بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


الديمقراطية الغربية: سياسة + دراما*

09/02/2004

د‏.‏محمد السيد سعيد

 

الديمقراطية الغربية...في لباسها الساخر

المراقب للساحة السياسية في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة يلاحظ أن الفشل في اكتشاف أسلحة الدمار الشامل المزعومة في العراق هو الموضوع الرئيسي في المناظرات السياسية الجارية الآن‏؛‏ فإلي أي حد يجب أن يلفت هذا الموضوع نظرنا؟‏.‏

تبهرني شخصيا الجوانب الدرامية في الموضوع‏؛‏ وتتيح زيارتي الحالية للبلدين مشاهدة ما يجري علي المسرح هناك‏. فلدينا هنا رجلان جرا بلديهما إلى حرب، تشكك فيها الجميع تقريبا؛ وذلك بناء علي حجة ما هي أسلحة الدمار الشامل‏؛ والآن جاء الوقت الذي يتعين عليهما أن يفلتا من النتائج المثيرة لهذه الكذبة الكبيرة‏.‏ فماذا يفعلان وكيف سيفلتان؟ هذا هو سؤال السياسة والدراما معا‏:‏ أي السؤال الذي تجيب عليه فنون السياسة‏؛ وكان أرسطو يخلط بارتياح وتعمد بين السياسة والأداء المسرحي‏.‏

ومن واجبنا في العالم العربي أن نتابع‏...‏ ولكن من الأجدر بنا أن نسأل الخبراء في الموقع‏.‏ فنحن لا نملك مهارة الإجابة علي سؤال علي هذه الدرجة من الدقة، ويحتاج إلي فراسة لا يملكها إلا من يعرف السياسة في هذين البلدين من الباب الأمامي والخلفي أيضا‏.‏ وعندما نسأل الخبراء نحصل علي إجابات مختلفة‏؛ إذ قال كثيرون أن توني بلير قد أفلت بالفعل، خاصة بعد صدور تقرير هاتون الذي أعفاه تماما من المسئولية وألقاها كلية علي محطة الإذاعة البريطانية‏.‏ بل وذهب البعض أن بلير حقق انتصارا كبيرا بصدور هذا التقرير، إذ مكنه من الإطاحة بواحد من أكثر صانعي الرأي العام البريطاني والعالمي شعبية، وهو السيد جايكس مدير الـ بي‏.‏ بي‏.‏ سي السابق‏.‏ ولكنك أيضا تحصل علي آراء أخري مهمة، قد تعكس معرفة أفضل بدقائق الأمور في بريطانيا‏؛‏ إذ يعتقد البعض أن السيد بلير ربما يكون قد انتهي من حيث يعتقد أنه قد انتصر‏.‏ فالرأي العام البريطاني أظهر سخطا شديدا في الاستطلاعات علي نتائج تقرير هاتون؛ وأكد انه يثق في محطة الإذاعة البريطانية أكثر مما يثق في الحكومة بمعدل ثلاثة إلى واحد‏.‏ بل ويقول لك البعض أن مسألة الإطاحة ببلير مسألة وقت فقط، وأن الرأي العام البريطاني - بل والنخبة القيادية في حزب العمال - لن تسامحه علي الكذب عليها بشأن أسلحة الدمار الشامل العراقية‏.‏

تحويل السؤال‏

أما ما أشعر أن علينا أن نتابعه، فهو الفن السياسي في المجتمعات الديمقراطية. فلو صدق الرأي القائل بأن بلير قد أفلت من الدمار السياسي، فسوف يكون ذلك بسبب براعته في تحويل الموضوع من قضية اتخاذ قرار سياسي خاطئ وخطير بالحرب - بناء علي معلومات مشكوك فيها‏(‏ حول أسلحة الدمار الشامل‏)‏ - إلى قضية أخرى تماما؛ وهي ما إذا كان رئيس الوزراء تلاعب بملف المخابرات البريطانية حول أسلحة الدمار الشامل لجعله أكثر جاذبية في تبرير الحرب‏.‏ وقد أكد تقرير هاتون أن بلير لم يتلاعب بالملف‏.‏ ولكن هذا ليس سوي إجابة علي سؤال فرعي تماما، حوله بلير ببراعة إلى السؤال الرئيسي، متناسيا أن القضية هي أن كل الادعاءات التي بررت الحرب حول امتلاك العراق أسلحة دمار شامل قد ثبت كذبها‏.‏ ويدخل في باب البراعة السياسية المطلوبة في مجتمع ديمقراطي أيضا، أن يضطر بلير للموافقة علي تشكيل لجنة تقصي حقائق حول أسباب عدم دقة معلومات جهاز المخابرات البريطاني‏..‏ لاحظ هنا أن جورج بوش أوقع رفيقه في السلاح في حرج بالغ، ولم يهمه سوي إنقاذ رقبته هو، عندما أمر بتشكيل لجنة تقصي حقائق حول الموضوع نفسه، دون استشارة بلير.. وهو ما يعني أنه كان علي الأخير أن يفعل الشيء نفسه‏.‏

تشكيل لجنة تقصي حقائق في الحالة الأمريكية هو خطوة بارعة، لأنها تحول المسئولية من بوش إلى تينيت، أو من السياسيين في البيت الأبيض إلى الجواسيس في أجهزة المخابرات‏؛ ويتم بذلك التهرب من تهمة الكذب السياسي بتحويلها إلى مشكلة فشل استخباراتي‏؛ وهذا هو ما يضطر بلير أيضا للقيام به‏؛ وهو ـ أي بلير ـ اضطر للقيام به رغم أنفه، لأن زملاءه في الحكومة والحزب طلبوا منه ذلك علي نحو أقرب إلي الأمر منه إلي الرجاء‏.‏ 

ولو أفلت الرجلان، خاصة بلير، فسوف يكون ذلك أشبه بابتلاع خروف حي في العلن، والالتفات إلى الكافة للحديث عن نصف قطعة الجاتوه التي انزلقت لتوها‏؛‏ فالهدف من تشكيل تلك اللجان هو دفن الموضوع وإسكات الجميع، إذ يعلم الكافة أن بوش وبلير استخدما أسلحة الدمار الشامل لتبرير حرب كانا يريدانها لذاتها، رغم توافر آليات كافية لعلاج تلك القضية تحديدا‏؛ والآن يتعين عليهما أن يخرجا من المأزق بعد أن ثبت عدم وجود أي نوع من هذه الأسلحة إطلاقا‏.‏ وإلقاء المسئولية علي أجهزة المخابرات هي ـ بعلم الجميع ـ طريقة مسرحية.. ولكنها ماهرة للخروج من المأزق‏.‏

المجمع العسكري

‏ولنلاحظ ماذا تعنيه هذه المسألة الدقيقة في السياسة الديمقراطية‏:‏ أي علاقة أجهزة المخابرات بالمستوي السياسي‏،‏ إذ نجد دلالتين مهمتين‏:‏ الأولي كلاسيكية لأنها تجسد أحد أهم مبادئ المجتمع الديمقراطي‏:‏ أي خضوع أجهزة البوليس والاستخبارات والأمن عموما للحكم المدني النيابي، وهو شيء أقرب إلى الأحلام في مجتمعات العالم الثالث، حيث تكاد تلك الأجهزة تملك البلاد ومن يعيش عليها كنوع من العبودية الجماعية‏. أما الدلالة الثانية فهي جديدة إلى حد ما حتى في المجتمعات الديمقراطية‏؛ فرغم استقرار مبدأ سيطرة الحكم السياسي النيابي والمدني علي الأجهزة الأمنية والعسكرية، فقد تمتعت تلك الأخيرة في الماضي بقدر لا بأس به من النفوذ الفعلي‏..‏ وهناك مدرسة كاملة تري أن من يحكم أمريكا هو المجمع الصناعي العسكري، وأن هذا المجمع كان وراء الحرب ضد العراق‏..‏ إلا أن الأحداث الأخيرة، التي نحكي عنها هنا، تمزق تلك النظرية إربا‏،‏ حيث أمكن التضحية برجال وسمعة رجال المخابرات لمصلحة السياسيين المحترفين والمنتخبين؛ وهو أمر لا يمكن تصوره لو أن هؤلاء الرجال هم من يحكمون فعلا‏؛‏ إذ كيف ينجح ساسة مثل بوش وبلير في إلقاء المسئولية علي أجهزة المخابرات رغم أن الحرب كانت مشروعهم الشخصي بل والعالمي، إذا كانت تلك الأجهزة هي من يحكم أمريكا وبريطانيا؟‏.‏

سياسات الكذب‏‏

ولتفهم هذه المسألة بقدر أكبر من العمق‏.‏ فإذا أفلت بوش وبلير، بفضل البراعة السياسية، فسوف تكون هناك ظلال كثيفة من الشك حول الطريقة التي يعمل بها النظام الديمقراطي‏.‏ ذلك أن أي مراقب أو مثقف يدرك تمام الإدراك المدي المذهل للكذب الذي مارسه الرجلان، فيما يتعلق بموضوع أسلحة الدمار الشامل العراقية، وأنه لو تمكنا من الإفلات من تهمة الكذب سيكون من المحتم استنتاج أن من السهل تماما خداع الرأي العام في المجتمع الديمقراطي، ولذلك لن يتوقف الأمر عند هذا الحد‏..‏ ففي غضون الأسابيع القليلة الأخيرة، صدرت عدة كتب بعنوان الكذب أو سياسات الكذب في بريطانيا والولايات المتحدة، وهو ما يشير إلي أن المعركة متواصلة‏.‏ وهناك عدد كبير من الناس من داخل حزب العمل ومن خارجه من يجعل قضية إسقاط بلير شغله الشاغل، بسبب أنه جر بريطانيا إلي الحرب ضد العراق‏.‏

ومن المعتقد أن بلير انتهي منذ زمن بالنسبة للنخبة المثقفة، وهي تتمتع بنفوذ لا بأس به في بريطانيا.‏ وبالطبع.. فالأمر مختلف في الولايات المتحدة، حيث الطبقة المثقفة أقل وزنا حتى منها في مصر‏.‏ والواقع أن لسياسات الكذب تاريخا مثيرا في المجتمعات الديمقراطية‏.‏ ولعل القراء قد تابعوا علي شاشات التلفاز كيف وقعت محاكمة الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون والتصويت علي توجيه تهمة الخيانة له، بسبب الكذب حول قضية جنسية لا علاقة مباشرة لها بالسياسة‏.‏ وكان الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون قد خسر منصبه وأجبر علي الاستقالة بسبب نفس العامل‏،‏ أي سياسات الكذب‏.‏ ومنذ منتصف السبعينيات، صار الكذب السياسي ـ وهو كان أمرا بالغ الشيوع في التاريخ ولا يزال الطريقة التي تمارس بها السياسة في المجتمعات غير الديمقراطية ـ أقرب إلي قواعد التحريم الديني منه إلي قواعد القانون في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية‏.‏

إصلاحات مع ذلك‏!‏

وللقضية جانب آخر يتصل بفنون السياسة في مجتمع ديمقراطي‏؛ فكل من بوش وبلير لم يتوقف لحظة عن الحديث، ونقل وجهة نظره إلي المجتمع السياسي‏.‏ فبوش يخاطب كل يوم جمهورا جديدا، سواء كان من أعضاء حزبه أو من المنظمات المدنية والسياسية، فضلا عن الكونجرس بشيوخه ونوابه‏.‏

أما بلير فقد بهر حتى خصومه، عندما قضي وقتا طويلا مع مجلس العموم ليشرح وجهة نظره بالتفصيل، ويعلن قراره بتشكيل لجنة تقصي الحقائق حول الفشل الاستخباراتي‏.‏ أما الجانب الأكثر أهمية في هذا كله، فهو الطريقة التي يعمل بها النظام الديمقراطي لتصحيح الأخطاء التي تقع أو بعضها علي الأقل‏.‏ ويدهش كثيرون لمدى صراحة الأمريكيين في الحديث عن مشاكلهم في العراق، بل وعن أدق تفاصيل القضايا الاستخباراتية والعسكرية هناك‏؛‏ والهدف الجوهري هو إنتاج آليات معقولة لتصحيح الأخطاء‏؛ وسواء كان الخطأ الذي شغل الرأي العام الغربي في قضية أسلحة الدمار الشامل العراقية فنيا ويتعلق بأداء أجهزة المخابرات، أو سياسيا يتعلق بسوء التقدير السياسي، فسوف ينال الأجهزة الأولي كثير من التصحيح؛ وبالتالي كثير جدا من التطور المستقبلي‏.‏ وغالبا ما ستضع اللجان المشكلة في كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة توصيات لتطوير أداء هذه الأجهزة، فتتجنب أخطاء كان يمكن أن تستفحل في المستقبل‏.‏

وفي نفس هذا السياق، من المهم للغاية متابعة التطوير الجوهري الذي ينال القوات المسلحة الأمريكية، وخاصة الجيش في الوقت الحالي‏؛ وتناقش هذه المسألة بعلانية كبيرة في وسائل الإعلام الأمريكي‏.‏ فالجيش ـ وهو هنا مجرد فرع من القوات المسلحة الأمريكية ـ يعاني من مشكلات كبيرة، بعضها يتصل بالجانب البشري، مثل قلة العدد وانخفاض نوعية الجندي، وبعضها تنظيمي وتسليحي‏.‏ وهنا لابد أن يلفت نظرنا الصراع الكبير، الذي خاضه وزير الدفاع الأمريكي مع الضباط المحترفين، حول فلسفة تطوير القوات المسلحة وخوض العمليات العسكرية بما فيها عملية العراق‏.‏ وكان هذا الصراع قد ثار منذ البداية في وسائل الإعلام، حيث قام كثير من الضباط المحترفين بالهجوم علي وزير الدفاع رامسفيلد، نظرا لأنه أصر علي خوض الحرب بعدد قليل من القوات مع الاعتماد علي التحديث التسليحي، بينما كانوا يرون أن هناك حدا ادني من العدد لا يمكن تجنبه، إذا شاءت أمريكا تأمين انتصارها العسكري من خلال ضبط الأمن في العراق‏.

ومن الطريف أن نري الصحافة متعاطفة مع العسكريين لأنها تكن العداء للمدني رامسفيلد؛ وهو تناقض مثير في السياسات الديمقراطية‏.‏ ومع ذلك، لابد أن تلحظ أيضا كيف قام الرجل بثورة في أساليب عمل القوات الأمريكية ومبادئها العسكرية والتنظيمية والعملياتية، وفرض نفسه بالتالي علي كتل كبيرة تناصبه العداء في الميديا والبنتاجون، لأن ذلك ضروري لتحديث الآلة العسكرية الأمريكية‏.‏ فقد اكتشف العلماء أن أصحاب المهنة يحتاجون إلى نظرة من الخارج، حتى يتوقف ركود التفكير، وأن الجيوش تحتاج إلى رجال سياسة أقوياء حتى يتحقق التجديد‏.‏ والآن دخل هذا الصراع مرحلة جديدة، إذ يبدو أن وزير الدفاع قد سلم بالحاجة إلى حل وسط حول تلك المسألة الشائكة في بناء وتطوير القوة العسكرية الأمريكية وأسلوب نشرها‏.‏ ويلاحظ هنا أيضا، أنه قرر سحب نحو ثلث القوات الأمريكية في أوروبا لتحقيق نشر واستعداد قتالي أفضل‏.‏ وهذا كله نجم عن سخونة وشدة المناقشات العلنية وشبه العلنية حول السياسة الدفاعية‏؛‏ وأنت تري هذه الميزة الهائلة للسياسة الديمقراطية علي الطبيعة.. فتعجب وتتمني‏.‏

اقرأ أيضًا:


* نقلاً عن جريدة الأهرام في يوم 9/2/2004 بعنوان "البقاء وفنون السياسة الديمقراطية"

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع