 |
|
الرئيس الأمريكي لا تغييرات كبيرة متوقعة رغم فوز الديمقراطيين بالانتخابات النصفية لعام 2006 |
يغلب على التحليلات الغربية
القول: إن الانتخابات النصفية الأمريكية
في نوفمبر 2006 كانت احتجاجية على
الجمهوريين، وليست تأييدا لأطروحات
مغايرة من جانب الديمقراطيين، رغم
الاختلافات القائمة على سياسات خارجية
كالحرب ضد العراق، وداخلية لا سيما في
الميادين الاجتماعية. وفي هذه المقولة
دلالة بالغة الأهمية على أنه لا يُنتظر من
نتائج الانتخابات حدوث تغييرات جذرية في
السياسات الأمريكية، بل ستغلب عليها
الحلول الوسطية خلال العامين الباقيين
لرئاسة بوش الابن من الجمهوريين مع غالبية
خصومه الديمقراطيين في مجلسي النواب
والشيوخ.
متابعة نتائج الانتخابات
الأمريكية
في أثناء المعركة الانتخابية
الأمريكية كان مما يلفت النظر أن الحزبين
الكبيرين يرصدان خسارة مطردة على مستوى
القواعد الانتخابية الأساسية التي يقوم
عليها وجود كل منهما، بغض النظر عن
التأرجح التقليدي على مستوى عموم
الناخبين، فسياساتهما متقاربة داخليا إلى
درجة صعوبة الحديث عن يمين ويسار، حتى
المجال العقدي الذي استفاد الجمهوريون
منه فترة من الزمن بدأ اكتشافه من جانب
الديمقراطيين أيضا.
هذا التقارب يسري على قضية
العراق نفسها، وإن احتلت مكانة متقدمة
نسبيا بين عناوين المعركة الانتخابية،
حتى إن حملة الجمهوريين المضادة
لانتقادات الديمقراطيين كانت تدور حول
السؤال عن البديل، ومما يتفق عليه الطرفان
أن الانسحاب الحتمي من العراق، آجلا أو
عاجلا، لا ينبغي أن يرسخ صورة هزيمة
أمريكية يمكن أن تترتب عليها بالمنظور
الأمريكي -والغربي عموما- خسارة كبيرة،
والمطلوب إذن هو تحديد الكيفية المناسبة
للخروج من الورطة بأقل خسارة ممكنة.
وإذا كان هذا السؤال يبين ما ساد
من حيرة سياسية عميقة أو عجز ظاهر عن تحقيق
الأهداف الموضوعة لحرب الاحتلال
العدوانية، فهو يبين في الوقت نفسه أن
العنصر الحاسم في نتيجة الانتخابات لم يكن
-على النقيض من بعض ما يرد في تحليلات
عربية- ما جرى ويجري في العراق نفسه، أي من
المنظور العراقي والعربي والإسلامي للحدث،
بل هو عند الناخب الأمريكي عنصر العجز عن
تحقيق أهداف أمريكية متفق عليها نسبيا،
وعنصر الوسائل المكلفة ماليا وعسكريا،
وقد أثبتت عدم جدواها.
وشبيه ذلك يمكن قوله بصدد ما سمي
"الحرب على الإرهاب"، أو التعامل مع
انتشار الأسلحة النووية، فضلا عن عدم وجود
اختلاف أصلا في التعامل مع قضية فلسطين،
وقضايا أخرى على محاور السودان وإيران
ولبنان وسوريا وغيرها.
إن من أخطر ما دأبت عليه متابعات
الانتخابات الأمريكية المتعاقبة انطلاقا
من الساحة العربية والإسلامية:
1- تفسير تغيير جهاز السلطة -إذا
حدث تغيير- بأنه سيجلب تغييرا على صعيد
الأهداف الأساسية المتركزة على نشر
الهيمنة العالمية، والمركزة على المنطقة
الإسلامية والعربية، وهو تفسير تعميمي لا
يراعي أن ما يتغير على أرض الواقع هو
الوسائل في الدرجة الأولى؛ فالأهداف
الموضوعة تصدر عن موازين مراكز القوى داخل
الولايات المتحدة الأمريكية، وهذه لا
تشهد إلا تغييرا محدودا وفي فترات زمنية
متباعدة تتجاوز مواعيد الانتخابات.
2- أن هذه المتابعة العربية
والإسلامية لا تنطلق من منطق ضرورة متابعة
الحدث في منطقة من العالم، بغض النظر عن
درجة أهميتها، لاستيعاب أبعاد الحدث، ثم
للتصرف ذاتيا بموازين المصلحة الذاتية،
وإنما بمنطق تكييف القرار المحلي وفق
نتائج الحدث الخارجي.
3- أن كثيرا من الاستنتاجات ينبني
على التهويل من شأن بعض الجوانب، والتهوين
من شأن بعضها الآخر –على حسب منظور من
يطرح تلك الاستنتاجات- أكثر مما ينبني على
نظرة موضوعية من داخل الميدان الأمريكي أو
الغربي أو العالمي للحدث.
غياب المنظور الذاتي لقضايانا
 |
|
الناخب الأمريكي له منظوره الذاتي تجاه قضاياه الداخلية والخارجية |
إن لقضايا المنطقة العربية
والإسلامية منظورها الذاتي، كتحرير
العراق مع تجنب حرب أهلية أو مضاعفات
إقليمية، ووقف منحدر سياسات تصفية قضية
فلسطين مع تجنب اقتتال فلسطيني، ومع إنهاء
حالة التخلي أو العجز من الجانب العربي
والإسلامي واقترانها بالهرولة على طريق
التطبيع والتطويع للهيمنة الصهيوأمريكية،
أو كالتوصل إلى حلول عادلة لقضايا تُثار
في السودان والصومال وسواهما، ناهيك عن
قضية إنهاء الاستبداد دون استيراد احتلال
أو هيمنة أجنبية بما يوجد صيغة أخرى
للاستبداد.
منظور الناخب الأمريكي منظور آخر،
قد يتأثر مثلا بما جرى ويجري في
جوانتانامو و"أبو غريب" والفلوجة
وغزة والمعتقلات السرية، ولكن التأثر
الفاعل في الإدلاء بصوته يصدر في الدرجة
الأولى عن استيائه من الإساءة إلى سمعة
الولايات المتحدة الأمريكية، وما يعنيه
ذلك من تأثير سلبي على مصالحها، ومن ثم على
حياته المعيشية.
قد يرفض أن يكون ثمن احتلال
العراق قتل مئات الألوف من المدنيين فيه،
ولكن رفضه الأكبر يتركز على مقتل ألوف
وإصابة عشرات الألوف من الأمريكيين
بالذات.
قد يستاء من مشاهد المذابح في
فلسطين إذا اختُرق الحصار الإعلامي حوله،
ولكن صوته الانتخابي يتأثر تأثرا أكبر
بالارتباط الاندماجي المصنوع من قبل،
والمتغلغل في صناعة القرار السياسي وغير
السياسي أمريكيا، والذي تعبر عنه كلمة
السياسات الصهيوأمريكية.
وليس فيما سبق تقويم سلبي أو
إيجابي لموقف الناخب الأمريكي وما يتأثر
أو لا يتأثر به، إنما المطلوب هو إعادة
النظر في التقويم الذاتي للنتائج التي
تنبني على تصويته في جولة انتخابية
أمريكية، وعدم الاندفاع وراء مقولات
تعميمية كالتي انتشرت حول سقوط وزير
الدفاع الأمريكي رامسفيلد، وكأن الذي
أسقطه هو سجله في جوانتانامو وأبو غريب
وليس سجله -أمريكيا- من حيث عدم تحقيق
الأهداف العدوانية التي لو تحققت لسقطت
الاعتبارات الإنسانية والقانونية
الدولية الأخرى، أو تضاءلت أهميتها على
الأقل.
السياسة الخارجية الأمريكية وما
يرتبط منها بالمنطقة الإسلامية والعربية
لا تتحدد عبر الانتخابات، وإن صنعت
نتائجُها بعض التعديل في سرعة تحقيق بعض
الأهداف المرحلية، وبعض الوسائل المتبعة،
وإنما تتحدد عبر "منظور أمريكي شمولي
إستراتيجي"، وهذا ما لا يتعدل بصورة
جذرية، إنما كانت مسيرته منذ مطلع القرن
العشرين مسيرة ثابتة في اتجاه الهيمنة
العالمية، مع كل ما شهدته من نكسات كبيرة،
كما في فيتنام بالأمس والعراق اليوم، وما
شهدته من دفعات كبيرة كما كان في الحربين
العالميتين، ثم مع نهاية الحرب الباردة.
البحث عن الذات
هذا مما يثير التساؤل في المنطقة
العربية والإسلامية بالمقابل من قبل
الانتخابات الأمريكية النصفية أو
الرئاسية ومن بعدها: متى يتبدل تعاملها هي
مع القضايا العربية والإسلامية ليقوم هذا
التعامل على نظرة شمولية ذاتية، تحقق
المصلحة المحلية على المستوى الوطني
والإقليمي والمشترك؟ فآنذاك فقط يمكن أن
توظف نتائج الانتخابات في بلد آخر له وزنه
في إطار المنظور الشمولي الذاتي، وفيما لا
يتعارض مع المصلحة الذاتية.
ليست مشكلة فلسطين والقضية
الفلسطينية مشكلة جمهوريين وديمقراطيين
أمريكيين، بل هي مشكلة فلسطينيين وعرب
ومسلمين، ومشكلة فصائل وحكومة وسلطة
محلية وحكومات عربية وإسلامية إقليميا،
وما لم تتحقق النقلة الجوهرية بين الوضع
الراهن على منحدر التراجع والنزاعات إلى
الوضع الجدير بالموقع المحوري المركزي
لهذه القضية في المنطقة، فلن يفيد سقوط
وزير أو سقوط رئيس وتبدل حزب أو ثباته، لا
في واشنطن ولا في سواها من عواصم العالم.
ومشكلة العراق مشكلة أهله من سنة
وشيعة، من عرب وأكراد، وجيرانه، ودول
الدائرة الحضارية التي ينتمي إليها،
وشبيه ذلك يسري على لبنان، وسوريا،
والسودان، والصومال، وأفغانستان،
ويستحيل التعامل القويم مع حدث كحدث
الانتخابات الأمريكية إلا بقدر ما يتبدل
التعامل الذاتي مع هذه القضايا، لينطلق من
أنها قضايانا الذاتية نحن، محليا
وإقليميا، وعلى المستوى الحضاري المشترك
بيننا، مع جميع ما يترتب على ذلك من تواصل
وقرارات، ومن تجاوز للأنانيات غير
المشروعة وإن وُصفت بالسياسات "القطرية"،
ومن تجاوز للنزاعات الجانبية، مهما
ابتُكر لها من تعليلات لتُدفع المسئولية
عنها.
إن في مقدمة ما أسفرت عنه
الانتخابات النصفية الأمريكية أنها أجبرت
الخصمين السياسيين فيها على تأكيد عزمهما
على البحث عن صيغة مشتركة للتعاون أو
التنسيق، لا سيما في العامين التاليين
للانتخابات. ولن يخلو هذا التعاون
والتنسيق من خلافات وصراع على جولة
انتخابية جديدة، ولكنه لا يخرج بالطرفين
عن الكليات الكبرى الثابتة في المنظور
الشمولي الأمريكي للدولة، بما في ذلك
تطلعات الهيمنة العالمية.
وأيا ما كان الحجم الحقيقي
لتأثير أحداث العراق على تلك النتائج، فمن
باب أولى أن يكون لهذه الأحداث المأساوية -ومعها
ما جرى ويجري في أفغانستان وفلسطين
والشيشان والسودان وكوسوفا والصومال- نفس
الحجم، ناهيك عن التبدلات الجوهرية في
مسيرة إيجاد نظام عالمي مستقبلي جديد من
التأثير، وهو ما يفرض على دول المنطقة
الإسلامية والعربية جميعا التعاون
والتنسيق، وقد أصبح ذلك بالنسبة لدول
المنطقة جميعا مسألة وجود على الخارطة
العالمية، وليسا مسألة سقوط حزب وفوز حزب.
ولا يمنع التعاون والتنسيق -إن
اقترنا بتثبيت أسس نظرة شمولية
إستراتيجية مشتركة- وقوعَ خلافات والعمل
على فضها، ونزاعات جانبية والعمل على
إيجاد حلول لها، إنما لا بديل عن هذه
الصيغة بمختلف عناصرها معا سوى مزيد من
الانهيار والتراجع، ليس سياسيا وأمنيا
فقط بل في مختلف الميادين الأخرى، بما في
ذلك ميدان التخلف أو التقدم، والنهوض أو
الضياع، وهو ما يستحيل أن يقتصر على بلد
دون بلد، أو فئة دون فئة، أو تيار دون آخر.
|