 |
|
شيخ شريف شيخ أحمد رئيس اتحاد المحاكم الإسلامية |
المحاكم الإسلامية ظاهرة
اعتبرها البعض أنها ظهرت فجأة وبدون
مقدمات، ورآها البعض نوعا من الإسلام
الجهادي أو الإسلام السياسي، حيرت
انتصاراتها المتتالية والسريعة زعماء
الفصائل الصومالية ورؤساء دول المنطقة،
وأربكت سياسات ومخططات الدول الكبرى
وأبرزها الولايات المتحدة تجاه الصومال،
حيث أعلنت الخارجية الأمريكية بادئ الأمر
أنها لم تُكوّن فكرة عن المحاكم
الإسلامية، كما اعتبر الكثيرون هزيمة
أمراء الحرب على يد المحاكم الإسلامية
ضربة تلقتها الولايات المتحدة؛ لأنهم
كانوا يحظون برعايتها ودعمها المباشرين.
أسئلة كثيرة ما زالت تطرح نفسها
بعد بروز نجم المحاكم الإسلامية حتى من
قِبل المتابعين للشأن الصومالي حول
المحاكم الإسلامية في الصومال وماهيتها
ومستقبلها السياسي، ومن تلك الأسئلة التي
طُرحت، علاقتها بتنظيم القاعدة، ومن يقف
وراء القوة الكاسحة للمحاكم الإسلامية
ماديا وعسكريا؟ وهل المحاكم الإسلامية
ستكرر التجربة الطالبانية في أفغانستان؟.
ولعل الحديث عن خلفية المحاكم
الإسلامية وظروف صعودها يكشف جانبا من
حقيقة ما يدور في الصومال في الفترة
الأخيرة.
خلفية تاريخية
ظهرت المحاكم الإسلامية بعد
انهيار الحكومة الصومالية كتعبير عن طموح
الإسلاميين في السياسة والسعي إلى
السلطة عن طريق إعادة الأمن والاستقرار.
ففي عام 1991 أسس الإسلاميون معسكرات
للتدريب العسكري في العاصمة الصومالية
وثلاث محافظات أخرى، وبعدها بدءوا يطلبون
من علي مهدي (الرئيس الصومالي آنذاك) تطبيق
الشريعة الإسلامية، ولكن هذه المحاولة
فشلت بسبب وقوف الجنرال عيديد -خصم علي
مهدي- ضدها.
وفي عام 1994 أنشئت محاكم إسلامية
قوية في شمال العاصمة الصومالية مقديشو
بقيادة مجموعة من العلماء ذوي اتجاه صوفي
أشهرهم الشيخ علي طيري، وطبقت الحدود على
بعض الأشخاص مثل حد السرقة والرجم
وأحكام "التعزير" المختلفة.
لكنْ نشب خلاف بين رئيس المحكمة
الإسلامية الشيخ علي طيري وبين الرئيس علي
مهدي ويقال إن وكالة الاستخبارات
الأمريكية طرحت في اجتماع عقد في نيروبي
فكرة تصفية مشروع المحاكم الإسلامية، وقد
تم ذلك فعلا عام 1996 عندما استولت مليشيات
قبلية لعلي مهدي على مقر قيادة المحاكم
الإسلامية، وأتلفت محتويات مكاتبها
وحاصرت المقر لفترة طويلة حتى انهار
المشروع بأكمله.
في نهاية التسعينيات أنشئت محاكم
إسلامية على أسس قبلية حيث تتفق
القبيلة على إنشاء محكمة خاصة بها لإلقاء
القبض على المجرمين من القبيلة وحبسهم
وتذنيبهم وتأهيلهم دينيا وأخلاقيا، يقوم
على إدارتها العلماء من تلك القبيلة وتكون
لها قوة عسكرية من القبيلة تقوم بمهمة
الهجوم والقبض على المجرمين من القبيلة
الذين يقومون بأعمال النهب المسلح. وقد
وقف الإسلاميون وراء إنشاء تلك المحاكم
ولكن الواجهة كانت قبلية، فتسمع المحكمة
الإسلامية لقبيلة كذا وفي المنطقة
المجاورة نفس الاسم ولكن باختلاف اسم
القبيلة.
وتم استيعاب قادة المحاكم
الإسلامية في الحكومة الانتقالية التي
رأسها عبد القاسم صلاد حسن 2000-2004 بسبب
الضغوط التي تعرض لها الرئيس صلاد الذي
اتهم بأن حكومته ترعى المتطرفين
الإسلاميين وتتغاضى عن سلطتهم المتنامية.
بعد ضعف حكومة صلاد بدأت المحاكم
الإسلامية ترجع بقوة وفي مناطق جديدة مع
تردي الأحوال الأمنية في العاصمة
الصومالية، فأنشئت في العاصمة
الصومالية وحدها 10 محاكم إسلامية، كل
محكمة تعرف باسم القبيلة التي كانت وراء
إنشائها. وظهر في قيادة تلك المحاكم
إسلاميون ينتمون إلى التنظيمات
الإسلامية، الإخوان والسلفيون
والمستقلون وجزء كبير من علماء الطرق
الصوفية، لكن أغلب القيادات كانت تنتمي
إلى التيار السلفي من الإسلاميين
الصوماليين.
وفي عام 2004 تم توحيد هذه المحاكم
وظهر "اتحاد المحاكم الإسلامية" حيث
انضمت كل المحاكم إلى ذلك الكيان الجديد،
وتم انتخاب الشيخ شريف شيخ أحمد -الذي كان
يرأس إحدى المحاكم- رئيسا لعموم اتحاد
المحاكم، وأصبحت أجهزتها الأمنية
والقضائية موحدة في إطار هذا الكيان. وبعد
إنشاء اتحاد المحاكم الإسلامية انخفضت
نسبة الجرائم وحوادث الاختطاف بشكل
ملحوظ، لكن التطور الجديد أثار حفيظة
أمراء الحرب في العاصمة؛ لأن المحاكم نجحت
في تحقيق الأمن الذي فشل فيه أمراء الحرب.
صعود نجم المحاكم
لفت ظهور اتحاد المحاكم
الإسلامية أنظار العالم إلى الصومال من
جديد ونظرت إليه الولايات المتحدة على أنه
يهدد مصالحها في المنطقة بسبب ما تعتقده
من علاقة للمحاكم بتنظيم القاعدة وأنها في
مرحلة من المراحل كانت تؤوي عناصر متهمة
بتفجيرات السفارتين الأمريكيتين في
نيروبي ودار السلام عام 1998. وإلى جانب
ذلك كان نشاط الإسلاميين العسكري
والسياسي محط اهتمام الولايات المتحدة
منذ تدخلها العسكري في الصومال عام 1992 وما
تلاه من معارك دامية بين الجنود
الأمريكيين والمليشيات الصومالية التي
كان الإسلاميون جزءا منها في ذلك الوقت.
وكرد على ظهور المحاكم تحالفت
الولايات المتحدة مع عدد من أمراء الحرب
الصوماليين لاغتيال عناصر من الإسلاميين
أو اصطيادهم -وقد حدث فعلا- وهو ما أدى إلى
نشوب صراع علني بين أمراء الحرب والمحاكم
الإسلامية بلغ ذروته في فبراير 2006 بعد
الإعلان عن تشكيل "تحالف مكافحة
الإرهاب" بدعم من وكالة الاستخبارات
الأمريكية، ويضم 10 من أمراء الحرب
الأقوياء في العاصمة والمناطق المجاورة
لها، وهي المناطق التي كانت قوة المحاكم
الإسلامية تزداد فيها.
ومن هنا تحول الصراع بين
الإسلاميين وأمراء الحرب إلى اشتباكات
دامية في شوارع مقديشو في نفس الوقت الذي
شوهد فيه بالعاصمة مئات المقاتلين
الإسلاميين الذين كانوا غير معروفين في
شوارع العاصمة. ومن الواضح أن المحاكم
الإسلامية كانت تعد لمواجهة مع أمراء
الحرب لفترة طويلة وقد تمكنت من تجنيد
مقاتلين في مناطق نائية غير لافتة، تحسبا
للحظة الحاسمة مع أمراء الحرب.
وتمكنت المحاكم الإسلامية من
هزيمة أمراء الحرب في وقت قصير لم يتجاوز
أربعة أشهر، سيطروا خلالها على العاصمة
مقديشو بعد فرار أمراء الحرب واستسلام
مليشياتهم مع أسلحتها المختلفة.
انتصارات سريعة وجوانب
ضعيفة
 |
|
قوات تابعة لاتحاد المحاكم في مقديشو |
وللمرة الأولى أصبحت المحاكم
الإسلامية القوة الحاكمة للعاصمة وأعادت
الأمن والاستقرار وحدّت من معدلات القتل
والجرائم وكسبت تعاطف القبائل والشارع
العادي ومنظمات المجتمع المدني وغيرها،
وقاموا بتوظيف تصريحات أمراء الحرب بأنها
ضد الإسلام وضد مكتسبات المجتمع الصومالي
كله، وهو ما زاد من شعبية المحاكم
الإسلامية على حساب أمراء الحرب حتى إن
طلاب الجامعات والمدارس الثانوية قاتلوا
إلى جانب مليشيات المحاكم لإلحاق الهزيمة
بأمراء الحرب.
وبعد العاصمة مقديشو سقطت مدن
وأقاليم عديدة في يد المحاكم الإسلامية
معظمها دون معارك كبيرة، وتولت الخلايا
النائمة في هذه المناطق ترتيب الأمور
لصالح المحاكم الإسلامية وتم تكوين سلطات
إدارية بسيطة فيها. وتبلغ المساحة
الجغرافية التي تسيطر عليها المحاكم
الإسلامية أكثر من نصف الصومال حاليا مما
يجعل المحاكم الإسلامية أقوى طرف في ميزان
القوى -السياسي والعسكري- في الصومال كله.
ولكن المحاكم الإسلامية على
الرغم من ظهورها العسكري الكاسح في
الصومال منذ فبراير 2006 فإنها تعاني من ضعف
في جوانب عديدة، أهمها:
- أن أهدافها السياسية غير واضحة
حتى بالنسبة لقادة المحاكم، وتصريحاتهم
في هذا الشأن متضاربة، بعضهم يريد حكومة
إسلامية على حدود الجمهورية تكون مقبولة
ومتعايشة مع الجيران والعالم، وبعض
منهم يصرح بحكومة تمتد ما وراء الحدود تضم
إقليم أوجادين وأورميا والمناطق
الإسلامية وإقليم الشمال الشرقي الذي
تسكنه القومية الصومالية في كينيا
والمناطق الساحلية ذات الأغلبية المسلمة
في كينيا.. بمعنى آخر إقامة دولة للمسلمين
في منطقة القرن الأفريقي.
- قلة الخبرة السياسية والإدارية
سمة بارزة في سجل المحاكم حيث إن المحاكم
الإسلامية على سبيل المثال لم تعمل
إدارة للعاصمة الصومالية إلى الآن ولا زال
الهاجس الأمني والمواجهة تسيطر على ذهنية
القائمين على المحاكم، فقد عينوا رئيسا
لأمن العاصمة فقط، ولم يعين إلى الآن عمدة
العاصمة ورؤساء البلديات، والعاصمة تحت
تأثير هيبة المحاكم والخوف من بطشها وليست
تحت تأثير نظام إداري متسلسل ومعروف لدى
الناس.
- يوجد في قمة الهرم القيادي
للمحاكم الإسلامية شخصيات بارزة في العمل
السياسي سواء في الحكومات أو الأحزاب
السابقة، ولكن الظروف الداخلية وحاجة
الصوماليين إلى الأمن والاستقرار
ونزاهتهم ورفعهم لشعار يوحد الصوماليين
وهو "الإسلام"، كل ذلك ساعدهم وعزز
رصيدهم السياسي والعسكري.
- عدم وحدة الرؤية السياسية
والفكرية لدى أجنحة المحاكم الإسلامية
الذين -وإن أتوا من مرجعية إسلامية- ينتمون
إلى ألوان طيف فكري وسياسي كانت متصارعة
منذ عهد قريب. وتضم المحاكم الإسلامية حسب
التشكيلة الأخيرة 12 مجموعة لكل منها
توجهاتها ورؤاها وتصوراتها وتضم أقصى
اليسار وأقصى اليمين الإسلامي، إلى جانب
صنف معتدل نسبيا، لكنه غير قوي في الوقت
الحالي، ويشكل السلفيون أغلب قادتها،
يليهم الإسلاميون ذوو الخلفيات الصوفية،
ثم الإخوان المسلمون.
- يراهن كثير من المتابعين على أن
التناقضات الفكرية والتصريحات المتشددة
والمتناقضة التي تصدر من قادة المحاكم -وكلها
تعبر عن توجه ما داخل أجنحة المحاكم- ربما
تفضي إلى شرخ داخلي يشبه ما حدث في
أفغانستان بين المجاهدين، ولكن الظاهر
حتى الآن أن هناك تماسكا لا بأس به داخل
هذه الأجنحة في المحاكم الإسلامية ربما
مبعثه انشغالهم بصراعات كبيرة مع الحكومة
الصومالية وكذلك الأثيوبية التي تدعمها.
تحديات أمام المحاكم
وإضافة إلى جوانب الضعف السابقة،
تواجه المحاكم الإسلامية تحديا كبيرا في
التعامل مع الأطراف الصومالية الأخرى
الموجودة في الساحة وهم الحكومة
الانتقالية المعترف بها وإقليما "بونت"
و"أرض الصومال" اللذان يتمتعان بما
يشبه الحكم الذاتي رغم أن الأخيرة أعلنت
انفصالها من طرف واحد منذ عام 1991.
وفيما يتعلق بالحكومة
الانتقالية، فإن المحاكم وافقت على
التفاوض معها في إطار مبادرة أطلقتها
الجامعة العربية وقد تم عقد 3 جولات من
المفاوضات حتى الآن في الخرطوم أسفرت
الأوليان عن نجاح محدود في تبادل الاعتراف
بين الحكومة والمحاكم ووقف الحملات
العسكرية بين الطرفين، لكن الجولة
الثالثة بداية شهر نوفمبر انتهت بالفشل
بسبب المواقف المتشددة والشروط المسبقة
التي تمسك بها الطرفان.
لكن الخلاف بين الحكومة والمحاكم
الإسلامية يزداد تصاعدا كل يوم ووصل إلى
حد اتهام الرئيس الصومالي عبد الله يوسف
أحمد للمحاكم بأنها كانت وراء محاولة
الاغتيال التي استهدفته في بيداوا في 18
سبتمبر 2006، الأمر الذي نفته المحاكم
الإسلامية.
ومن الناحية الميدانية لا تزال
مليشيات المحاكم الإسلامية تحاصر مدينة
بيداوا حيث مقر الحكومة الانتقالية، وعلى
الرغم من عدم حدوث اشتباكات بينها وبين
القوات الحكومية التي تدعمها وحدات
عسكرية أثيوبية، لكن احتمال اندلاع
مواجهات بينهما وارد في أية لحظة.
أما فيما يتعلق بإقليم "بونت"
بشرق البلاد و"أرض الصومال" بالشمال
فإن قادة المحاكم صرحوا بعدم وجود نية
لمهاجمتهما لأنهما "مناطق مستقرة"،
وبسبب أن التعاطف مع المحاكم الإسلامية
يتنامى فيهما، كما أن عشرات من القيادات
الإسلامية في هذه المناطق متواجدون في
مقديشو، فيما يؤشر على أن خطوة ما تعد
للتعامل مع هذه المناطق.
وفي تطور مفاجئ تم الإعلان عن
إنشاء محاكم إسلامية في هاتين المنطقتين
من قبل متعاطفين مع المحاكم الإسلامية في
العاصمة، وهو تطور قد يؤدي إلى تعجيل
تصادم بينها وبين السلطات المحلية، وقد
تتدخل المحاكم الإسلامية في مقديشو لصالح
الإسلاميين هناك، خاصة أن المحاكم
الإسلامية تضم آلافا من المقاتلين ينتمون
قبليا إلى إقليمي بونت وأرض الصومال وقد
يشكلون دعما خلفيا للإسلاميين في
الإقليمين في حالة نشوب مواجهات مسلحة
بينهم وبين السلطات المحلية.
التدخلات الأجنبية
يتزايد القلق من أن تصبح الصومال
ساحة حرب إقليمية بين إثيوبيا التي تدعم
الحكومة الانتقالية وبين إرتريا التي
تدعم المحاكم الإسلامية. وتصفية الحسابات
بين اللاعبين الإقليميين لا تقتصر على
إثيوبيا وإرتريا فهناك نحو 12 دولة ضالعة
في الصراع داخل الصومال بأشكال مختلفة حسب
آخر تقرير للأمم المتحدة، وأهم هذه الدول
الولايات المتحدة وإيطاليا ومصر والسودان
وأثيوبيا وأوغندا وإرتريا وليبيا واليمن
وإيران ودول أخرى.
وقد أكد تقرير جديد للأمم
المتحدة أن الأسلحة تتدفق على الصومال من
أطراف كثيرة، ويشير إلى أن الصومال ربما
سيكون -إذا توتر الوضع- ملاذا آمنا لقادة
تنظيم القاعدة، ومن التوصيات التي وردت في
التقرير فرض حصار بري وجوي وبحري محكم
بحيث لا يدخل إلى الصومال أي سلاح، وضمنيا
أي شخص غير مرغوب فيه.
ويتضح من هذه المعطيات أن
الصومال سيكون محطة لاهتمام المجتمع
الدولي خلال الفترة القادمة، والمحاكم
الإسلامية ستكون محور هذا الاهتمام على
الرغم من عدم تكون ملامح هذا الكيان الذي
خرق أدبيات الصراع القبلي في الصومال
وسيطر على نحو نصف البلاد واجتذب تأييد
الشارع الصومالي بقدر ما اجتذب شكوك وعداء
أطراف أخرى خارجية وداخلية، وسيكون
للإسلاميين قصة أخرى تختلف أو تقترب من
قصصهم في أفغانستان والعراق، وتشغل
العالم خلال الفترة القادمة.
وليس معروفا بعد إذا كان
الإسلاميون في الصومال سيقبلون بالواقع
السياسي الذي وجدوا أنفسهم فيه أم سيكونون
إضافة أخرى إلى الصراع الدموي المستمر في
الصومال منذ 16 عاما.
|