بريدك الالكتروني


English

 

الأحد 17شعبان 1427هـ - 10/9/2006م

شئون عربية » المنطقة العربية » تحليلات وآراء
أرسل لصديق
روابط من إسلام أون لاين
أهم الأخبار

 

العملية 1706.. خطة ضرب السودان من الداخل

محمد جمال عرفة**

أمريكا والسودان.. أي مصير ينتظر علاقات الدولتين؟

على طريقة أفلام العميل السري جيمس بوند، نجحت بريطانيا والولايات المتحدة في فرض قرار مجلس الأمن رقم 1706 الذي ينص على نشر قوات دولية في دارفور، ويدعو "حكومة الوحدة" السودانية للموافقة على القرار، رغم أنه قرار غير قابل للتنفيذ عمليا لرفض حكومة السودان نشر أي قوات والتعهد بمحاربتها.

ولأن الجميع بمن فيهم واشنطن وحتى الصين وروسيا -اللتان امتنعتا فقط عن التصويت على القرار ولم تعترضا عليه رغم توقع السودانيين استخدام الصين للفيتو- يعلم جيدا أن القرار لن ينفذ لاعتبارات كثيرة منها الرفض السوداني الحاسم، ومنها صعوبة توفير مثل هذه القوات (22.500 ألف جندي)، خصوصا أن القرار الدولي يتعامل مع السودان وفق الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة بما يعني التدخل عسكريا ونزع سلاح السودانيين ومحاربة من يرفض أوامر القوات الدولية في دارفور؛ فقد طرح الإصرار على صدور القرار تساؤلا حول "الأهداف الأخرى" التي تسعى إليها واشنطن؟.

ومن الواضح أن هذه الأهداف تتمثل في السعي الأمريكي لضرب وحدة السودان من الداخل، خاصة أن أجهزة الاستخبارات الغربية تدرك تماما أن السودانيين ليسوا على قلب رجل واحد، وأن هناك انقسامات تبدأ من داخل التيار الإسلامي الحاكم، ولا تنتهي عند الأحزاب الشمالية وبعضها البعض، ثم الشمال والجنوب، والشمال والشرق، بل وداخل المؤسسة الحاكمة ذاتها، بين الرئيس (البشير) ونائبه الأول (سلفاكير).

ففي الوقت الذين يهدد فيه الرئيس بمحاربة القوات الدولية لو نزلت أرض دارفور ويحث أنصاره على الاستعداد عسكريا لها، يرحب نائبه سلفاكير بهذه القوات، ويحتج دينق ألور وزير رئاسة مجلس الوزراء والقيادي بالحركة الشعبية لتحرير السودان وحكومة الجنوب على طريقة إعلان البشير "قرار الرفض الذي لم يخضع للنقاش"‏,‏ ويقول: "إن القرارات تتخذ دون تشاور بين أطراف الحكومة الائتلافية، وإن حكومة جنوب السودان -التي تعد شريك حكومة الشمال في حكومة الوحدة الوطنية- لا تعد طرفا في القرار الذي أعلنه البشير حول سحب قوات الاتحاد الإفريقي من دارفور"!‏.‏

ونشير هنا إلى أن قرار مجلس الأمن المعدل رقم 1706 حينما تحدث عن موافقة الخرطوم كشرط لنشر القوات تحدث عن دعوة (حكومة الوحدة) -أي طرفي الحكومة الشمال والجنوب- للموافقة على القرار، وهي عبارة خبيثة وضعت للعب على وتر خلافات شقي الحكومة (الشماليين والجنوبيين)، وتحمل أكثر من معنى، وتسمح بأكثر من تفسير.

بل إن هناك من الجنوبيين من يقول إن تعبئة الشارع وحالة الاستعداد للحرب وإحياء خلايا المجاهدين الذين حاربوا حركة التمرد الجنوبية سابقا تستهدف محاربة "الحركة الشعبية" الجنوبية وليس قوات الأمم المتحدة، كنوع من الرد على رفض الحركة الجنوبية لقرار البشير.

البشير لا يستطيع إعلان الحرب

وللسبب السابق، تنبأ قانونيون سودانيون بقبول الخرطوم القرار 1706 في نهاية المطاف؛ لأن البديل هو أن تضحي الحكومة باتفاق سلام نيفاشا وتعود حالة الحرب بين الشمال والجنوب؛ لأنه وفقا للمادة "58-2" من الدستور الانتقالي لجمهورية السودان لا يستطيع الرئيس البشير إعلان حالة الحرب ضد القوات الدولية كما هدد بذلك. بكلمات أخرى، الدستور يحرم الرئيس البشير من إعلان هذا الحق وحده دون موافقة "الحركة الشعبية" الجنوبية التي هي شريك أساسي في اتخاذ مثل هذه القرارات؛ لأن الدستور ينص على: "إعلان حالة الطوارئ أو إنهاؤها أو إعلان الحرب أو دعوة المجلس الوطني للانعقاد أو فضه أو إجراء تعيينات دستورية لا يمكن أن تتم إلا بعد موافقة النائب الأول لرئيس الجمهورية"، وبالتالي فلو أعلن البشير وحده حالة الحرب أو المقاومة في دارفور لاعتبر الجنوبيون ذلك خرقا لاتفاق السلام!.

وعلى أقل تقدير، وفي حالة استمرار البشير في رفض قرار مجلس الأمن، فسيكون على الأمم المتحدة أن تلجأ في هذه الحالة للمادة "41" من ميثاقها، والتي تتعلق بالعقوبات الاقتصادية.

وتشير هذه المخاطر إلى وحدة السودان والتي تكشفت بعد صدور القرار، إلى شيطانية ودهاء ترزية القرار 1706 من البريطانيين والأمريكيين، وإدراكهم أن مثل هذه المواد التي وردت في القرار كفيلة بالضغط على حكومة السودان، وإلا فالبديل هو تفجير السودان من الداخل بشكل يسهل كثيرا مهمة هدم النظام وإسقاطه داخليا قبل ضربه من الخارج.

ولهذا فخطورة العملية البريطانية الأمريكية تمثلت في الالتفاف على الرفض الصيني والروسي بتعديل وهمي في القرار يشير ضمنا لموافقة (حكومة الوحدة) السودانية عليه، بحيث أصبح هذا جرس تنبيه للطرف الجنوبي كي يتحرك ويطالب بحقه في الموافقة أو الرفض، خصوصا أن البنود الأخرى في القرار الدولي تربط بشكل عجيب بين قوات "أنميس" التابعة للأمم المتحدة التي تأسست في مارس 2005 للمساعدة في حفظ السلام بين الحكومة السودانية والمتمردين في جنوب البلاد بعد توقيع اتفاق نيفاشا يناير 2005، وبين القوات المفترض نشرها في دارفور.

ويدعو القرار 1706 لرفع عدد "أنميس" إلى 17300 عنصر، فضلا عن 3300 شرطي مدني للإشراف على تطبيق اتفاقية السلام في دارفور؛ وهو ما يعني أن الرفض السوداني هنا سيكون بلا معنى -كما يقول الجنوبيون- لأن الخرطوم سبق أن وافقت على نشر قوات دولية في الجنوب!.

تفتيت دولة قابلة للتفتت

والآن بعدما كشفت القراءة الدقيقة للقرار 1706 عن أن عباراته صيغت بطريقة غرضها تفتيت السودان الفيدرالي القابل للتفتت أصلا نتيجة نزاعات أهله في الشمال والجنوب والشرق والغرب، يتضح أن الهدف الأساسي للقرار أو العملية 1706 هو ضرب التحالف الحاكم في السودان حاليا بقوة، لا سيما التحالف القائم بين حزب المؤتمر (الشمالي) بزعامة البشير وحليفه في الحكم (الحركة الشعبية) الجنوبية، بل وضرب اتفاق سلام دارفور نفسه (اتفاق أبوجا) الذي أقر سلاما هشا، والذي وقعته الحكومة مع بعض متمردي دارفور؛ لأن هذا الاتفاق يقول برعاية الاتحاد الإفريقي وقواته له ونشر قوات إفريقية في دارفور، وهو ما يهدمه القرار الدولي 1706 الذي يطلب نشر قوات أجنبية بدل الإفريقية، ومن ثم يعيد الحرب للإقليم مرة أخرى.

ولأن هناك -كما يقول المسئولون السودانيون- "طابورا خامسا" جاهزا في السودان من الشماليين والجنوبيين يسعى للإجهاز على حكومة البشير من المعارضين والقوى الجنوبية والشرقية التي وجهت انتقادات للحكومة لرفضها نشر القوات وفق تصور بأن انهيار هذه الحكومة التي ظلت في السلطة منذ 1989 سيكون لصالحها ولصالح توليها الحكم؛ فقد مثَّل القرار الدولي معول هدم آخر لوحدة واستقرار السودان.

أيضا نجح القرار الدولي في توتير علاقات السودان مع الاتحاد الإفريقي وتعريضها للخطر، خصوصا أن الاتحاد يؤيد نشر قوات دولية، وأن تتحول قواته في السودان لقوات دولية تلبس القبعات الزرقاء، في حين يقول السودان إنه لن يسمح ببقاء جنود أفارقة في إقليم دارفور المضطرب إلا تحت مظلة الاتحاد الإفريقي، بل وطالب هذه القوات بالانسحاب من السودان أو طردها في حالة ارتدت قبعات الأمم المتحدة الزرقاء.

وطبيعي أنه لو انسحبت قوات الاتحاد الإفريقي من دارفور فسيكون هذا مبررا أكبر لمزيد من اتهام الخرطوم بارتكاب إبادة جماعية في دارفور وتحملها المسئولية، خاصة أنها بدأت حملة عسكرية ضد متمردي دارفور، بما يعجل بتدخل دولي بالقوة وفق الفصل السابع للأمم المتحدة. وفي هذه الحال قد يأتي التدخل من قوات حلف الأطلنطي وأمريكا ليكرس فكرة الاحتلال التي يخشي منها السودان، ويعجل بانفصال الجنوب وأقاليم غربية أو شرقية أخرى بدعم غربي.

ولهذه يقولون في السودان إن القرار 1706 ليس سوى غطاء سميك تريد القوى الدولية من خلاله ضرب فكرة وجود دولة ذات صبغة إسلامية في هذه الدولة الاتحادية المترامية الأطراف الغزيرة المعادن، وأن هدفه هو السيطرة على موارد السودان واحتلال أرضه، خصوصا بعدما ظهر البترول بكميات كبيرة، كما ظهرت معادن مهمة مثل اليورانيوم غير خام البوكسيد (الألمنيوم) المستخدم في صناعة الطائرات والسفن.

الانشقاقات الداخلية وشبح التدخل الخارجي

يمكن القول أن المخاطر الحقيقية التي استندت لها العملية 1706 تمثلت في التعويل على الانشقاقات الداخلية في السودان، خصوصا داخل التيار الإسلامي الذي انقسم ليس فقط بين جناحي البشير والترابي، ولكن بين أجنحة صوفية وأخرى متشددة وثالثة متغربة، فضلا عن الأجنحة الأخرى الحزبية والأيديولوجية.

وبقدر ما كانت وحدة هذه الأجنحة وتوحيد جهودها -خصوصا الجناح الإسلامي- هي العاصم من تفتيت السودان في الثمانينيات بعدما كانت الحكومة لا تسيطر على قرابة نصف أراضي الدولة السودانية، بقدر ما أعادت الانشقاقات بين هذه الأجنحة -وهي في الحكم- المخاطر على السودان بعدما حدث اختراق للصف الإسلامي وتشتته.

وعلى الطرف المقابل، حدث العكس ووحدت كل القوى المعادية للسودان جهودها كحكومات ومنظمات كنسية وإغاثية ذات خلفيات استخبارية معروفة، ونجحت في حصار حكومة السودان بحزمة قرارات دولية، واختراق الكونجرس والبرلمانات الأوروبية وحشدها ضد نظام الحكم الحالي.

فهناك -وفق موقع (المشكاة) السوداني- اللوبي الإفريقي الأمريكي واللوبي البروتستانتي ومجلس الكنائس العالمي ولوبي حقوق الإنسان واللوبي الصهيوني وجمعية محاربة الرق والكوكس السوداني (نسبة للبارونة البريطانية كوكس) ولجنة الحريات الدينية في العالم، وغيرها من المنظمات والجمعيات التي قدمت مذكرة تلو الأخرى إلى الإدارة الأمريكية لتشديد الوطأة على الحكومة السودانية منذ أيامها الأولى، وعرقلة كل محاولات السلام في الجنوب، وتشويه صورة الإسلام.

وفي دارفور وحدها نجحت عشرات المنظمات التنصيرية تحت مسمى "منظمات إنسانية" في تشويه صورة حكومة السودان وتصويرها على أنها مصاصة دماء لأهالي دارفور رغم أن كل أهل دارفور مسلمون وليس بينهم مسيحي واحد، وكان أبرز هذه المنظمات: "جملك يا ربي وأوكسفام والرؤيا العالمية والإغاثة الكاثوليكية للتنمية ومنظمة التعاون السويسرية والعمل لأجل مكافحة المجاعة وأفريكار" وغيرها من المنظمات التنصيرية العاملة هناك.

خطوات المواجهة

هناك بالتالي حاجة سودانية ملحة لإعادة توحيد الجبهة الداخلية كخطوة أساسية لنجاح مواجهة هذه الضغوط الخارجية وليس الاكتفاء بشعارات المواجهة والصمود؛ لأن الجبهة التي ينخر فيها سوس الاختراق الخارجي، ودخان الغضب الشعبي من تدهور الأوضاع المعيشية يصعب صمودها.

وهناك حاجة أكبر لتعامل دبلوماسي أكثر حرفية مع حلفاء الجنوب والغرب من حركات التمرد في الجنوب ودارفور، وتعامل أكثر حنكة مع الاتحاد الإفريقي (الخرطوم تراجعت عن طرد القوات الإفريقية وأعطت مهلة أسبوعا يجدد لوضع حلول)، مع السعي لتأمين الفناء الخلفي العربي والاستفادة من هذا الزخم العربي والدول المتعاطفة في أمريكا اللاتينية وآسيا وإفريقيا كجبهة ضغط معادلة للضغوط الغربية مع فضح المخططات الغربية.

أيضا يستطيع السودان أن يلعب على وتر أن التدخلات الخارجية -كما حدث في العراق وأفغانستان- لا تحل المشاكل بل تؤججها وربما تحول إقليم دارفور لمركز جديد وأرض خصبة لكل المنظمات المتطرفة والإرهابية خصوصا القاعدة، وهو أمر ترجحه أيضا تقارير أمريكية، وسينعكس على كل دول المنطقة بما فيها أصدقاء أمريكا في مصر وإفريقيا والخليج.

فهل تنجح عملية 1706 الأمريكية البريطانية فيما فشلت فيه عمليات تفتيت السودان الاستعمارية السابقة؟ وهل يكون انفصام عرى الوحدة الداخلية هو حصان طروادة الذي تلعب عليه القوى الغربية لإعادة استعمار السودان تحت غطاء دولي جديد، أم ينجح السودانيون في اللعب بأوراق النجاح التي في أيديهم ليسددوا لإدارة بوش رابع ضربة لها بعد جولات أفغانستان والعراق وجنوب لبنان الفاشلة؟!.

 


**المحلل السياسي بشبكة "إسلام أون لاين.نت".

 
 

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع