English

 

الإثنين 22 شوال 1427 هـ -13/11/2006 م

العراق » المنطقة العربية » تحليلات وآراء
أرسل لصديق
روابط من إسلام أون لاين
 أهم الأخبار

 

حل مأساة العراق.. فيدرالية في إطار المواطنة

رجائي فايد**

العراق في ظل الاحتلال الأمريكي يعود إلى عصر ما قبل الدولة

رغم كل ما وجه إلى صدام حسين ونظام حكمه من ممارسات دكتاتورية وقمع للأكراد وللشيعة على السواء -وهي ممارسات صحيحة في معظمها- فإنه كانت هناك دولة اسمها العراق، ونظام حكم فردي، ومؤسسات بيدها القرار، وشعب ليس أمامه سوى الامتثال أو الرحيل عن العراق، ولكن عندما سقط النظام ورأسه في 9 إبريل 2003 دخل العراق في فراغ تام، وتقدمت مراكز متباينة لملء هذا الفراغ ليصبح القرار بيد الزعامات العشائرية والمرجعيات الدينية، وليتقهقر العراق إلى عصر ما قبل الدولة الحديثة.

وفي ظل هذا الوضع الجديد انطلق المارد الطائفي ليطيح بأي تماسك وطني، وليتحول العراق تدريجيا إلى جزر معزولة عن بعضها، ولتتحقق فيه مقولة الملك فيصل الأول التي ذكرها ضمن خطاب له عام 1932: (وفي هذا الصدد أقول وقلبي ملآن أسى: في اعتقادي لا يوجد شعب عراقي بل توجد تكتلات بشرية خالية من فكرة وطنية ومشبعة بتقاليد وأباطيل لا تجمع بينهم جامعة، سماعون للسوء، ميالون للفوضى، مستعدون للانقضاض على أي حكومة كانت.. فنحن نريد والحالة هذه أن نشكل من هذه الكتل شعبا نهذبه وندربه ونعلمه.. وهذا هو الشعب الذي أخذت مهمة تكوينه على عاتقي وهذا نظري فيه).

ولم تمهل الأقدار الملك فيصل الأول حتى يحقق ما أراد إذ توفي بعد هذا الخطاب بشهور، وفيما بعد لم ير العراق حاكما ينفذ ما كان فيصل الأول يريد تنفيذه.

لعنة الملف العراقي

قد يقول البعض: إن الشعب العراقي خلال فترة حكم الرئيس السابق صدام حسين كان في ظاهره سبيكة متماسكة، ولم يكن هناك حديث عن طائفية بالعراق. والحقيقة أن الطائفية خلال هذا الحكم لم تعالج بل قمعت بقسوة، وكتمت في قمقم محكم الإغلاق، وبمجرد إزاحة الغطاء عنه خرج المارد الطائفي ليجعل العراق جحيما على أبنائه ويدفعهم دفعا إلى الرحيل عنه، حيث تورد بعض التقارير أن 3 آلاف عراقي في المتوسط يهاجرون يوميا إلى خارج العراق، معظمهم من الخبرات الهامة كالأطباء وأساتذة الجامعات لدرجة أن المستشفيات لم تعد تجد طبيبا يعمل فيها، وكذلك الجامعات أصبحت تعاني من فقر شديد في الكوادر التدريسية.

ومن ناحية أخرى طالت لعنة الملف العراقي كل من يقترب منه.. فها هو مهندس الحرب على العراق دونالد رامسفيلد قدم استقالته، والحزب الجمهوري فقد في الانتخابات التكميلية الأخيرة أغلبيته في مجلسي النواب والشيوخ، ورغم تعمد إصدار الحكم بالإعدام على صدام حسين قبل تلك الانتخابات بيومين خدمة للحزب الجمهوري في معركته الانتخابية فإن لعنة العراق كانت أقوى من أي محاولة للتداوي، فكان السقوط المدوي للحزب الجمهوري الذي يمهد لخروجه من البيت الأبيض في الانتخابات القادمة، وبدأ الحديث يتردد عن تغيير في الإستراتيجية الأمريكية إزاء العراق.

والغريب أنه إذا كان قد قصد من توقيت هذا الحكم (على صدام) خدمة الحزب الجمهوري فإنه قد أثر سلبيا على العراق بصب مزيد من الزيت على الحريق العراقي.

لعنة العراق أصابت رامسفيلد ومن قبله الحزب الجمهوري الأمريكي

فالخيارات التي يدفع إليها العراق دفعا تتفق فيما بينها في النوع ولكنها فقط تختلف في الدرجة، وكلها خيارات كارثية تتراوح بين التقسيم والحرب الأهلية والفوضى الشاملة لتجعل العراق يُقرأ في كتب التاريخ، ويتبخر اسمه من كتب الجغرافيا، ولا نبالغ فيما نقول لأن أحداث الشارع العراقي هي التي تقول.. القتل على الهوية.. التفجير على الهوية.. الفرز السكاني الداخلي، فالعرب السنة يهجرون قسرا من مناطق الشيعة، والعرب الشيعة يهجرون قسرا من أماكن السنة، وكذلك العرب الأكراد.. والمسلمون والمسيحيون.. وهكذا، وبالتدريج يتحول العراق إلى جزر منعزلة عن بعضها مما يجعل من تقسيم العراق إلى دويلات أو "كانتونات" مسألة وقت وإجراء فقط.

ولنتأمل ما تسرب من تقرير لجنة الكونجرس الأمريكي برئاسة وزير الخارجية الأسبق جيمس بيكر. لقد شكلت تلك اللجنة من أجل بحث ودراسة أبعاد المستنقع العراقي وكيفية الخروج المشرف منه أمريكيا وعراقيا، وافترضت اللجنة ثلاثة خيارات:

الأول: تقسيم العراق إلى ثلاثة أقاليم -شمالي وأوسطي وجنوبي- تابعة لحكومة فيدرالية في بغداد.

أما الثاني فكان يتعلق بفتح قنوات أمريكية دبلوماسية مع كل من إيران وسوريا كي يكون لكل منهما دور في العراق.

ويتطرق الخيار الثالث إلى تخلي الولايات المتحدة عن فكرة الديمقراطية في العراق واللجوء إلى حل غير تقليدي.

وفي تصوري أن هذا الحل يكمن في تشجيع قيام انقلاب عسكري في العراق يطيح بالمؤسسات القائمة، ويعطل العمل بالدستور تحت مبرر (إنقاذ العراق من الفوضى). وقد سبق أن نوهنا باحتمال حدوث ذلك مبكرا في مقال: (العراق.. "الانقلاب العسكري" حلا؟!) الذي نشر على شبكة إسلام أون لاين.نت يوم 25-3-2006.

التقسيم أقرب للواقعية

وإذا تأملنا هذه المقترحات واحدا تلو الآخر نجد أن أقربها واقعية هو مقترح تقسيم العراق إلى أقاليم دون أن يحدد عدد هذه الأقاليم بثلاثة لأن الدستور العراقي في المادة 3/1 (يتكون النظام الاتحادي في جمهورية العراق من عاصمة، وأقاليم، ومحافظات لامركزية، وإدارات محلية)، وأعطى الدستور الحق لمحافظة عراقية واحدة أو أكثر بتشكيل إقليم قائم بذاته، ويتبع الحكومة الاتحادية ضمن شروط معينة.

ولأن الدستور العراقي تمت الموافقة عليه شعبيا في أكتوبر 2005 فإن هذا المقترح الذي تقدمت به لجنة بيكر -متوافقة مع ما جاء في الدستور العراقي الدائم- هو الأكثر توافقا مع ظروف وتكوين المجتمع العراقي الفسيفسائية، في حين أن المقترح المتعلق بدور إيراني سوري في العراق قد يزيد الأمور تعقيدا واشتعالا لأن لكل من الدولتين حزمة من المصالح داخل العراق ستسعى بكل تأكيد إلى تحقيقها، وهنا سيحدث التصادم مع مصالح طائفية داخل العراق.

أما المقترح الثالث المتعلق باللجوء إلى حل غير تقليدي فاستنتجنا منه أنه تشجيع لقيام انقلاب عسكري، فقد يرى البعض من الوهلة الأولى أنه أشبه باللجوء إلى مبضع الجراح بعد أن استنفد مفعول الدواء، فالعراق بحكم تكوينه لا يصلح معه إلا رجل قوي يحكمه بالحديد والنار كصدام حسين أو الحجاج بن يوسف الثقفي، وهي مقولة تتردد بقوة في كافة الأوساط، لا خروج للعراق مما هو فيه إلا برجل قوي يلجمه ويكبح جماح شعبه.

ومع رفضنا المطلق لهذه الفكرة فإن تأمل الجانب العملي منها يؤكد لنا استحالة ذلك، إذ أين هذا الرجل القوي القادر على القيام بهذه المهمة، فالجيش العراقي الجديد مخترق من كافة الطوائف وولاءاته متعددة، ويكفي أن نذكر هنا أنه بعد الحكم بإعدام صدام حسين رأينا جنودا في الجيش العراقي على شاشات التلفاز ينددون بهذا الحكم وآخرين يرحبون به.

معنى ذلك أن خيار تشكيل الأقاليم هو الخيار الأكثر واقعية وإمكانية للتحقق بأقل قدر من الخسائر، وهو خيار دستوري كما سبق أن أوضحنا.

والواقع العراقي يؤكد أن الوقت ليس في صالح العراق فلا مجال للانتظار، فأي مواطن عراقي يخرج من بيته باحثا عن رزقه لا يضمن العودة إلى بيته من جديد.

والعجيب أن كل متابع لما يجري على الساحة العراقية يخشى على العراق من الحرب الأهلية، وإن لم يكن ما يجري من الحرب الآن فماذا يكون إذن؟! ماذا يمكن أن نطلق على التفجيرات التي تطال إلى حسينيات ومراقد شيعية مقدسة، وتلك التي تطال إلى مساجد سنية، والمفارز (نقاط التفتيش) التي تتشكل فجأة في منطقة ما وتختفي فجأة، ولا يعلم المار لأي جهة تتبع تلك المفرزة حتى يهيئ لنفسه التعامل الآمن معها، وتلك الجثث المجهولة التي توجد كل يوم في نهر دجلة أو على قارعة الطريق، والاختطاف الجماعي لعمال بؤساء من أمام مصانعهم، بل تلك الفتاوى التي صدرت محرمة الزواج المختلط مما أدى إلى انهيار آلاف الأسر العراقية نتيجة لطلاق الزوجة الشيعية من زوجها السني أو العكس؟... ومظاهر أخرى كثيرة تزداد تفاقما، كلها كفيلة بأن تقنع الجميع بأن العراق دخل بالفعل أتون الحرب الأهلية الطائفية، ولا أمل يرجى ممن يتصدرون العمل السياسي فأغلبهم طائفيون، أما رجال الدين هنا وهناك فإن أقوالهم وفتاواهم تزيد من اشتعال الحريق، وما وثيقة مكة سوى تظاهرة دينية لن تسفر عن شيء... إذن ما العمل؟.

إشكاليات الحل الفيدرالي

عراقيون سنة يتظاهرون ضد تطبيق الفيدرالية بالعراق أكتوبر 2005

ولا يبدو -إجابة على ذلك- سوى الحل الفيدرالي، هذا الحل ليس اختراعا عراقيا ولكنه شكل من أشكال الحكم يطبق بنجاح في دول متعددة الثقافات كالولايات المتحدة وسويسرا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وغيرها، بل إن هذا النموذج يطبق بنجاح كبير في دولة الإمارات العربية المتحدة.

إن فكرة الفيدرالية ليست في أصلها أمرا مطروحا على العراق من الخارج، وليس اختراعا للجنة بيكر، بل إن أول من طرحها هم أكراد العراق.

وأذكر في هذا الصدد أنه خلال إحدى زياراتي إلى كردستان العراق عام 2000 تحاورت مع الدكتور رزو نوري شاويس -رئيس البرلمان الكردي حينئذ- وطرحت عليه مقترحا مفاده: لماذا التمسك بالنص الحرفي لكلمة الفيدرالية وبالإمكان الاقتراب من مضمونها بتطبيق بنود اتفاقية الحكم الذاتي بعد إدخال بعض التحسينات عليها؟ وكانت إجابته بأن أكراد العراق لا يثقون في الحكومة لأنها كثيرا ما نقضت اتفاقيات عقدت معها، لذلك فإن الأكراد يريدون للدولة العراقية أن تعلن كدولة فيدرالية، وتسجل في الأمم المتحدة بهذا الاسم ليكون ذلك بمثابة ضمانة إضافية لهم، وقد طرحوا هذه الفكرة، وتمت الموافقة عليها في كافة مؤتمرات المعارضة التي عقدت قبل سقوط النظام.

لكن الحل الفيدرالي وحده ليس هو الحل السحري للمأساة العراقية؛ إذ يحتاج إلى ضمانات تكفل له النجاح.

لا بد من التوصل إلى حل لمشكلة السنة العرب وهم أشد المعارضين لفكرة الفيدرالية، ويستحيل أن يتحقق أي حل في العراق في ظل رفضهم، وهم قسم هام من تكوين الشعب العراقي، وكانوا يشكلون النخبة السياسية والعسكرية الحاكمة في العراق منذ تأسيسه عام 1921 وحتى إبريل 2003، وعندما سقط النظام دخلوا في حالة متساوية من التهميش (يلاحظ أننا نستخدم لفظ متساوية كثيرا لأن حال العراق بأكمله كذلك)، وكأنهم يسددون استحقاقات تاريخية للآخرين، لذلك انطلق الرفض لما يحدث في البداية من مناطقهم، وانطلق العنف أيضا مقاومة أو إرهابا من بين صفوفهم.

ووراء رفضهم لفكرة الفيدرالية عدة أسباب، منها أنهم يعيشون في وهم مفاده: أن ما يحدث في العراق الآن هو أمر طارئ حتما سيزول، وسيعود العراق إلى ما كان عليه، لذلك فمن الواجب الحفاظ على العراق موحدا مركزيا، وهم على يقين من أن العودة مرتبطة برحيل الاحتلال الذي بدأت بوادره تلوح في الأفق.

ولكن في حقيقته الأمر هم واهمون في هذا التصور، فالعراق لم يعد هو العراق الذي كان، سواء في مكوناته أو أفكار طوائفه، ومن ثم يستحيل أن تعود الأمور إلى ما كانت عليه قبل سقوط النظام، كما أن رفض العرب السنة في معظمهم للفيدرالية يتعلق بتواجد أغلبيتهم بمنطقة صحراوية فقيرة الموارد في غرب العراق بعكس مناطق العراق الأخرى الغنية بالثروات النفطية، ومن ثم فالتقسيم يعني حرمانهم من تلك الثروات.

ولأنه -كما سبق- يستحيل التوصل إلى حل عراقي في ظل رفض العرب السنة فيجب العمل على إقناع العرب السنة بفكرة الفيدرالية كأمل لإنقاذ العراق وإدخال الطمأنينة إلى قلوبهم سياسيا واقتصاديا، وفي نفس الوقت فإن من حقهم رفض الانخراط في الفيدرالية وتكوين إقليم أو أكثر، وبإمكانهم البقاء ضمن محافظاتهم الحالية التي كفل لها الدستور حقوقا إدارية ومالية واسعة.

هناك ضمانة أخرى لإنجاح الفيدرالية والعمل على توفرها وهي مسألة "المواطنة" العراقية، ففي غيابها تصبح الفيدرالية مرادفة بالفعل للتقسيم، وتعاني "المواطنة" العراقية حاليا من هشاشة بالغة جعلت الانتماء الطائفي يعلو على المواطنة، وإن بقي العراق على حالته الطائفية تلك فإن التقسيم آت لا محالة وربما ما هو أسوأ من ذلك سواء أخذ بنظام الفيدرالية أم لا، ولن يُنقذ العراقُ مما هو فيه ومما ينتظره إلا بترسيخ فكرة المواطنة في أذهان وقلوب الجميع.

ويحتاج الأمر إلى جهود جبارة من أناس مخلصين يقدمون حب العراق على أي شيء آخر. ويمكن تحقيق ذلك بحكومة وطنية من التكنوقراط، لا يعرف عن أي فرد فيها سوى أنه عراقي فقط، وتدير هذه الحكومة شئون العراق على قاعدة المواطنة الكاملة دون التفرقة بين فرد وآخر بسبب العرق أو الدين أو المذهب، وسيكون عملها تحت إشراف ورقابة البرلمان الذي هو طائفي بحكم أنه إفراز للتكوين الطائفي للشعب العراقي، بذلك يصبح هناك إمكانية لترسيخ فكرة المواطنة العراقية لدى العراقيين، ومن ثم يظل الأمل قائما في بقاء العراق دولةً دون تقسيم أو فوضى.

وفي النهاية، فمعتقدنا راسخ بأن الفيدرالية في ظل المواطنة العراقية هي أفضل الحلول المتاحة لدولة متعددة الأعراف والأديان والمذاهب كالعراق.


** كاتب ومحلل سياسي متخصص في الشئون العراقية. 

 
 

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع