بريدك الالكتروني


English

 

الخميس 25 شوال 1427 هـ - 16/11/2006 م

شئون عربية » المنطقة العربية » تحليلات وآراء
أرسل لصديق
روابط من إسلام أون لاين
أهم الأخبار

لبنان "وطني" وعراق "لبناني"!

إبراهيم غالي**

سعد الحريري ونصر الله الابتسامات هل تعود من جديد؟

تاريخ التوترات بين السنة والشيعة في المنطقة العربية منذ ظهوره في أوائل عهد الإسلام وحتى اليوم هو ذاته تاريخ الانقسامات السياسية والتنافسات غير المحمودة على سلطة أو جاه، فلم تنشأ فرق شيعية وأخرى سنية إلا جراء هذا الانقسام السياسي.

وحديثا منذ قيام الإمبراطورية العثمانية وتداعيات انتشارها ثم تفككها، فإن تاريخ التوتر الشيعي السني هو أيضا تاريخ الانقسام السياسي والتفتت إلى دويلات، في ظل غياب المواطنة وتعدد الانتماءات وتشتتها بين ولاء قومي وآخر ديني وثالث سياسي، في مناخات لم تخلُ أبدا من تدخلات خارجية وأطماع استعمارية وتحالفات تغذي أصحاب انتماء معين للانقلاب على الأوضاع القائمة، ووسط بروز فرق سنية وأخرى شيعية تتناحر كل منها فيما بينها، فضلا عن الخلافات الشيعية السنية القائمة منذ أحداث الفتنة الكبرى في صدر الإسلام، التي كانت خلافا سياسيا لا دينيا بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان.

وفي عصر ما بعد الاستقلال، وفي ظل غياب الدولة العربية العادلة القادرة المغذية لروح المواطنة والمشاركة المتساوية في الحقوق والواجبات وكافة الصلاحيات والسلطات، ومع حدة التنافس الدولي منذ ذلك الوقت على الإقليم الأوسطي، ثم انفراد الولايات المتحدة بقيادة النظام الدولي، تشبثت النظم العربية على اختلاف أشكالها، بتغييب الديمقراطية والمشاركة وقهر المواطن والأقليات بوجه عام، بل استخدم العديد منها تعاملا أمنيا لقمع مطالب الأقليات الدينية والإثنية، ولم يكن هذا الأمر ضد مختلفين في الدين فقط، بل ضد أصحاب المذاهب الإسلامية الأخرى.

هذه المقدمة ضرورية للتذكير بأن ثمة ثلاثة عوامل أساسية كانت دوما تسهم في توتر العلاقات بين الأديان وبين المذهبين السني والشيعي بمنطقتنا: أولها أن التوتر المذهبي يأتي في الغالب على خلفية انقسام سياسي حاد بين الأطراف الداخلية. وثانيها فقد سمحت الدولة القومية العربية باستفحال هذا الداء الديني والمذهبي الذي ينخر عظامها جراء الانفراد بالسلطة وقمع مطالب الأفراد والأقليات.

وثالثها إذا حدث تدخل خارجي في مثل هذه الأجواء فإنه سرعان ما تظهر النعرات المذهبية والاختلافات الدينية على السطح لتطغى على المشهد السياسي ولتكن عاملا مؤثرا في تشكيله، ويزداد الأمر حدة إذا تعددت الجهات الخارجية المتدخلة، لا سيما إذا اختلفت دينيا أو مذهبيا، وإذا كان بينها تنافس دولي أو إقليمي محموم.

احتلال العراق يشعل الخلافات المذهبية

وإذا ما وضع محل الاعتبار أن الدين بات -مع وصول المحافظين الجدد أو الإنجيليين الجدد إلى الحكم في الولايات المتحدة مطلع عام 2001، والتهاب مفاصل العلاقات المسيحية الإسلامية عالميا منذ بدء الحرب الأمريكية على الإرهاب- يلعب دورا محوريا في العلاقات الدولية اليوم، وأن هذا الوافد القديم-الحديث قد أصاب أول ما أصاب دول الشرق الأوسط، وأن أخطاء الولايات المتحدة في العراق بعد إسقاط النظام السابق عام 2003، وعدم معرفة المسئولين الأمريكيين -ومنهم مسئولو مكتب التحقيقات الفيدرالي وبعض أعضاء الكونجرس ومكتب شئون الأمن القومي الأمريكي وبعض مسئولي مكافحة الإرهاب في واشنطن- الفارق أصلا بين السنة والشيعة، وهو ما ذكره الكاتب جيف ستيفن بناء على مقابلات أعدها مع بعض هؤلاء المسئولين في مقاله بالنيويورك تايمز يوم 24 أكتوبر 2006، لأدركنا لماذا بعد عامين فقط من احتلال أمريكا للعراق أذكيت روح الطائفية والانقسام المذهبي بشكل لم يسبق له نظير في تاريخ العراق الحديث حتى ظهر زرقاوي "سني" لحرب الشيعة، وتحدثت صحيفة الصنداي تلغراف يوم 10 نوفمبر 2006 عن ظهور ما أطلقت عليه "زرقاوي شيعي" لحرب السنة، قالت إنه يسمي نفسه "أبو درع"، وأن أتباعه قتلوا آلاف السنة في عام 2005.

وقد ساعد ذلك بالطبع، وكنتاج لبروز إيران كطرف إقليمي فاعل وتحريكها أوراق اللعبة في العراق تنافسا مع المحتل الأمريكي، وتحالفها مع حزب الله في لبنان، ونفوذها لدى كل من سوريا وحركة حماس الفلسطينية، وشعور العالم العربي أنه تخاذل إزاء لعب دور فاعل بالعراق في أعقاب احتلاله حين يبصر ما يحيط به من مخاطر التقسيم- إلى تصاعد التوترات السنية الشيعية بالمنطقة بأسرها والتي ظلت خامدة لفترة طويلة، وهو ما سبب مشكلات بالدول التي تجمع مجتمعاتها بين الطائفتين، مثل البحرين والسعودية ولبنان، بل إن في مصر من يسعى إلى إبراز أن هناك تخوفا من مد شيعي ومن شيعة مصر أنفسهم، كما أن إيران أصبحت أكثر قسوة في التعامل مع السنة المسلمين أو ما يعرفون بعرب الأهواز، كما أعاد كل ذلك للأذهان العربية ما سعت إليه إيران من تصدير لمبادئ ثورتها الإسلامية ولمذهبها الشيعي إلى الدول المجاورة في أعقاب ثورة 1979.

لبنان يجب أن يبقى نموذجا للتعايش

وسط هذا الزخم التوتري المتصاعد بالمنطقة، ورغم ما يحيط لبنان من قلاقل سياسية منذ اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري في فبراير 2005، فإن العلاقات بين كافة الطوائف في لبنان، ومنها العلاقات بين السنة والشيعة، حتى وإن تم التعايش بينها في ظل سلم أهلي بارد منذ توقيع اتفاق عام 1990، كانت هي مضرب المثل الوحيد لإمكان التعايش والتلاحم بين الطرفين، وإمكان عدم تحول الصراع السياسي إلى تناحر مذهبي.

صحيح أن لبنان لم يشهد دولة مركزية قوية يمتلك فيها طرف سلطة للسيطرة على الآخرين، ويعود ذلك إلى العام 1840، كما أن تعددية طوائفه وارتباط كل منها ارتباطا مباشرا بطرف ما خارجي، أقام قدرا من التوازن النسبي الذي جعل هذا البلد العربي محافظا على تماسكه كدولة حتى اليوم، وصحيح أيضا أنها دولة ضعيفة في ظل مجتمع مدني قوي تغذيه الطائفية، وأن الحرب الأهلية التي اندلعت في لبنان عام 1975 لم تغذيها فقط الطائفية الدينية بقدر ما كانت تقتحمها عوامل أخرى إقليمية ودولية، ارتبط معظمها بأن لبنان أصبح منذ أوائل السبعينيات الملاذ الآمن للمقاومة الفلسطينية، وما تعلق بذلك من إشكاليات في الداخل اللبناني، وكل ذلك مخالف لأي بلد عربي آخر، لكن لبنان وفي كل العصور قدم تجربة عمرها أكثر من ألف عام في كيفية التعايش بين المسيحية الشرقية وبين الشيعة والدروز والسنة والعلويين.

ومن ثم يجوز القول إن أي انهيار لبناني أو الدخول في أتون حرب أهلية أو حدوث تصادم شيعي سني على وجه الخصوص سيكون له من التداعيات على مجمل أوضاع المنطقة ما لا يحمد عقباه.

وأن يسمح اللبنانيون ومن يساندون طوائفهم من الخارج بتحول لبنان إلى "عراق جديد"، فتلكم كارثة تعصف بشتى معاني التعايش بين الديانات والمذاهب في المنطقة كلها، وستكون المقدمة الفعلية لتفتيت دولها إلى كيانات أصغر بعد أن تصبح السمة العامة بدول المنطقة هي بروز صراعات داخلية بين المذاهب والقوميات المتباينة، والصراع العلني بين العرب وإيران.

قد يقول البعض إن لبنان شهد حربا أهلية، وإنه يعيش سلما باردا منذ أوائل التسعينيات، بيد أن هذه الحرب الأهلية التي كانت في عمومها بين المسلمين والمسيحيين، قد شهدت حروبا داخل الطائفة الواحدة (اقتتال بين حزب الكتائب والقوات اللبنانية في يناير 1986، وبين حركة أمل وبين حزب الله في مايو 1988، وأيضا بين "أمل" والفلسطينيين في أكتوبر 1986، وبين "أمل" والحزب التقدمي الاشتراكي في يناير 1987) ولم يحدث سابقا أن تقاتل السنة والشيعة في لبنان، وهو ما يعني أن الانقسام السياسي، وليس الطائفي، كان السبب المباشر وراء هذه الحرب.

واليوم ينقسم لبنان إثر الحرب الإسرائيلية الأخيرة عليه على أساس سياسي والصراع القائم في أصله سياسي، ويجب أن يبقى كذلك، أما إذا سمح قادة لبنان بتحوله إلى صراع مذهبي خاصة بين السنة والشيعة وازدادت حدة التوترات بين العامة من الطرفين، فالنتيجة كارثية على لبنان والمنطقة كلها.

لا للبنان "عراقي"

العراقيون يحفرون عشرات القبور يوميا لدفن ضحايا العنف الطائفي

المنطقة العربية وإيران أيضا ليستا بحاجة إلى لبنان يشبه أو يكاد "عراق" ما بعد الاحتلال، مقسما على أساس مذهبي، تناحر طائفي، زرقاوي هنا وزرقاوي هناك، بل نحتاج لبنانا "وطنيا" لا يرتمي قادته خلف صراعات للهيمنة، إقليمية ودولية، أو خلف تحالفات ضيقة لن تخدم الصالح اللبناني والعربي.

ولكن الطرفين يجب أن يكونا بحاجة لعراق "لبناني" يتعايش أهله وطوائفه ولو في سلم أهلي بارد كما في لبنان. فالعراق اليوم يحتاج إلى صيغة أشبه بصيغة اتفاق الطائف اللبنانية التي أنهت الحرب الأهلية، وذلك دون وجود طرف خارجي يرعى هذا الاتفاق، وعلى أن ينفذ هذا ولو في ظل وجود القوات الدولية على أن تتبع مباشرة الأمم المتحدة. فاتفاق الطائف، ورغم عدم تنفيذ غالبية بنوده لبنانيا حتى اليوم، فإن صيغته حافظت على الأقل مبدئيا على أسس العيش المشترك بين مختلف الطوائف في لبنان.

ومع التسليم بالدور الأمريكي والغربي بل الإسرائيلي في كلا البلدين، فإن كثيرا من عناصر الحل هنا وهناك تقع على عاتق السعودية ومصر والأردن من جانب، وإيران من جانب آخر، خاصة مع بروز العديد من المتغيرات الإقليمية المستجدة بعد الحرب الأخيرة.

وفي الحالة اللبنانية تحديدا لا بد من استدراك الخطر قبل استفحاله؛ فالتهديد بالنزول إلى الشارع من قوى 14 آذار، ومن قبل حزب الله هو مقدمة تحول التوتر السني الشيعي إلى مصادمات حقيقية لا يعلم أحد ماذا ستكون عليه الأمور بعد ذلك، وماذا سيكون موقف المسيحيين في لبنان ساعتها وهم المنقسمون سياسيا على كل من الجبهتين، وهم في كل الأحوال ما زالوا ضمانة حقيقية لحفظ السلم الأهلي، وهو ما لم يتوافر في الحالة العراقية قبل احتلاله أو بعده.

أما حزب الله -وهو وليد ما بعد الحرب الأهلية وقطب شرعي نشأ بسبب الاحتلال الإسرائيلي للبنان- فعليه وعلى أمينه العام السيد حسن نصر الله ألا يحول انتصاره على إسرائيل إلى مطرقة على رأس من خالفوه أو انتقدوه من العرب أو اللبنانيين، ولا يسمح بتحول الانقسام السياسي إلى انقسام ديني، خاصة أن إيران لا تبدي من المواقف تجاه الداخل اللبناني إلا ما ينسجم مع نزاعها مع الغرب ومع إسرائيل في شأن العديد من الملفات، على رأسها الملف النووي والدور الإقليمي.

إن كافة فرقاء لبنان الآن في مرحلة الاختبار الحقيقي، وما يمر به البلد من أزمة سياسية ودستورية قد يكون بداية صراع سني شيعي، ومن ثم ستدخل المنطقة في أتون الظلام.

إن مقولة "لبنان بلد تكمن قوته في ضعفه" أو مقولة "لبنان بلد إذا ارتهن اعتز وإذا حرر اهتز" كانت تصلح فيما سبق، أما اليوم فإن على قوى 14 آذار وعلى حزب الله أن يعملا على أن يكون لبنان بلدا مستقلا، قراراته بأيدي قادته واتفاقهم تحت شعار واحد هو "لبنان أولا".

وإذا ما أرادت الأطراف العربية والإقليمية الفاعلة وعلى رأسها السعودية ومصر وإيران أن تحافظ على توازنها داخليا وعلى دورها إقليميا، فإن عليهم أن يحولوا بكافة الوسائل السلمية واستخدام ما لدى الدولتين العربيتين من نفوذ لدى الأكثرية في لبنان، وما لدى إيران من نفوذ لدى حزب الله، من اندلاع صدامات شيعية سنية، فالمنطقة لا يعوزها ذلك، ومضرب المثل في الالتحام بين الطرفين وهو لبنان لا يستحق أن يكون شماعة للخوف العربي من التمدد الشيعي أو أن تستخدمها إيران للنفوذ الإقليمي؛ لأن هذه الأطراف ربما ستدرك متأخرة أنه كان بإمكانها استخدام الحلول الوسطى، وعرقلة نشوب خلاف مذهبي، ستكون كلفته أشد وطأة من كافة التدخلات الغربية والأمريكية... وساعتها لا عزاء لأحد!


**  محرر صفحة تحليلات وآراء بشبكة "إسلام أون لاين.نت".

 
 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع