|
منذ
توليه منصب رئيس وزراء ألمانيا عام 1998
لم يحدث أن قام جيرهارد شرودر بأي زيارة
إلى القارة السمراء، إلا أنه فاجأنا
بزيارة أفريقية في مطلع هذا العام 2004؛
وهو ما أثار فضول الباحثين والمراقبين،
وجعلهم يتساءلون: لماذا الآن بالذات؟
لقد زار خلال هذه الجولة الفريدة من
نوعها عددا من الدول الأفريقية جنوب
الصحراء، هي: أثيوبيا، كينيا، جنوب
أفريقيا، وغانا بالترتيب؛ واختار أن
تكون محطته الأولى في القارة السمراء هي
أثيوبيا، مقر الاتحاد الأفريقي.
ورغم
ما أعلنه المستشار الألماني شرودر خلال
هذه الجولة من اهتمام ألمانيا بمستقبل
أفريقيا ودعمها الواضح للدول
الإصلاحية، فإن تأخر هذه الزيارة إلى
هذا الوقت -وبعد قضاء كل هذه الفترة في
منصبه الرسمي- يشير إلى أن أفريقيا لم
تكن تقع ضمن أولويات برلين، وأن ثمة
تغييرا واضحا حدث داخل الأجندة
الألمانية؛ الأمر الذي أثار التساؤل
حول أسباب هذه الجولة ونتائجها.
لفت
الانتباه داخليا وخارجيا
إن
ألمانيا كغيرها من الدول الغربية تتحرك
بدافع تحقيق المصلحة، والسياسة
الخارجية الألمانية تدور بالأساس –ومنذ
أن استلم الاشتراكيون الديمقراطيون
بزعامة جيرهارد شرودر وبالائتلاف مع
الخضر بزعامة يوشكا فيشر مقاليد السلطة
بعد انتخابات عام 1998– حول الاكتفاء
بمواكبة الأحداث السياسية الدولية، مع
التركيز على المصالح الاقتصادية
الألمانية المتنامية التي تنامى
تأثيرها في رسم معالم السياسة الخارجية
أيضا، إلى أن أصبحت لها الأولوية على ما
سواها، بما في ذلك العلاقات مع واشنطن.
ويجب ألا يجعلنا ذلك نتصور أن العلاقات
الألمانية الأمريكية قد تصل -على الأقل
الآن– إلى مرحلة الصدام المباشر؛
فألمانيا ورغم موقفها المعارض الذي
اتخذته في أزمة العراق، فإنها ما زالت
تذكر علنًا فضل الولايات المتحدة
وبريطانيا عليها، في إشارة إلى إقامة
الديمقراطية على الأراضي الألمانية بعد
هزيمة النازيين في عام 1945.
ورغم
ذلك فقد يكون أحد أهداف هذه الجولة –وعقب
الفشل الذريع لجولة بوش لأفريقيا في
يوليو 2003– هو لفت انتباه الأفارقة إلى
القدرات الألمانية، خاصة مع تأكيد
شرودر على زيادة التعاون الاقتصادي
والتبادل التجاري بين ألمانيا ودول
أفريقية، تعتبر "واعدة" اقتصاديا
وسياسيا.
ويأتي
الانزعاج الألماني من انتقال المشاكل
الأفريقية الكبرى إلى أوربا في المرتبة
الثانية؛ وكان شرودر على حق حين أكد على
أن بؤر التوتر في أفريقيا لن تظل بدون
تأثير سلبي على القارة الجارة (القارة
الأوربية)، مؤكدا أن "المساعدة من أجل
مساعدة الذات ينبغي أن تتخذ شكلاً آخر،
أي أثمانا وأجورا عادلة للمنتجات
المصنعة محليا، وأن ما عدا ذلك كله لن
يكون إلا حلولا وهمية أو حلولا مؤقتة في
أحسن الأحوال؛ وفي نهاية الأمر قد تلحق
من الضرر أكثر مما تجلب من النفع".
وعلى
الصعيد الألماني الداخلي تأتي هذه
الجولة لدحض الأقوال المثارة حول غياب
التنسيق بين ألمانيا وأكثر أماكن
العالم من حيث عدم الاستقرار؛ ويصر
منتقدو شرودر على أن هذه الجولة ما هي
إلا وسيلة لزيادة مؤيدي الحزب
الديمقراطي الألماني -ذي الهامش القليل
من التأييد على حد قولهم- على حساب الحزب
المعارض.
أثيوبيا..
أولى المحطات
تحمل
محطات الجولة الأربعة –أثيوبيا،
كينيا، جنوب أفريقيا، وغانا– بعض
الدلالات خاصة مع استبعاد ناميبيا –المستعمرة
الألمانية السابقة– من جدول الزيارة،
والتي يعرف رئيسها الحالي سام نوجوما
بأسلوبه الأوتوقراطي، وتأييده الصريح
للرئيس الزيمبابوي روبرت موجابي.
وقد
وصفت ناميبيا عدم توقف المستشار
الألماني شرودر في المستعمرة الألمانية
السابقة –حيث يحيي هذا الشعب مئوية
المجزرة بحقها التي ارتكبتها قوات
الرايخ قبل مائة سنة– بأنه إهانة؛ لكن
برلين أعلنت أن وزير الخارجية الألماني
يوشكا فيشر كان قد زار هذا البلد في
أكتوبر 2003؛ وأن ألمانيا عبرت عن أسفها
لهذه المأساة؛ وأنها قدمت مساعدة كبرى
بقيمة نصف مليار يورو لهذا البلد.
ويستدعي
هذا الموقف الألماني "النبيل" في
الأذهان إصرار بوش -أثناء جولته قبل 6
أشهر- على عدم الاعتذار عن فترة
العبودية، مؤكدا أن اللوم في هذا المقام
يقع على العديدين.
والأغرب
أن يخرج هذا التصريح على لسان مستشارة
الأمن القومي كونداليزا رايس التي
تنتمي لعائلة من السود في ولاية ميسيسبي
شهدت أسوأ تاريخ لعبودية السود
الأفارقة.
إن
أولى دلالات هذه الجولة يبدو من اختيار
أثيوبيا كأولى محطات الجولة؛ فأثيوبيا
هي مقر الاتحاد الأفريقي، والذي سجل
شرودر إعجابه بما يقوم به من تعديلات
وإصلاحات تساهم في ترسيخ الأمن الدولي؛
وترجم شرودر هذا الإعجاب بمنح الاتحاد
825.200 دولار لمساعدته في الاستمرار. وفي
الوقت نفسه، حذّر شرودر دول الاتحاد من
التعجل في تقليد نموذج الاتحاد
الأوربي، قائلاً إن الدول الأفريقية
على وجه العموم ودول شرق أفريقيا على
وجه الخصوص، تتسم بظروف خاصة لا بد من
أخذها في الاعتبار.
وعلى
صعيد العلاقات الأثيوبية الألمانية،
ناقش شرودر مع زيناوي عدة قضايا:
كالمساعدات التنموية، مياه الشرب
والصرف، الإيدز، تحرير التجارة
والاقتصاد؛ كما عبّر عن تفاؤله فيما
يتعلق بالصراع الحدودي الأثيوبي
الأريتري، الممكن حله سلميا، إلا أنه
طالب كلا الطرفين بقبول الحكم الصادر من
قبل اللجنة الدولية.
كينيا..
الحليف الأساسي لألمانيا
وكانت
كينيا هي ثاني وأطول محطات الجولة،
والتي جاءت لتأكيد الثقة الألمانية في
جهود حكومة "تحالف قوس قزح القومية"
(NARK) لتحقيق الإصلاح السياسي
والاقتصادي، ولدعم جهود الرئيس الكيني
ماواي كيكيبا الذي يخوض معركة ضد الفساد
الموروث عن حقبة آراب موي. جاءت زيارة
شرودر أيضا بعد بضعة أشهر من تدفق
المانحين متعددي الأطراف إلى كينيا؛
وهذه إشارة واضحة على أن إصلاحات الرئيس
الكيني الجديد تسير في طريقها الصحيح،
وتحظى بالرضاء الدولي. ومع ذلك، فقد
أظهرت هذه الزيارة الألمانية أن
التراهن بشأن تقديم المساعدات
التنموية، والاستثمارات الأجنبية،
يعتمد بالأساس على مدى توافق سياسة
الحكومة الكينية الجديدة مع الطريق
المرسوم لها من قبل الغرب.
وفي
نفس الوقت الذي أثنى فيه شرودر على
مبادرة الحكومة الجديدة بالإصلاحات
الاقتصادية والسياسية، أملت السلطات
الكينية ومجتمع الأعمال المحلي بالحصول
على مزيد من الشعور بالثقة في الاقتصاد
الكيني من قبل المستثمرين الألمان
المصرين على ضرورة وجود صورة قانونية
لحماية الاستثمارات الألمانية؛ وبناء
عليه وعد وزير التخطيط الكيني
Anyang Nyong'o
بمناقشة قانون الخصخصة المعطل في
البرلمان في مارس 2004.
وتعمد
شرودر التهرب من إيقاع حكومته في
اتفاقات تجارية مع كينيا، شبيهة بقانون
"الفرص ونمو أفريقيا" المتبع من
قبل الولايات المتحدة؛ ولكنه في
المقابل اقترح أن تتم صور من الشراكة
بين الشركات الألمانية وقطاعات الأعمال
الكينية المحلية؛ وذلك بعيدا عن تدخل
الحكومة الألمانية.
وعلى
صعيد آخر اعتبر شرودر كينيا هي الحليف
الأساسي لألمانيا في المنطقة لتحقيق
السلام والأمن في منطقة شرق أفريقيا،
خاصة القرن الأفريقي؛ وذلك من خلال
الدور الذي تلعبه كينيا في رعايتها
لقضايا السودان والصومال. وتعهد شرودر
بمساندة الحكومة الكينية في تنمية
الإيجاد والاتحاد الأفريقي، كجزء من
برنامج ألمانيا لتقوية قدرة أفريقيا
على منع وحل الصراعات. كما اتفق شرودر مع
المسئولين في كينيا على التعاون في
مكافحة الإرهاب، عبر المشاركة في تدريب
الشرطة التعاون بين أجهزة المخابرات.
جنوب
أفريقيا.. التوافق الاقتصادي
أما
جنوب أفريقيا –المحطة الثالثة– فقد
وجد شرودر والوفد المرافق له استقبالاً
حارًّا؛ ولم يؤثر على ذلك أن ألمانيا
تتحرك على الخط الأوربي المتشدد تجاه
نظام موجابي في زيمبابوي، بينما تفضل
حكومة بريتوريا الأسلوب الدبلوماسي
الهادئ. وتعتبر دولة جنوب أفريقيا أهم
محطة بكل تأكيد في جولة شرودر بالقارة
الأفريقية؛ فهي أقوى الدول الأفريقية
اقتصاديا، كما أنها كانت شريكا
اقتصاديا مهمًا لألمانيا في عهد
حكوماتها السابقة، ولم يتغير ذلك بتغير
النظام السياسي فيها، كما أن هناك في
جنوب أفريقيا إعجابا إلى حد كبير
بالنموذج الألماني.
وعلى
الرغم من عدم تمكن شرودر من مقابلة
الرئيس الجنوب أفريقي السابق نيلسون
مانديلا –والذي كان وقتئذ خارج البلاد–
فقد حرص شرودر على زيارة مؤسسة نيلسون
مانديلا؛ الأمر الذي كان له بالغ الأثر
في نفوس الأفارقة بالمقارنة بموقف جورج
بوش الابن أثناء جولته لأفريقيا، والذي
صرح -وقبل أيام من بدء الجولة- أنه لن
يقابل سوى رؤساء الدول الحاليين،
وبالطبع لم يدرك المنظمون لجولة بوش أنه
كان من الأفضل عدم إثارة مسألة الزعيم
الأفريقي من الأساس؛ حيث إن الخاسر في
تلك المواجهة كان الرئيس الأمريكي نفسه.
ويبدو
أن شرودر قد استوعب تلك الإشارة، فكان
التأكيد على مقابلة الزعيم الأفريقي
مانديلا، أو حتى زيارة مؤسسته، أمرا
بالغ الأهمية في جولته. يضاف إلى ذلك
اختتام شرودر زيارته لجنوب أفريقيا
بزيارة مستوطنة ماميلودي
Mamelodi أكبر
مستوطنة للسود خارج بريتوريا. علاوة على
ذلك، فقد أبدى تأييده الواضح لطلب جنوب
أفريقيا تنظيم كأس العالم 2010.
ولم
ينس شرودر التأكيد على دعم أوربا لخطة
الشراكة الجديدة لتنمية أفريقيا (نيباد)،
الهادفة إلى اجتذاب عشرات المليارات من
الدولارات في صورة استثمارات غربية
خاصة سنويا.
ويشكل
تناول شرودر لبرنامج نيباد محاولة
لإعادة الاهتمام الدولي الذي بدأ
يتراجع تجاه الخطة. وتقول ألمانيا إنها
ملتزمة بتنفيذ خطة عمل أفريقيا، التي
وضعتها مجموعة الثماني والتي تسعى إلى
إعادة توجيه التعاون الثنائي والمتعدد
الأطراف مع القارة السمراء، على المدى
لطويل.
في
غانا.. ألمانيا تدير الأزمات
وكانت
غانا هي محطة التألق لشرودر، حيث افتتح
في أكرا مركز كوفي عنان لحفظ السلام
ليتلقى الجنود الأفارقة تدريبا بمساعدة
غربية؛ وهو ما يشكل إشارة دعم تريد
ألمانيا توجيهها لجهود إدارة الأزمات
من قبل الأفارقة أنفسهم. وقدمت ألمانيا
الدعم المادي والتقني، ووقّعت على
اتفاقية تخفيض وإعادة جدولة ديون غانا
المستحقة عليها لألمانيا، والمقدرة
بحوالي 9 ملايين يورو. وفي هذا الإطار،
نظمت الرابطة الاقتصادية الألمانية
الغانية ملتقى اقتصاديا خاصا تحت عنوان
"إقامة الأعمال في غانا: الفرص
والتحديات"؛ وذلك قبل عودة شرودر
لألمانيا مباشرة.
النفوذ
الألماني ما زال ضئيلاً
يجب
على المرء ألا يبالغ في شأن النفوذ
الألماني في القارة الأفريقية، بل قد
تعد هذه الزيارة فرصة لشرودر ليظهر أنه
جاد في أقواله، وفي وعوده ليرتقي بـها
إلى "الشريك المناسب"، فإذا كان
يعني ما يقول بالفعل فعليه كذلك إلى
جانب الإشارة بالإصلاحات أن يجد الوقت
الكافي للحديث بصراحة مع الرئيس الجنوب
أفريقي تابو مبيكي الذي ما زال –على عكس
غانا وكينيا– يساند الدكتاتور
الزيمبابوي روبرت موجابي؛ فإذا التزم
شرودر الصمت فيما يتعلق بهذه القضية فإن
مبيكي قد يعتبر ذلك مباركة لسياسته.
من
ناحية أخرى، يستبعد أن تصبح ألمانيا جسر
أفريقيا إلى دول مجموعة الثماني G8 -في
الوقت الذي سجلت فيه العلاقات
الأمريكية الأوربية أدنى مستوياتها منذ
الحرب العالمية الثانية- وذلك قبل القمة
المزمع عقدها أواخر هذا العام للمجموعة
في الولايات المتحدة.
وبغض
النظر عما إذا كان التحالف الفرنسي
الألماني يتنافس مع التحالف الأمريكي
البريطاني على بسط النفوذ في أفريقيا،
فإنه من الخطورة على الدول الأفريقية
الوقوع في شباك المعسكر الفرنسي
الألماني وحده على حساب المعسكر
الأمريكي البريطاني، وعلى أفريقيا
إدراك أن الغضب الأمريكي قد يجلب من
الألم ما لا تستطيع المنح الألمانية أن
تزيله.
اقرأ
أيضًا:
أهم
المصادر:
**
باحثة ماجستير بكلية الاقتصاد والعلوم
السياسية بجامعة القاهرة المصرية
|