|
على
الرغم من الحرب الضروس بين الإسلاميين
حول العالم والولايات المتحدة
الأمريكية التي ترى في متطرفيهم العدو
الراهن، وترى في متشدديهم الخطر
المتوقع.. فإن الولايات المتحدة
الأمريكية يبدو أنها لم تحسم أمرها بعدُ
بالنسبة للسياسيين من التيار الإسلامي؛
فلا هي قررت وضعهم في خندق الأعداء، ولا
هي رحبت بهم كقادة المنطقة في المستقبل
القريب.
وعلى
غير العادة، ورغم التحذيرات الحكومية
العربية من أن وصول التيار الإسلامي
لسدة الحكم في بعض البلدان العربية يعني
زيادة رقعة التصادم مع الولايات
المتحدة الأمريكية، ويعني بالتبعية
تهديدا مباشرا لمصالحها في المنطقة وهي
مصالح لا تخطئها العين؛ لأنها ببساطة
ملء السمع والبصر.. رغم هذه التحذيرات
قررت الولايات المتحدة الأمريكية،
وبطريق غير مباشر أن تخطو خطوة في اتجاه
"جس النبض"، والتعرف على التيار
الإسلامي عن قرب، بدلا من اعتمادها على
الرواية العربية الرسمية التي طالما
ساهمت في توتر العلاقات بين الطرفين؛
وذلك من أجل ضمان الدعم الأمريكي
للسلطات الحاكمة في العالم العربي.
مؤتمر
بريء أم تآمري؟
حين
أعلنت مجلة "الوطن" الكويتية عن
المؤتمر الذي عُقد في الكويت (في
الأسبوع الأول من الشهر الماضي) حول "دور
الجماعات الإسلامية في الإصلاح
الاقتصادي في الشرق الأوسط" -وهي مجلة
ذات علاقة مع السلطة ومع التيار
الإسلامي في نفس الوقت، وهي الدار التي
تصدر النسخة العربية لمجلتي "نيوزويك"
و"السياسة الخارجية" الأمريكيتين-
ثارت شكوك حول سبب انعقاد المؤتمر، وعن
الجهة الراعية له، وعن المشاركين الذين
كان بينهم ساسة سابقون في الإدارة
الأمريكية تجمعهم علاقات بمؤسسة "كارنيجي
للسلام الدولي" التي تصدر عنها مجلة
"السياسة الخارجية".
وكلها
أسئلة تدور حول التفسير التآمري
للخطوة؛ وهل هي خطوة حوارية بحثية
بريئة، أم خطوة سياسية غير مبرأة من
الأهداف والنوايا التي ربما يكون بعضها
خبيثا وليس حميدا؟
فعلى
سبيل المثال دُعي للمؤتمر ممثلو
الجماعة الإسلامية في مصر، والتيار
السلفي في كل من الكويت والبحرين، جنبا
إلى جنب مع ممثلي الإخوان المسلمين (التنظيم
أو الفكرة) في الكويت والأردن واليمن؛
هذا إضافة إلى دعوة ممثلي التيار الشيعي
في البحرين والسعودية. وهذا ما زاد من
تعقيد المسألة.. فهل جاء الأمريكيون
ليسمعوا من يشتمهم ويلعن سياستهم في
المنطقة، أم أرادوا أن يكون المؤتمر
رسالة للجميع، وهم يتوقعون أن تكون
اللقاءات الأولي بمثابة تفريغ لشحنات
الغضب، وتنفيسا للغضب الكامن في النفوس
بسبب الدعم الأمريكي لبعض الحكومات في
المنطقة على حساب التيار الإسلامي؟
وفي
اعتقادي أنه لم يكن بمقدور أي دولة
اتخاذ نفس الخطوة، والسماح للتيار
الإسلامي بكل أطيافه أن يحضر إلى بلد ما
في العالم العربي، وأن يحاور، بل وينال
من الولايات المتحدة الأمريكية (الحليف
القوي) بدون رقابة أو تدخل من أحد.
وبالتالي فإن قدرة الكويت على ذلك تحسب
للكويت التي جعلت من أرضها ساحة للحوار
بين الإسلاميين والمفكرين الغربيين،
وعلى رأسهم الأمريكيون. وأعتقد أنه لو
كان قد عُقد في أي دولة عربية أخرى
لسمعنا اتهامات للتيار الإسلامي بأنه
عميل للغرب، وأنه حليف للأمريكان، وأنه
متآمر.. وأنه... وأنه...
كما
أثيرت الأسئلة حول عدم مشاركة رموز
الإخوان المسلمين في مصر؛ بوصفها ذات
موقع سياسي وشعبية كبيرة في مصر،
وبوصفها البلد الذي ينتسب إليه المرشد
العام للإخوان المسلمين. والواقع يفيد
بأن الدكتور عصام العريان دُعي
للمؤتمر، ولكنه مُنع من الخروج من مصر،
كما أنه لم يُمنح تأشيرة من الكويت (حسب
جريدة "الرأي العام الكويتية")؛
وعوضا عنه رُشح د.عبد المنعم أبو الفتوح
الذي تعرض لنفس ما تعرض له الدكتور
عصام؛ أي المنع من السفر، ولم يوفد
الإخوان في مصر أي ممثل لهم في المؤتمر!!
ليضيف ذلك الموقف غموضا حول رغبة
الإخوان في المشاركة في مؤتمر من هذا
النوع، وبهذا التنوع، وفي هذا التوقيت.
عموما لقد حسم العريان هذا الجدل
بتصريحه بأنه كان سيحضر لو مُنح
التأشيرة.
البحث
عن مفاوض "معتدل"
ولم
يكن التفسير التآمري للحدث مقصورا على
الإسلاميين؛ بل إن بعض رموز التيار
الليبرالي في الكويت عبروا عن تشككهم في
المؤتمر. فقال بعضهم: إن هذا المؤتمر
مؤتمر ملغوم؛ إلا أن الجميع أقروا بأن
الولايات المتحدة الأمريكية تبحث عن
شريك، أو طرف محاور من جانب التيار
الإسلامي، صاحب توجه سياسي وديني معتدل.
والحجة
التي طُرحت أن الولايات المتحدة لا تريد
أن تترك المنطقة للظروف، ولا تستطيع أن
تتحمل مفاجآت من العيار الثقيل -مثل تلك
التي حدثت في العراق- حين اكتشفت مؤخرا
أن الإسلاميين الشيعة لهم شعبية كبيرة،
ولهم تنظيم، ولهم وجهة نظر (دينية) في
شكل النظام الذي يجب أن يحكم في العراق
بعد زوال الاحتلال.
وإذا
أضفنا إلى مفاجأة العراق نتائج
استطلاعات الرأي الكثيرة التي أجريت في
العالم العربي -حول مصداقية الولايات
المتحدة الأمريكية، وحول نواياها في
تحقيق ديمقراطية في المنطقة إذا ما
اصطدمت نتائج هذه الديمقراطية (المفترضة)
بالمصالح الأمريكية في المنطقة- فسنجد
أن هناك بالفعل هاجسا لدى الأمريكيين،
يدفعهم للتحرك خطوة في اتجاه الجماعات
الإسلامية في المنطقة.
ويبدو
للبعض أن هذا التحرك -على تواضعه- هو
محاولة أمريكية لفض الاشتباك بين
المصالح والمعتقدات. فالولايات المتحدة
الأمريكية تعرف سلفا أن هناك دورا
عقائديا في الصراع؛ ولا يمكن لها مهما
فعلت أن تتغلب عليه أو تحيده؛ كما أن لها
مصالح لا يمكنها هي أن تتخلى عنها أو
تؤجلها، أو تتركها نهبا للضياع أو
المفاجآت. وعليه فلقد طرحت في المؤتمر
أفكارا (صدرت عن إسلاميين) من قبيل: "لنترك
خلافنا العقائدي جانبا؛ فالإسلاميون لن
يتخلوا عن فلسطين، ولكن لنتباحث حول
علاقات طبيعية تقوم على الاحترام
المتبادل".
وبالطبع
فإن مثل هذا الطرح قد لا يعجب البعض في
الجانبين، لكنه قدم رؤية مختلفة أو
طريقا ثالثا لإمكانية التعايش بين
الطرفين في حال وصول الإسلاميين
للسلطة، رغم تأزم الموقف في فلسطين،
وانحياز الأمريكيين للصهاينة بشكل
مستفز للمواطن العادي، وليس فقط
الإسلاميين.
تحول
المؤتمر إلى جلد ذاتي
برز
من خلال المؤتمر أن ثمة تفكيرا عميقا
يعتمل في صدور ممثلي التيار الإسلامي
المشاركين في المؤتمر. فالغالبية رغم
أنها نالت من الولايات المتحدة
الأمريكية فإنها رأت أن قراءة متأنية
للوضع داخل الجماعات الإسلامية مطلوبة
منذ وقت طويل؛ وإن كانت الحاجة إليها
اليوم أشد. ولكن بعض ممثلي التيار
الإسلامي في بعض الدول حولوا القضية من
نقد ذاتي إلى جلد ذاتي؛ والبعض رأى أنه
يتعين على الولايات المتحدة الأمريكية
أن تدفع باتجاه التغيير في المنطقة بكل
ما أوتيت من قوة؛ والبعض ذهب إلى أن
مقرطة المنطقة لن تتم بدون دعم أمريكي.
هواجس
وشبهات
ولعل
من أبرز الهواجس والشبهات التي أثيرت في
المؤتمر هو هاجس تسلم الإسلاميين
للسلطة، وما الذي يمكن أن يفعلوه؛ ليس
فقط بالنسبة لخصومهم، ولكن في العملية
الديمقراطية التي قد تأتي بهم. وهذا
الهاجس كان مهما وضروريا أن يجيب عليه
الإسلاميون، حتى ولو كان السؤال في غير
موضعه؛ ذلك لأن الباحثين والمفكرين
الغربيين يرغبون في التعرف على مدى
التغير الحاصل في الفكر السياسي عن
الجماعات الإسلامية، خصوصا في ظل
التطورات التي نشأت على فكر هذه
الجماعات من رفض مطلق لفكرة
الديمقراطية لقبول مشروط. وهذا يعني أن
الغرب -وخصوصا مراكز البحث الأمريكية-
كان في حاجة لسماع ما سيقوله ممثلو هذه
التيارات عن فكرة إلغائهم للآخر حال
وصولهم للسلطة.
ولكن
المثير أن هذه المسألة طرحت أكثر من
مرة، وعلى لسان أكثر من محاور؛ ولعل
البعض أفرط في تشككه، حين أعلن أن هناك
مخاوف من قيام الإسلاميين بالقضاء على
كل مظاهر الفرح والسرور في المجتمعات
العربية إن وصل الإسلاميون للسلطة؛ وهو
ما دفع ببعض الإسلاميين للرد بسخرية،
قائلا: "لا تخف.. سيكون في الدولة
الإسلامية وناسة (أي فرح)". ولعل من
الهواجس الأخرى هاجس المرأة.
والحقيقة
أن التيار الشيعي برز كقائد في هذا
المحك؛ وتردد السلفيون كثيرا، بل
انقسموا في الرأي، بينما رأى أحد ممثلي
الإخوان في الكويت أن العائق "بيئي"
وليس شرعيًّا. أما التعامل مع غير
المسلمين فقد كان قضية بذاتها؛ وإن حاول
البعض تقديم رؤية المواطنة كحل، بينما
لم يعلن الجميع الترحيب به.
ولعل
الأمر الأكثر خشونة في قضية التعامل مع
الإسلاميين -من وجهة نظر الأمريكيين- هو
قضية الأحزاب السياسية الدينية؛ فهناك
خلط كبير يحتاج إلى جهود للتفريق بين
الأحزاب السياسية ذات الخلفية الدينية
والأحزاب الدينية، ولم ينجح الإسلاميون
في فض الاشتباك، وإزالة اللبس.
تركيا..
هل هي التجربة النموذج؟
لقد
طرح أحد الباحثين الأمريكيين -الذي شغل
منصبا في حكومة كلينتون- كيف دعمت
الولايات المتحدة التيار الإسلامي في
تركيا، وأصرت على موقفها من
الديمقراطية. وتنبأ بأن دخول تركيا
للاتحاد الأوربي سيكون على يد حزب
إسلامي، أو حزب ذي صبغة إسلامية، رغم
ادعاءات الإسلاميين بأن الغرب ضد
الإسلاميين. وهذا يطرح سؤالا: "هل
دخول تركيا للاتحاد الأوربي مرهون
بوصول الإسلاميين للسلطة، أم بقدرتها
على إحداث تغيير ديمقراطي في المجتمع،
أم مرهون بإرادة الولايات المتحدة
ورغبتها في انضمام تركيا للاتحاد؛
بوصفها الحليف القوي لها في أوربا بعد
بريطانيا ودول أوربية أخرى أصغر شأنا؟".
والمثير
حقا هو هذا التضارب في المواقف
الأمريكية؛ فهل رحبت الولايات المتحدة
بحزب العدالة مع أنه إسلامي؛ لأنه
معتدل، أم لأنه قدم "طمأنات" (وربما
تنازلات مهمة) في القضية الشائكة بين
المسلمين والغرب (قضية فلسطين)؟ وهل
وجود حزب العدالة والتنمية في الحكم هو
النموذج الذي يمكن أن ترتضيه الجماعات
الإسلامية في العالم العربي؟ بمعنى آخر:
هل الإسلاميون متفقون على رؤية لشكل
ونظام الحكم، وطبيعة العلاقات مع الدول
الكبرى، في حال وصولهم للسلطة؟ الإجابة:
لا..
وأعتقد
من هذه الإجابة الأخيرة بقاء الموقف
الأمريكي الرسمي من الجماعات الإسلامية
"محلك سر" لحين الوصول إلى حلول وسط.
وفي نفس التوقيت وبنفس اللهجة -وربما
بلهجة أشد وأقسى ووفقا لمعطيات المؤتمر
المشار إليه- فإن الجماعات الإسلامية لن
تخطو خطوة في اتجاه الولايات المتحدة
الأمريكية، وربما بالغ البعض في موقفه
العدائي منها؛ نظرا لأنه عقب المؤتمر
بأيام قليلة رفض الأمريكيون رفضا قاطعا
إجراء انتخابات في العراق (وهو القطر
المفترض أن يكون نموذجا ديمقراطيا
يحتذى لبقية الشعوب العربية). وبعد هذا
الرفض تم تسريب خبر من وكالة
الاستخبارات الأمريكية يقول بأن
الإدارة الأمريكية لن تسمح لأي تغيير في
المنطقة -وتحديدا مصر والسعودية- لأن
ذلك يعني عدم استقرار المنطقة والإضرار
بمصالحها.
تغييب
الحكومات والمفكرين
مؤتمر
بمثل هذه الأهمية يفترض أن يكون
للحكومات العربية دور فيه؛ لأن إشكالية
التيار الإسلامي ليست مع الولايات
المتحدة فقط، بل في جزء منها مع الأنظمة.
ولكن هذه الأنظمة يبدو أنها ترفعت عن
المشاركة، أو أن المنظمين رأوا ألا
يفسدوا المؤتمر بحضور حكومي مبرمج،
يردد نفس المقولات والشعارات، أو ربما
اعتقدوا أن الحكومات لا دور لها، وأن
الأمر مرهون بالإرادة الأمريكية.. من
يدري؟
وربما
خافت الحكومات أن يدرك الأمريكيون -وعن
قرب- حجم احتقان الموقف، وحجم المعارضة
التي تلقتها الحكومات جراء مواقفها من
التيار الإسلامي وحقوق الإنسان بشكل
عام، والديمقراطية في العالم العربي.
ولأنها كانت غائبة فقد غيبت معها وسائل
إعلامها؛ ولم تقم بتغطية الحدث، ولو
كخبر يستحق النشر.
وإذا
كان غياب الحكومات مفهوما؛ فلماذا لم
يُدعَ المفكرون الإسلاميون من أمثال
محمد عمارة والعوا؟ الإجابة هي أن
المنظمين ربما ليسوا في حاجة إلى
منظرين، بل يبحثون عن قيادات يعرفون أن
لها دورا تنفيذيًّا على أرض الواقع..
ربما.
أمريكا
تريد أن "تفبرك" شريكا
الولايات
المتحدة تبحث عن مفاوض أو محاور إسلامي
معتدل، لكنها لا تريد أن يكون هذا
الشريك الإسلامي بمواصفات عربية أو
إسلامية، بل تريده شريكا أكثر تحررا (أي
أكثر تحللا من موروثه الديني والثقافي)،
وأكثر تفهما (بمعنى ألا يربط بين
التعامل مع أمريكا وموقفها من الكيان
الصهيوني).
وفي
اعتقادي أن البحث ما زال جاريا، وسيظل
جاريا، لا لحين العثور على شخصيات
إسلامية بهذه المواصفات؛ ولكن لحين
قبول الولايات المتحدة فكرة التعايش مع
إسلاميين يحملون مواصفاتهم.
والسؤال
هو حول جدية الولايات المتحدة
الأمريكية في ذلك، ومدى قدرتها على
المشاركة في مؤتمرات من هذا النوع في
المنطقة، أو إقناعها لأصدقائها في
السلطة بالسماح بمثل هذه الحوارات، أو
استدعاء الكوادر الإسلامية إلى الأراضي
الأمريكية للتفاوض معها ومحاورتها.
وهنا سنكون على أعتاب موقف أمريكي جاد
يمثل تحديا للطرفين؛ وأشك في أن يكون أي
من الطرفين لديه القدرة على الدخول في
مثل هذا التحدي في الوقت الراهن. فلا
الولايات المتحدة مستعدة أن تخسر حلفاء
تعبت من أجل تثبيتهم، ولا الإسلاميون
مستعدون للقبول بالسراب حتى ولو كان
معسولا وجميلا ومغريا.
لماذا
الكويت بالذات؟
الولايات
المتحدة جاءت لتبحث عن شركاء، وبعض
الإسلاميين جاء ليلعنها على الملأ،
ويسفه أحلامها، والبعض الآخر قدم
تنازلات، ولكن غابت الحكومات كما غاب
المفكرون الإسلاميون. والكويت احتضنت
الجميع لتثبت أن الإشكالية ليست أحادية
الطرف، بل متعددة الأطراف. لكن أليس
غريبا وعجيبا أن يعقد مثل هذا المؤتمر
على أرض الكويت، ولا يعقد على أرض بلد
كبير لديه مشكلة حقيقية مع الإسلاميين!
وما أكثر تلك البلدان!!.. مجرد سؤال.
أضف
رأيك إلى هذه المشاركة:
اقرأ
أيضا:
**كاتب عربي مقيم في
الكويت.
|