تؤكد أن انسحابا أمريكيا سريعا من شأنه أن يفتح الباب أمام حرب أهلية شاملة، ووزير الدفاع الجديد رغم إقراره بالهزيمة الأمريكية هناك فهو يؤكد الحاجة لانسحاب "سلس" و"مبرمج" أي تدريجي دون أن يكون انسحابا كاملا؛ لأن الوضع في العراق، خلال العامين المقبلين على حد قوله: "سيعيد تشكيل منطقة الشرق الأوسط برمتها لسنوات". كما أن "الوضع الجيو-سياسي العالمي سيتأثر أيضا بما ستئول إليه حال العراق، إلى جانب تأثر العراقيين والأمريكيين مباشرة".

وكما أنه من الملاحظ أن كبار قادة الكونجرس الديمقراطيين الفائزين مؤخرا قد خففوا الحديث عن انسحاب فوري، وركزوا على إيجاد حل لقتل الجنود الأمريكيين هناك، فمن الملاحظ أيضا أن خطة "مجموعة دراسة العراق" التي يشارك فيها الحزبان الرئيسيان لم توصِ بوضع آجال واضحة، وتحدثت بدلا من ذلك عن انسحاب مبرمج، وعن بقاء قوات بهدف تدريب العراقيين وتلافي انهيار الحكومة المركزية الضعيفة.

صحيح أن الجميع يدرك أن السياسة الأمريكية في نهاية الأمر سوف يقررها الرئيس بوش والكونجرس، ويتحدثون عن احتمالات ألا يطبق بوش من توصيات اللجنة إلا ما يراه مناسبا لسياساته، خصوصا أنه ضرب المنبر في العاصمة اللاتفية "ريجا" بقبضته قائلا: "ثمة شيء واحد لن أقوم به، لن أقوم بسحب القوات من ساحة المعركة قبل إتمام المهمة". ولكن الصحيح أيضا أن عدد المطالبين بسحب فوري للقوات ضئيل أو هو مستمر في الضآلة بسبب تقارير استخباراتية عن خسائر أكبر في حالة الانسحاب الآن.

ولذلك يتحدث الجميع الآن تقريبا عن أن الخيار الأفضل للولايات المتحدة في العراق يكمن في القيام بجهود طويلة الأمد لتدعيم الإدارة السياسية في العراق والجيش لمواجهة أعداء الولايات المتحدة، وعلى رأسهم "المتطرفون" السنة والقاعدة، ويتحدثون عن الإكثار من سياسة "الجزرة" بإغراء أصدقاء واشنطن العرب على التدخل لحل ورطة العراق مثلما ساهموا من قبل -علنا أو ضمنا- في ترتيبات عملية احتلال العراق.

ومن ثم، فالمهم ليس توصيات خطة بيكر التي لا تعدو أن تكون مجرد توصيات لإحدى اللجان التي أعتاد الأمريكيون على تشكيلها منذ القرن التاسع عشر، وقد تنفذ بعض توصياتها أو يتم تجاهلها، ولكن الأكثر أهمية هو ما بعد إعلان الخطة من تحركات أمريكية باتجاه عقد مؤتمر دولي للعراق أو فلسطين.

فهذه التحركات هي الأَوْلى بالاستعداد لها من الجانب العربي وطلب ضمانات لأي تحرك عربي، وألا تكرر الحكومات العربية أخطاء عام 1991 حينما ساعدت في ضرب حكومة العراق على أمل تسوية قضية فلسطين، فلم تحصد سوى المساهمة في تعظيم المصالح الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة.


** محلل الشئون السياسية بإسلام أون لاين.نت

 
 

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع