 |
|
إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش تراجعت واقعيا عن فكرة نشر الديمقراطية بالعالم العربي |
رغم أن تراجع إدارة بوش عن فكرة
دعم الديمقراطية في العالم العربي
والإسلامي من خلال برامج حماسية -مثل
مبادرة الشراكة مع الشرق الأوسط- ظهر
مبكرا عقب فوز قوى إسلامية في انتخابات
عدة دول -مثل مصر وفلسطين- ورغم بروز
الطائفية في العراق، وهو ما اعتبر فشلا
للفكرة القائمة على فوز ليبراليين
موالين، فمن الواضح أن الهزيمة الثقيلة
التي منيت بها إدارة بوش والحزب الجمهوري
في انتخابات الكونجرس الأخيرة ستضع
النهاية لفكرة دعم الديمقراطية في العالم
العربي والإسلامي.
صحيح أن الحزب الديمقراطي الفائز
بالأغلبية في انتخابات الكونجرس
والولايات -وربما يفوز بالرئاسة بعد عامين-
يتبنى أيضا ذات الفكرة الديمقراطية
ويعتبرها أحد أركان سياسته في المنطقة
العربية والإسلامية، لكن غالبية توقعات
المحللين ومراكز الأبحاث الأمريكية تشير
إلى أن الهم الأكبر -للجمهوريين
والديمقراطيين معا- خلال المرحلة المقبلة
سيكون التركيز على العراق والورطة
الأمريكية هناك، ومخاطر انتشار الطائفية
منه لدول الخليج، حيث مناطق النفوذ
الأمريكية الأكثر أهمية.
أيضا هناك مشكلة أخرى، تتلخص في
أن "عدم المصداقية" فيما يخص نشر فكرة
"الديمقراطية" لم يعد قاصرا على
إدارة الرئيس بوش أو حزبه الجمهوري فقط،
بل عدم المصداقية أصبح مرضا منتشرا في كل
الأحزاب والمؤسسات الرسمية الأمريكية
وحتى البحثية، خصوصا تلك المتصلة
بالأحزاب التي باتت تصدر تقاريرها لخدمة
الحزب الحاكم وأهدافه بأكثر مما تركز على
الموضوعية (مثل الترويج لفكرة أسلحة
الدمار الشامل لتبرير غزو العراق).
والأكثر إزعاجا للديمقراطيين أن
سياسية الرئيس الجمهوري بوش بشأن نشر فكرة
الديمقراطية قد اعتراها الكذب والنفاق
والمصلحة الذاتية، ولم تستهدف نشر المبدأ
ذاته، وهو ما سوف يترك لهم إرثا صعبا من
عدم المصداقية عموما بين الحكومات
العربية التي ضغطوا عليها ثم تراجعوا،
وبين القوى الحزبية والشعبية العربية
التي أصبحت تربط بين الحديث الأمريكي عن
الديمقراطية عموما وبين وجود مصالح
أمريكية.
فقد أصبح معروفا أن إدارة بوش
استخدمت سلاح الديمقراطية -مثل سلاح "حرية
الأديان" و"حقوق الإنسان"- للتهذيب
والضغط على بعض الحكومات -"المارقة"
من وجهة النظر الأمريكية- بغرض تحقيق
مصالح معينة، وتغاضت عن حكومات أخرى "صديقة"
غير ديمقراطية لذات الغرض، وهو ما شوه
صورتها ودفع الجميع (حكومات وشعوبا) للكفر
بهذه الديمقراطية الأمريكية والتشكيك بأي
دعاوى مرفوعة تدعو للديمقراطية.
المصداقية الضائعة
وربما لهذا قال الباحث مايكل
روبين من معهد إنتربرايز الأمريكي
المحافظ لرويتر: "إن الإدارة تراجعت
بصراحة حتى عن الضغط السلبي من أجل
الديمقراطية". وإن "وزيرة الخارجية
الأمريكية كوندليزا رايس التي ألقت خطابا
مشبوبا بالعواطف عن الديمقراطية في
القاهرة في العام الماضي 2005 لم تنتقد
أساليب مصر القمعية خلال زيارتها التي جرت
مؤخرا".
وأضاف: "كثير من الأنظمة
العربية بدا يرصد ضوءا أخضر للعودة إلى
الماضي، وهو ما يقوض أي نوع من المصداقية
تتمتع به الولايات المتحدة، ليس الآن فقط
وإنما في المستقبل أيضا في أي دعوات
للإصلاح".
فيما قال "توماس كاروثرز"
رئيس مشروع الديمقراطية وحكم القانون في
مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي: إن هناك
حالة نفاق أمريكية متزايدة مع حكومات في
المنطقة العربية والناس هناك يعرفون ذلك..
إنهم ليسوا سذجا".
وحتى حينما سعت إدارة بوش لتغليف
تراجعها عن نشر فكرة الديمقراطية بالحديث
عن "شرق أوسط جديد" ديمقراطي وخال من
المقاومة والعنف، ظهر أن حقيقة هذا الشرق
الأوسط الجديد لا تعدو أن تكون فكرة
لتبديل الأولويات والحرص على تفرد
إسرائيل بالقيادة في المنطقة، والسعي
لحصار دول المقاومة الإسلامية في فلسطين
والعراق والالتفاف على نتائج الانتخابات
الحرة هناك، مما كشف بدوره مرة أخرى
الأهداف الأمريكية ورفع سقف الشكوك في
مصداقيتها.
بل إن هذا التحول الأمريكي أو
تبديل الأولويات أعاد للأذهان -كما يلمح
"نيد ووكر" السفير الأمريكي السابق
في مصر وإسرائيل- الحيل الأمريكية عندما
استشهدت إدارة بوش بالتهديد الذي تمثله
أسلحة الدمار الشامل كسبب رئيسي من أجل
غزو العراق، ثم تحولت بعد الإخفاق في
العثور على أسلحة من هذا النوع، إلى
التركيز على فكرة نشر الديمقراطية.
واللافت هنا أن سياسة التبديل
الماكرة هذه أصبحت ثابتة في العرف
الأمريكي والغربي عموما، بدليل أنهم
استبدلوا بسياسة التدخل بدعاوى وجود
أسلحة دمار شامل -عقب كشف الكذب في العراق-
سياسة التدخل بذرائع إنسانية كما في
السودان، خاصة أن فكرة التدخل لأسباب
إنسانية تلقى ترحيبا دوليا.
مكاسب وسلبيات التراجع
الأمريكي
ويبدو أنه بقدر ما يمكن الحديث عن
مزايا لتخلي أمريكا عن فكرة نشر أو فرض
الديمقراطية على العالم العربي
والإسلامي، بقدر ما يمكن رصد عيوب أو
سلبيات لهذا التوجه الأمريكي الجديد الذي
فرضته نتائج انتخابات الكونجرس الأخيرة
وظهور نتائج لانتخابات بالدول العربية
والإسلامية تتصادم مع الرغبات الأمريكية.
فمن الواضح أن التخلي الأمريكي
الإجباري عن فكرة نشر الديمقراطية سوف
يفيد الحكومات الديكتاتورية في المنطقة
العربية، ويعطل خطط الإصلاح عموما بسبب
ضعف القوى السياسية المعارضة عربيا،
وعزوف الشارع العربي عن المشاركة نتيجة
غرقه في مشاكل حياته اليومية. فضلا عن حالة
الانتقام التي من الممكن أن تسود بين
الحكومات تارة من الغرب الذي ضغط عليه
وأضعف صورته أمام الشعوب، وتارة من
المعارضة الداخلية التي حطمت العديد من
القيود والمسلمات القديمة والتابوهات
خصوصا نقد الحكام أنفسهم.
وبالمقابل فلن يكون الانسحاب
الأمريكي عن دعم فكرة الديمقراطية
العربية كله خسارة، لأن الجميع يعرف -حكاما
ومحكومين- أن الهدف الأمريكي لم يكن أبدا
صادقا وخالصا "لوجه الحرية
والديمقراطية والإصلاح"، وإنما كان
الهدف مزدوجا قائما على الاستفادة من نشر
الديمقراطية والحريات في فرض أسلوب
الحياة الأمريكية وتقليل المظالم
الداخلية التي يجري تصديرها مع الوقت
للخارج في صورة عنف، إضافة إلى السعي
لتحقيق مصالح إقليمية عبر الضغط على
الحكومات.
وبشكل عام يمكن رصد بعض هذه
المزايا والعيوب على النحو التالي:ـ
أولا: المزايا:
1- أحد أسباب رفض الحكومات
العربية لهذه الديمقراطية هو التحجج
بأنها فكرة أجنبية لا تصلح للتطبيق في
الدول العربية، فضلا عن اتهام المؤيدين
لنشر الديمقراطية والإصلاحيين العرب
بأنهم موالون للغرب وللأمريكيين ويمولون
منهم، وتشويه صورتهم.
وتخلي أمريكا عن الفكرة أو رفع
يدها عنها من شأنه أن يرفع الحظر الحكومي
عن الفكرة مبدئيا ولو من قبل نسبها
للأنظمة، أو ينزع الحجج الحكومية لملاحقة
دعاة الديمقراطية بأنهم مأجورون أو
ممولون خارجيا.
2- ربطُ الأمريكيين الفكرةَ بفوز
التيار الليبرالي أعطى فرصة كبيرة لهذا
التيار للنمو على حساب قوى سياسية أخرى
نتيجة الدعم والتمويل الأمريكي المالي
والمعنوي، بل أعطى لهذا التيار حماية
أمريكية في مواجهة الحكومة وميزة عن باقي
القوى السياسية أدت لنوع من عدم التكافؤ
مع القوى الأخرى خصوصا الإسلامية التي
تعرضت للبطش، كما أدى لنوع من التحالف
الضمني بين القوى الليبرالية والحكومات
ضد هذا التيار.
ومن شأن التخلي الأمريكي عن
الفكرة وعن دعم هذا التيار أن يعيد
التوازن بين القوى والتوجهات في الساحة
السياسية العربية ويظهر الحجم الحقيقي
لكل قوة.
3- رغم تشاؤم ليبراليين عرب
وتصريحهم بأنهم تخلوا عن الأمل في أن تضغط
الولايات المتحدة على الحكومات ولو سرا
لإصلاح أنظمة الحكم، فقد استمرت جهود
آخرين نحو الإصلاح وظهرت بؤر ومنابر
إعلامية أخرى متزايدة للتعبير عن الرأي
والتغيير مثل "المدونات" أو "البلوجرز"،
واستمرت دعوات التظاهر ضد الحكومات
للمطالبة بإصلاحات معينة أو رفض سياسيات
ما.
4- أثمرت الضغوط الغربية قديما في
السماح بقدر معين من الإصلاحات الجزئية
وتقديم الحكومات لوعود مستقبلية بحزمة
إصلاحات دستورية وسياسية، بل نجح رؤساء
وحكومات بالفعل في تقديم برامج معينة
للإصلاح تشمل قوانين جديدة وتغييرات. ومن
شأن توقف الضغوط الأمريكية أن يقلل من قوة
دفع هذه الإصلاحات، بيد أنه قد يغري
القادة والحكومات على ربط الإصلاحات
بأسمائهم كما هي العادة العربية، خصوصا أن
التراجع الكامل عن الإصلاحات أمر بات صعبا.
ثانيا: العيوب:
1- سوف يزداد البطش الحكومي
بالمعارضين خصوصا من التيار الإسلامي
ويزداد التضييق على الحريات وتخلي
الحكومات عن أي خطط إصلاح حقيقية
والاكتفاء بالقشور والإصلاحات
التلفزيونية، دون أي قلق من رادع أو ضغط
خارجي بعدما أصبح هدف الحكومات والإدارة
الأمريكية واحدا، وهو محاربة الإسلاميين
أو -كما يحلو لهم أن يسموهم- "الإرهابيين"
بعدما اعتبرت الحكومات التخلي الأمريكي
عن الديمقراطية ضوءا أخضر لها للبطش
بمعارضيها الذين انتعشوا إبان مرحلة
الضغوط الأمريكية على الحكومات.
2- سوف تلجأ الحكومات لرهن
تعاونها مع الغرب بوقف أي ملاحقات أو
انتقادات غربية للإصلاح في الدول
العربية، بعدما سلمت الولايات المتحدة
والغرب برهن مصالحها الإقليمية التي
تحافظ عليها هذه الحكومات مقابل التخلي عن
الحديث عن الديمقراطية أو انتقاد البطش
بالمعارضين، خصوصا الإسلاميين باعتبار أن
هذا هدف مشترك، ويساعدها على هذا تبني
البيت الأبيض (بعد الانتخابات الأخيرة)
"نهجا أكثر براجماتية وأطول أمدا
للإصلاح"، حسبما تقول أيلين ليبسون
النائبة السابقة لرئيس "مجلس المخابرات
القومي" الحكومي.
3- سوف تستفيد تل أبيب من هذه
المعادلة في ضرب القوى الإسلامية في
الداخل وحشد الجهود العربية -قبل الغربية-
لتصفية بؤر المقاومة في فلسطين ولبنان وأي
دول معادية للدولة العبرية، وتستفيد أكثر
من بقاء تسميتها كدولة ديمقراطية وحيدة
وسط بحر من الدول الديكتاتورية، في تحقيق
مصالحها مع "الديمقراطيين الجدد" بعد
"المحافظين".
4- تخلي أمريكا عن دعم
الديمقراطية خشية وصول الإسلاميين للحكم
يشير إلى أن وجهة النظر التي كانت تضع كل (الإسلاميين)
في سلة واحدة دون تفرقة بين متشدد ومعتدل
باتت هي السائدة في العرف الرسمي
الأمريكي، وهو ما سوف يفقدها تأييد
المعتدلين منهم لها، ويفقد الجميع الثقة
في أي أطروحات أمريكية مستقبلا عن الحريات
أو الإصلاح.
5- التخلي الأمريكي عن دعم
الديمقراطية العربية يرفع أسهم التشدد
والتطرف والعنف في العالم العربي
والإسلامي، ويعزز بالتالي تنظيمات مثل
القاعدة وغيرها، وهذا الأمر يؤكده ضمنا
تقرير للمخابرات الأمريكية عن اتجاهات
الإرهاب العالمي -رفعت عنه السرية مؤخرا-
يقول: "إن قيام نظم سياسية تتمتع بقدر
أكبر من التعددية وأكثر تجاوبا في الدول
الإسلامية سيخفف بعضا من المظالم التي
يستغلها الجهاديون". وطالما أن هذا لن
يتحقق فسوف تزداد المظالم وتقوى عزيمة "الجهاديين"
وفق التصور الأمريكي ذاته.
التخلي الأمريكي عن "فرض"
الديمقراطية عربيا وإسلاميا ليس كله شرا،
ولكنه قد يثمر توجها عربيا أقل حماسة
للديمقراطية وربما البطش بالمعارضين، وما
قد يعظم الاحتمال الأخير هو وجود أسباب
أخرى، تتعلق بالظروف الداخلية للدول
العربية مثل كبر سن العديد من الزعماء
العرب وإثارة قضايا رفض تمديد الحكم لهم
أو رفض توريث الحكم لأنجالهم، فضلا عن ضعف
القوى السياسية الليبرالية واليسارية
وتعاظم دور القوى الإسلامية التي تخشى
منها الحكومات والغرب معا وهناك توافق على
قمعها ومنع انتشارها.
الديمقراطية العربية ربما تكون
قد شهدت نوعا من "الحراك" في عهد
إدارة الرئيس الأمريكي بوش بسبب خططه
لفرضها عربيا وإسلاميا، بيد أنها ربما
تشهد "ضعفا" في ظل خريف هذه الإدارة
وربيع الديمقراطيين الجدد، بسبب تبدل "المصالح
الأمريكية" من جهة، وحالة الحكومات
العربية الداخلية الأكثر ضعفا وانهيارا
من جهة أخرى، والأقل رغبة أو قابلية
للتغيير؛ لأن أي إصلاحات أو حريات أوسع قد
تعصف بها.
|