 |
|
د. عبد المنعم أبو الفتوح |
مصطلح "الإسلام الإصلاحي"
هو التوصيف الدقيق لنشاط الحركة
الإسلامية الذي يضيق عن توصيفه مصطلح "الإسلام
السياسي"، فهو يحصر هذا النشاط في
الممارسة السياسية فقط وهو ما يخالف
الواقع، فنشاط الحركة الإسلامية اجتماعي
وتربوي وثقافي وتعليمي وتنموي.
كما أن الإخوان المسلمين هيئة
إسلامية وليست مجرد جمعية دينية، وهي
أيضا ليست حزبا سياسيا بالمعنى
الاصطلاحي للحزب السياسي، وهناك حديث
عميق يدور داخل الجماعة عن تحولها كلية
إلى حزب، على أن تقوم بدورها الإصلاحي من
خلاله أو أن يتفرع عنها حزب سياسي لا صلة
له بالعمل الدعوي والاجتماعي الذي تقوم
به الجماعة. وقد أكسبتنا التجارب رؤية
واضحة ودقيقة للتمييز بين ما هو دعوي وما
هو سياسي. وما بدا خلطا وتداخلا سببه
التضييق والحصار والملاحقة والقمع الذي
تمارسه الدولة.
واتساقا مع ذلك، فإن موضوع
المقال هذا يتعرض إلى رد على نقاط ست وردت
في دراسة حديثة لمركز كارينجي للسلام
الدولي عنونت بـ"الإسلاميون
والديمقراطية.. مساحات رمادية"، من
أجل إزالة الغموض أو المساحات الرمادية
التي نتهم بأنها تكتنف خطابنا، والذي
يبدو أن مصدره الغرب وليس نحن كما
يقولون؛ ذلك أن معظم القراءات التي تمت
لمشروع الإسلام الإصلاحي يغلب عليها
الرفض المبدئي، والذي ينبع من صورة ذهنية
تكونت من تفاصيل تاريخية وثقافية تحتاج
إلى كثير من النقاش والمراجعة بين ما
نراه نحن وما يراه غيرنا.
ضد التعصب والتطرف والعنف
1- الشريعة الإسلامية: تتوج (الرحمة)
على القمة في منظومة القيم الإسلامية.
وفى القرآن الكريم {وما أرسلناك إلا رحمة
للعالمين}، ومن منطلق هذه الرحمة جاءت
الشريعة الإسلامية بكل ما فيها من أحكام
ترجمة لهذه القيمة الأساسية. وأحكام
الإسلام في عمومها جاءت لتأكيد ثلاثة
أمور كلها تنبع من هذه القيمة؛ أولها:
تهذيب النفس الإنسانية والارتقاء
بغرائزها. وثانيها: إقامة العدل بين
الناس بلا استثناء أو تمييز بأي حال من
الأحوال. وثالثها: تحقيق مصالح الناس.
ويقول أحد العلماء: حيثما وجدت المصلحة
وجدت الشريعة، ومن هنا كانت كل أحكام
الشريعة بغرض تحقيق الخير والصلاح
للإنسان.
وقد رتب العلماء مقاصد الشريعة
إلى ضروريات، وهي: حفظ النفس والعقل
والدين والمال والنسل، وكماليات تحمي
الأصول الخمسة السابقة وتحفظ كرامة
الإنسان على الأرض، كما قضت إرادة الله {ولقد
كرمنا بني آدم...}، وهذه المقاصد -كما نرى-
تستوعب الحياة الإنسانية كلها، وتنتج
إنسانا مسلما يشعر بانتمائه للإنسانية،
ويتفاعل بحرية وكرامة مع الآخرين،
ويتعايش مع كل من حوله في سلام وتعاون.
والإدراك الواعي والتطبيق
الصحيح لهذه المقاصد هو صمام أمان
للمجتمع وحماية له من التعصب والتطرف
والعنف. ويمثل قانون العقوبات في الشريعة
الإسلامية ما نسبته 10% تقريبا من أحكام
الشريعة.
ومع ذلك فقد استحوذت على كل
اهتمام المحللين والمتابعين لموضوع
الشريعة؛ وهو ما يعطي انطباعا بأن هذا
القانون هو كل الشريعة؛ الأمر الذي يخالف
العلم الصحيح بالشريعة ومقاصدها كما
أوضحنا. والدارس المتعمق لهذه القوانين
في منظورها التاريخي أو في إجراءاتها
التطبيقية يجد أنها عقوبات رادعة أكثر
بكثير من كونها عقوبات تنفيذية، فلكي
يطبق حد السرقة مثلا لا بد من توفر شروط
إجرائية يكاد يكون توفرها في عداد
المستحيلات، ونفس الأمر في باقي
العقوبات.
إن قوة الردع في القانون أهم من
القانون ذاته كما نعلم جميعا، وكلما
ازدادت قوة الردع في القانون ازدادت
قيمته في حفظ تماسك المجتمع وصونه وإصلاح
"المجرم المحتمل". ونتذكر حديث
الرسول "ادرءوا الحدود بالشبهات".
والشبهات هي كل ما يفسر لصالح المتهم
لإبعاد شبح تطبيق العقوبة عليه، وبعض
الباحثين ذكروا أنه يجوز للقاضي إلغاء
الحد على المتهم إذا أعلن التوبة، هذا
بالنسبة لقانون العقوبات الذي يساء فهمه
عن الإسلام.
وتجدر الإشارة إلى أن كل تطور
وتقدم حققته البشرية لصالحها ونفعها
داخل في الشريعة التي هي كما وصفها أحد
العلماء: عدل كلها، قسط كلها، رحمة كلها.
وكل مسألة خرجت من العدل إلى الظلم، ومن
القسط إلى الجور، ومن الرحمة إلى ضدها
فليست من الشريعة، وإن أدخلت فيها
بالتأويل. والأصل في الإسلام أن كل شيء
مباح إلا ما حرم بنص قطعي الدلالة،
والمحرمات معلومة ومحددة.
وفى الحوارات الهامة التي دارت
بين الشيخ الإمام محمد عبده -أحد الآباء
المؤسسين لمشروع الإسلام الإصلاحي-
وأرنست رينان وفرح أنطون ما قد يساعد
البعض على إضاءة هذه المساحة الرمادية؛
ذلك أنه ربط ربطا موضوعيا رائعا بين
الحضارة الإسلامية كلها والشريعة
ومقاصدها.
2- العنف: فضلا عن أنه يتناقض مع
مبادئنا ومناهجنا، فهو أيضا ضد مصلحتنا
ومصلحة أوطاننا. وفهمنا الصحيح للإسلام
يجعلنا نثق كل الثقة بالطبيعة الإنسانية
وبقدرة الإسلام على التفاعل الخلاق مع
هذه الطبيعة في أجواء الحرية والتنافس
الديمقراطي، الذي يحترم التنوع والتعدد
والاختلاف في السعي نحو بناء مجتمعات
جديدة لا تشيع فيها رائحة الدم والانتقام
والقمع.
الغرب مصدر الترويع والتفزيع
إن الحديث الآن حول صلة مشروع
الإسلام الإصلاحي بالعنف أصبح غير ذي
موضوع، والفارق بين المقاومة للباغي
والغاصب والمحتل وبين الترويع والتفزيع
وسفك الدماء البريئة واضح للجميع.
والمطلوب حقيقة من الغرب
تاريخيا وفعليا أن يتطهر هو من العنف؛
ففي دراسة اطلعت عليها مؤخرا رصد كاتبها
أنه خلال القرنين الماضيين خرجت كل
المآسي وأشكال العنف التي حطت على رؤوس
البشر من الغرب.. الحروب الدينية الشرسة
بين الكاثوليك والأرثوذكس وبينهما وبين
البروتستانت، وحرب المائة عام (1337 – 1453م)
بين إنجلترا وفرنسا. ثم ما لبثت أن أطلت
من الغرب فكرة الملكية الاستعمارية التي
أنتجت الرأسمالية ثم الشيوعية كعقيدة
مناهضة لها، ثم ظهرت الفاشية والنازية
كمفاهيم استعلاء وعنصرية. ولا تنسى
الذاكرة الإنسانية حربين عالميتين من
أبشع الحروب في تاريخ البشر.
كما أن الشرق الأوسط الآن مثال
واضح للعنف الغربي، وإلى الآن نسمع ونرى
أصوات الأصولية الدينية كعقيدة سياسية
يؤمن بها ويرعاها الملوك والرؤساء في
الغرب. نتمنى من الغرب فكريا وفعليا
إعلاء قيمة التسامح، ولعل في سيرة قائد
غربي مثل الإمبراطور الألماني فريدريك
الثاني (1212 – 1250م) ما يعد نموذجا في معنى
التواصل الحضاري والتطبيق الفعلي لقيمة
إنسانية عظمى كقيمة التسامح.
3- التعددية السياسية: التسليم
بالتعددية بين البشر تسليم بحق الاختلاف
الذي هو حقيقة من حقائق الحياة. وبالتالي
فالتعددية في فهم الأفكار ووسائل
تحقيقها في حياة الناس أمر طبيعي ومنطقي،
ويعتبر الإسلام هذا التنوع والاختلاف
قيمة تزيد الرؤية الإنسانية ثراء
وتمنحها إحاطة وعمقا، فاليسار يقدم رؤى
في العدل الاجتماعي جديرة بالتواجد في
ساحة العمل السياسي، والليبرالية تقدم
رؤى عن الحريات جديرة بالتواجد السياسي،
وكل هذه الأفكار يسعها المجتمع طالما لا
تتعارض مع القيم العليا في دستور التوافق
والإجماع الذي يمثل مرجعا للجميع.
وقد أصبحت التعددية وحق أصحاب
الرأي الواحد في الاجتماع والتنظيم من
أكبر الضرورات في عصرنا هذا الذي "تغولت"
فيه الدولة الحديثة، وتضخمت أجهزتها
وأدواتها القمعية نتيجة للتقدم
التكنولوجي الهائل، وأصبح معه الفرد
المعارض في غاية الضعف إذا ما عارض
الدولة واختلف معها، أما في حالة الحزب
أو الجمعية أو أي تكتل، فإن مجابهة
الدولة تصبح ممكنة ويتحقق التوازن الذي
يضبط حركة الحياة السياسية والاجتماعية.
ويضاف إلى ذلك أيضا الحق في الإعلام بكل
الوسائل الحديثة الواسعة النطاق؛ وهو ما
يزود أصحاب الرأي بأدوات مهمة للتعبير
الكامل عن آرائهم.
الديمقراطية هي الحل
4- الحقوق السياسية والمدنية:
تظل الديمقراطية أنجح وسيلة مطروحة
فكريا وسياسيا لتحقيق حقوق الإنسان
وكرامته، ومشروع الإسلام الإصلاحي لا
يعتبر الديمقراطية حكم الشعب فقط، ولكن
أيضا التعايش السلمي الكريم بين كل فئات
المجتمع، وتبادل السلطة فيه سلميا
ودستوريا، والمساواة بين الناس في تطبيق
القانون وفي ممارسة الحقوق والحريات.
والحرية في حد ذاتها قيمة إسلامية ملزمة،
ويزداد الأمر أهمية حين يتعلق الأمر
بالحرية السياسية وحرية الرأي؛ لأننا
هنا أمام أصل هام من أصول الإسلام وهو
حرية الاختيار.
5- حقوق المرأة: يؤكد الإسلام على
الحق الكامل للمرأة في إدارة شئون الأسرة
مع زوجها عن تراض وتشاور، كما يذكر
القرآن الكريم. وفي الحياة العامة للمرأة
كل الحق في المشاركة في توجيه حركة
المجتمع وسياسة الدولة، ولها كل الحق في
تولي كل المناصب.. ومع تطور المؤسسات
السياسية في ممارسات الحكم والتي أصبحت
أقرب ما تكون إلى القيادة الجماعية، فإن
للمرأة المشروعية الكاملة في تولي
الرئاسة مثلها مثل الرجل.
ولعلنا نتذكر أن المرأة لم تنل
حق التصويت في الانتخابات العامة في
فرنسا إلا في عام 1945 بعد ما أظهرته من
شجاعة وقوة في مواجهة الاحتلال الألماني.
والمشكلة في رأيي تكمن في تراث إنساني
طويل في التقليل من شأن المرأة واعتبارها
كائنا ناقصا. وتعبر الحضارة الإغريقية عن
هذا المفهوم الخاطئ في قول "أرسطو":
إنه يحمد الله لأنه ذكر، ولأنه يوناني،
ولأنه فيلسوف.
الإسلام الإصلاحي ضمانة لحقوق
الجميع
إن مشروع الإسلام الإصلاحي يحمل
للمرأة دورا كبيرا في النهضة. المرأة
الإنسان التي هي نصف المجتمع وتربي النصف
الآخر، المرأة الطبيبة والمعلمة
والمهندسة.. المرأة التي تنتج وتعمل وفق
ما ترى وتختار وتستطيع.
وحجاب المرأة في الإسلام يدور
وفق مفهوم الاحتشام والأخلاق، ومهما بلغ
المدى الذي يتطلبه هذا المفهوم فهو لا
يغطي عقلها ولا شخصيتها ولا إنسانيتها،
ولعل نظرة الغرب إلى المرأة الأنثى تحتاج
إلى كثير من التصويب والتحسين، إذ إن
الأمر الآن تجاوز الحدود، فيما يمثل
امتهانا للإنسانية كلها بامتهان المرأة
فيما يعرف بصناعات الأزياء والتجميل
وصناعات الجنس، وهو أمر ينافي القيم
الإنسانية والدينية، ويحط من قيمة
المرأة الأم والأخت والزوجة.. المرأة
التي هي نصف الدنيا.
6- الأقليات الدينية: تعد حرية
الاعتقاد أول حق من حقوق الإنسان، والتي
يتحقق بها وصفه بالإنسانية والمبدأ
الإسلامي، الذي يحكم ذلك هو (لا إكراه في
الدين) والإيمان بدين أو عقيدة يكون
ارتضاء وقبولا من النفس ويستحيل عقلا
ومنطقا أن يكون هذا الإيمان بالإكراه
والإلزام، وعلى ذلك فالإسلام جعل
الإيمان الديني ينبع أولا من الحرية
الكاملة والاختيار الخالي من أي ضغوط أو
إغراءات.
يذكر القرآن الكريم (أفأنت تكره
الناس حتى يكونوا مؤمنين) ومن المهم أن
نؤكد أن إيمان المسلمين بإسلامهم لا
يتحقق إلا بحماية غير المسلمين بينهم
وحفظ حقهم في الاختلاف في الدين. وتعد
المواطنة في مشروع الإسلام الإصلاحي
أساسا للوجود في المجتمع بغض النظر عن
الدين أو اللون أو المذهب. والعدل العام
بين الناس قيمة إسلامية عليا ( إن الله
يأمر بالعدل..) والأساس الذي يقوم عليه
النظر والتعامل مع غير المسلمين في
المجتمع الإسلامي المنشود هو أن الفرد
للمجتمع والمجتمع للفرد بكل ما في ذلك من
تعاون وتراحم وحب واحترام.
نحمد الله أن مجتمعاتنا لم تشهد
يوما حادثة مثل الحادثة التي تعرضت لها (روزا
بارك) عام 1955 في مدينة منتجمرى بولاية
الباما، حينما رفضت أن تخلي كرسيها في
الحافلة لمواطن أمريكي مثلها تماما
ولكنه أبيض، ذلك لأن القانون كان ينص
وقتها على أن الصفين الأماميين في أي
حافلة للمواطن الأمريكي الأبيض ولا يجلس
فيهما المواطن الأمريكي الأسود.
إن حقوق الأقليات -وأنا أسجل
تحفظي على وصف أقليات لغير المسلمين في
المجتمع المسلم- مكفولة بقوه القانون،
وبروح التطبيق الإسلامي الذي جعل
الكرامة الإنسانية حقا لكل البشر،
والجزية والذمية وما إلى ذلك من مصطلحات
تاريخية، حل محلها مفهوم ديمقراطية
لمواطنة في دولة العدل والقانون. تلك
الدولة النموذج التي يتطلع مشروع
الإسلام الإصلاحي -وفى القلب منه الإخوان
المسلمون- إلى قيامها ورؤيتها حقيقة
وواقعا.
|