 |
|
دعم الفلسطينيين من أبرز المجالات التي وحدت المسلمين |
مع
بداية الحملة الأمريكية الغربية ضد ما يسمونه
"الإرهاب" عقب هجمات الحادي عشر من
سبتمبر 2001 على واشنطن ونيويورك تراءى لكثير
من الدوائر الإعلامية والسياسية الغربية،
ولبعض العلمانيين في بلادنا كذلك أن تاريخ
العمل الخيري الإسلامي المعاصر قد وصل إلى
نهايته. وانتهزوا الفرصة لشن حملة إعلامية
مكثفة في ظلمها ضد كافة أشكال العمل الخيري؛
ظنًّا منهم أن ذلك يمكن أن يسهم في الإجهاز
عليه، وإخلاء الساحة الوطنية والعالمية منه.
وقد
سألني سائل: كيف ترى أحوال العمل الخيري
الإسلامي بعد مرور عامين على وقوع هجوم 11
سبتمبر؟ وهل لا تزال التداعيات السلبية التي
خلفها هذا الهجوم مستمرة على مؤسسات ومنظمات
العمل الخيري، مثلما هي مستمرة على أكثر من
مستوى من مستويات العلاقة بين العالم
الإسلامي -بمجتمعاته وحكوماته العربية وغير
العربية- والعالم الغربي بمجتمعاته وحكوماته
الأوروبية والأمريكية؟ وهل من الصحيح أن ذلك
الهجوم هو سبب الأسباب التي تقف خلف كل ما
يحدث من تداعيات سلبية على العمل الخيري وعلى
غيره من القضايا العربية والإسلامية؟
قلت:
إن أحوال العمل الخيري الإسلامي اليوم -وبعد
سنتين على تلك الأحداث- ليست على ما يرام،
وذلك بالنظر إلى الآمال الكبيرة المعلقة
عليه، وضخامة الضغوط التي يتعرض لها، وتنامي
التحديات التي يواجهها، وضعف الموارد
والإمكانيات المادية والبشرية المتاحة
لمؤسساته وهيئاته المختلفة، وتخلي كثير من
الدول والحكومات العربية والإسلامية عن
دعمها له، وانسحابها إلى مواقع أقرب إلى
مواقع الأعداء منها إلى مواقع الأنصار
والمؤيدين.
صحيح
أن العمل الخيري الإسلامي استطاع حتى الآن أن
يصمد في مواجهة العواصف المعادية التي طفقت
تهب عليه بكثافة في أعقاب تلك الأحداث، وتسعى
للنيل منه وتضربه بقسوة في مناطق متعددة من
العالم. وصحيح أيضًا أنه سوف يتغلب على تلك
العواصف ويتجاوزها في نهاية المطاف؛ لأن "ما
ينفع الناس يمكث في الأرض" كما قضت سنة الله
في الخلق. ولكن لا تزال هناك عقبات كبيرة سوف
تستمر لفترة مقبلة في اعتراض طريقه بهدف
القضاء عليه، أو بهدف صرفه عن غاياته ومقاصده
وإفقاده هويته وخصوصيته؛ وذلك بجره إلى مواقع
سياسية ليست من طبيعته، وإقحامه في قضايا
وأزمات دولية هو أبعد ما يكون عنها، واتهامه
باتهامات زائفة مثل تهمة "الإرهاب".
ويخطئ
من يظن أن الهدف من هذه الحملات والاتهامات هو
ضرب العمل الخيري لكونه عملا خيريًّا؛ فمثل
هذا التفسير يسهل جدًّا دحضه والبرهنة على
نقيضه ببعض ما تقدمه الجهات المعادية من
مساعدات ومعونات ذات طابع إنساني في ظاهرها
على الأقل، والصحيح في نظرنا هو أن الدوائر
المعادية للعمل الخيري الإسلامي تقوم بضربه
لغيره وليس لذاته؛ أي أنها تستهدف القضاء على
ما يؤدي إليه من نتائج على أرض الواقع، حتى
وإن لم تكن هذه النتائج مخططًا لها سلفًا أو
مبرمجة بوعي وقصد.
وأهم
تلك النتائج التي بات العمل الخيري الإسلامي
يسفر عنها بطريقة تلقائية وتراكمية بطيئة
نتيجتان:
أولاهما:
ضخ ماء الحياة من جديد في البنية التحتية
لوحدة الأمة الإسلامية، والكشف عن عناصرها
المشتركة وإعادة تشكيل الوعي الجماعي حولها.
وثانيتهما:
تحويل العواطف والمشاعر الإنسانية المؤيدة
للقضية الفلسطينية إلى أفعال ومشروعات
اجتماعية لا شأن لها بالسياسة ولا بالمقاومة
المسلحة المشروعة، نعم.. ولكنها تفضح
السياسات العنصرية والإجراءات الهمجية التي
تقوم بها دولة الاحتلال الصهيوني بدعم سافر
من أمريكا خاصة والقوى الغربية عامة.
هاتان
هما القضيتان اللتان ستمدان في أجل محنة
العمل الخيري الإسلامي في المرحلة المقبلة:
وحدة الأمة، وقضية فلسطين. ومن خلال هذين
المفهومين يمكن قراءة وتحليل كثير من
الإجراءات التعسفية التي تتعرض لها الجمعيات
والمؤسسات الخيرية الإسلامية من الإغلاق،
ومصادرة الأموال، والإحالة للقضاء، وتلفيق
الاتهامات، وتقويض المشروعات إلى المحاولات
العابثة التي تستهدف قتل نوايا العمل الخيري
في نفوس المسلمين؛ حتى وإن كانت هذه النوايا
لا تتعدى المسح على رأس يتيم فقد أباه برصاص
الغدر الصهيوني.
الضغوط
سبقت 11 سبتمبر
نؤكد
أن "أحداث سبتمبر" لم تكن هي السبب الذي
فجّر الهجمة الشرسة التي تشنها الدوائر
الإعلامية والسياسية الغربية على العمل
الخيري الإسلامية وعلى الإسلام والمسلمين،
ولكنها كانت بمثابة اللحظة الكاشفة عن وجود
تلك المشاعر العدائية لدى قطاعات مؤثرة في
المجتمعات الأوروبية والأمريكية، وأن هذه
الهجمة ليست وليدة واقعة معينة، ولا حادث
عارض هنا أو هناك؛ وإنما هي ذات خلفيات بعيدة
تضرب بجذورها في أعماق التاريخ الأوروبي
المفعم بالمشاعر السلبية والتوجهات
والصراعات العدائية ضد أمتنا.
وللتذكير
فقط نشير إلى أن مجلس الأمن الدولي أسرع غداة
تلك الأحداث بإصدار القرار رقم 1373 بتاريخ
28-9-2001 بشأن ما أسماه "مكافحة الأنشطة
الإرهابية"، وشرعت الحكومات العربية
والإسلامية وغيرها من الحكومات في تفعيل هذا
القرار على المستويات كافة؛ فبدأت بإغلاق بعض
المؤسسات الخيرية، وتجميد أرصدة البعض
الآخر، أو مصادرتها، ووضعها على قائمة مكافحة
الإرهاب، وتشديد الرقابة عليها، وقد طالت هذه
الإجراءات مؤسسات وجمعيات إسلامية في
البلدان الغربية والعربية الإسلامية على حد
سواء، ولا تزال الاحتمالات كافة مفتوحة لمثل
هذه الإجراءات، أو لما هو أسوأ منها. ومن ثَم
رأى الكثيرون بحق أن هذا التحدي الخارجي يهدد
العمل الخيري ويضع في طريقه العراقيل
والمشكلات من جهة، ويجعل مستقبله ووجوده ذاته
في خطر من جهة أخرى.
وثمة
وقائع كثيرة تؤكد أن معظم الحكومات العربية
والإسلامية -قبل أحداث سبتمبر، ومنذ بداية
التسعينيات، وبعد انتهاء الحرب الباردة-
تعرضت للضغوط الأوروبية والأمريكية من أجل
تحجيم الأعمال الخيرية وأنشطتها الداخلية
والخارجية، وتجفيف منابعها شيئًا فشيئًا.
وكمثال على ذلك فإن الولايات المتحدة ضغطت
على الحكومة الباكستانية السابقة في عهد نواز
شريف ليخفض من كثافة العمل الخيري الإسلامي
الذي كان يمد العون للشعب الأفغاني في محنته
عبر باكستان، وبالفعل تم تنفيذ هذا التوجه؛
فبينما كان يعمل في هيئة الإغاثة الإسلامية
العالمية أكثر من 500 موظف عربي في بداية
التسعينيات، وصل عددهم إلى شخصين اثنين فقط
في عام 1999. وقس على هذا ما حدث للعمل الخيري
الإسلامي في مناطق أخرى منكوبة بالفقر
والحروب والمجاعات من العالم العربي
والإسلامي.
وزادت
وتيرة التحجيم والضغوط بعد سبتمبر، وتحولت
إلى إملاءات صريحة بضرورة محاربة الجمعيات
والمؤسسات الخيرية كافة التي تقدم أي نوع من
الدعم لضحايا الجرائم الصهيونية في فلسطين،
وتبادر كثير من الحكومات العربية والإسلامية
إلى الامتثال لتلك الإملاءات رغبة أو رهبة.
العمل
الخيري ووحدة الأمة
لن
نستطرد أكثر مما سبق في توصيف معطيات وتحديات
الواقع الراهن للعمل الخيري الإسلامي، كما
أننا بخصوص مسألة استهداف العمل الخيري
الإسلامي لحرمان القضية الفلسطينية والشعب
الفلسطيني من أي دعم ولو كان إنسانيًّا،
وتركه للاستفراد الصهيوني نحيل القارئ
الكريم إلى المقالة القيمة التي كتبها
الأستاذ منير شفيق ونشرتها جريدة الحياة
اللندنية بتاريخ 17-8-2003. ونركز بقية هذا المقال
للإجابة على السؤال: كيف يسهم العمل الخيري
الإسلامي في وحدة الأمة؟ وبالإجابة على هذا
السؤال نكون قد أجبنا عن سؤال آخر هو: لماذا
أضحى العمل الخيري الإسلامي بعد أحداث سبتمبر
-وأكثر من أي وقت مضى- هدفًا لحملات التشويه
ولإجراءات التفكيك والتقويض على مختلف
المستويات المحلية والدولية؟
إن
إسهام العمل الخيري الإسلامي بمؤسساته
وجمعياته وهيئاته المتنوعة في دعم وحدة الأمة
يتجلى في 4 مجالات أساسية تسهم بفاعلية في
السير قدمًا نحو تحقيق حلم الوحدة بين مختلف
أقطار الأمة وشعوبها. وفيما يلي بيان أهم
الأدوار الفعلية التي تسهم بها في دعم التوجه
نحو وحدة الأمة في والواقع المعاصر.
1
- تجديد الشعور بالانتماء إلى الموحدات
الحضارية الكبرى:
والمقصود
هنا هو تلك العوامل التي وحّدت الأمة
الإسلامية، وشدت أزرها في العصور السابقة،
وفي مقدمها: العقيدة، والشريعة، واللغة
العربية، والقيم الأخلاقية. وقد نبعت من هذه
الموحدات منظومة القيم والأخلاقيات والمبادئ
الإسلامية التي تندرج ضمنها القيم والمبادئ
التي تحض على العمل الخيري والتطوعي التي لا
تعترف بالحدود السياسية المصطنعة، ولا
بالحواجز العرقية أو الاختلافات المذهبية.
وتستند تلك المنظومة إلى مؤسسات ومنظمات
العمل الأهلي والمدني في أغلبية البلدان
العربية والإسلامية.
إن
عمل هذه المؤسسات المتنوعة والمتعددة
بالضرورة وفق منظومة القيم الإسلامية التي هي
واحدة وموحدة بالضرورة أيضًا؛ يعني أن حصيلة
العمل لا بد أن تصب في اتجاه تجديد عوامل
الوحدة ودعمها، وتسهم بالقدر نفسه -ولكن في
اتجاه عكسي- في إضعاف عوامل التفرقة القائمة
على أسس مذهبية أو عرقية أو جهوية.
وبعبارة
أخرى: يمكن القول إن وحدة الإطار المرجعي
لمؤسسات وتنظيمات المجتمع المدني في مختلف
البلدان العربية والإسلامية تسهم على نحو
فعًّال -كلما توافر لها المناخ المناسب- في
التذكير بوحدة الحقائق الأبدية التي لا تتبدل
التي جاء بها الإسلام، وعرفتها شعوبه في جميع
الأقطار، وهي وحدة الدين، ووحدة الأصل البشري
"كلكم لآدم، وآدم من تراب"، وتشابه
المعاناة التي يعيشها الإنسان في كل زمان
ومكان، وأن الإسلام يمد بني البشر كافة بطاقة
هائلة لمواجهة هذه المعاناة والتغلب عليها،
ليس العمل التطوعي والمبادرات الخيرية إلا
صيغة من صيغها الكثيرة.
2
- تقوية نسيج البنية التحتية لوحدة الأمة:
تتمثل
هذه البنى في عديد من دوائر الانتماء الأولية
التي تبدأ بالأسرة، وتمر بالجماعات الحرفية
والمهنية والمذهبية والثقافية والنقابية
والاتحادات النوعية، وتنتهي بالأمة في
مجموعها. وفي رأينا أن مفهوم وحدة الأمة يظل
غامضًا وهلاميًّا ما لم يجر التعبير عنه في
كيانات فرعية قوية؛ بحيث يغطي كل كيان منها
مساحة أو مجالا أو نشاطًا أو ميدانًا من
ميادين العمل المتعددة والمتنوعة. ومن تكامل
هذه التكوينات الفرعية يتشكل الجسد العام
للأمة داخل إطار نسق تحكمه منظومة واحدة من
القيم والموجهات النابعة من المقاصد العامة
للشريعة.
ولولا
وجود المؤسسات والتنظيمات المدنية/الأهلية
لكان من الصعب جدًّا المحافظة على التماسك
الداخلي بين عناصر الأمة وجماعاتها
المختلفة؛ ومن هنا يبرز الدور الكبير الذي
تسهم به مؤسسات وتنظيمات العمل الخيري
الإسلامي في تقوية نسيج الوحدات الفرعية
للكيان الجماعي للأمة، جنبًا إلى جنب مع
الدور الذي تسهم به المؤسسات والتنظيمات
الحكومية.
إن
أهمية هذا التعدد المؤسسي والتنظيمي الخيري
في تحقيق وحدة الأمة تتجلى في الوظائف التي
تقوم بها تلك الكيانات المؤسسية والتنظيمية
على المستويات المحلية والقاعدية التي تعمل
في إطارها وتقدم خدماتها للمنتمين إليها. ومن
أهم هذه الوظائف التوحيدية أنها تسهم في
بلورة اتجاهات متجانسة للرأي العام على أسس
وثيقة الارتباط بالواقع وبما يثيره من تحديات.
فلو تخيلنا مثلا أن جميع المؤسسات والتنظيمات
الخيرية/الأهلية في كل البلدان العربية
والإسلامية العاملة في مجال الرعاية
التعليمية تنطلق من المنظومة القيمية
والأخلاقية الإسلامية ذاتها، وتحتكم إلى
معاييرها في تقدير ما تحققه من إنجازات، لو
تخيلنا هذا وكان بالإمكان تحقيقه على أرض
الواقع، إذن لأمكننا الحديث بقدر كبير من
الثقة عن وجود لبنة قوية من لبنات وحدة الأمة
في هذا المجال التعليمي، وكذلك الحال بالنسبة
إلى بقية المجالات الأخرى: الخدمية،
والإغاثية، والتنموية.
ولمزيد
من الإيضاح للدور الذي تسهم به مؤسسات
وتنظيمات العمل الخيري/الأهلي في وحدة الأمة
عبر تقوية دوائر الانتماء الفرعية، يمكننا أن
نفترض الحالة العكسية، والنظر في التداعيات
التي تترتب عليها. والحالة العكسية هنا تعني
غياب أي نوع من التنظيم المؤسسي/الأهلي أو
الخيري، وأنه لا يوجد سوى المؤسسات والهيئات
الرسمية والحكومية فقط.
إن
أول تداعيات هذا الافتراض هو أننا سنكون إزاء
حالة من المركزية المفرطة في مجالات الحياة
مع ما يرافق المركزية -بحكم التجربة- من ميل
شديد نحو الاستبداد وكبت الحريات العامة،
وإهمال المبادرات والإبداعات الفردية
والجماعية الفرعية والنوعية، وتحميل إدارة
الدولة بأعباء هائلة تفوق طاقاتها في كثير من
الأحيان، ولا يمكنها الوصول إلى مختلف الفئات
والجماعات الفرعية ولو حرصت على ذلك أشد
الحرص.
وفي
هذه الحالة أيضًا سيكون من العسير جدًّا
الحديث عن لبنات قوية لبناء وحدة الأمة على
أرض الواقع الفعلي، وليس فقط على مستوى
التأصيل النظري، أو مستوى الأماني والأحلام،
وإذا ما حادت سلطات الدولة عن هدف توحيد الأمة
لسبب أو لآخر؛ فلن يكون وراء ذلك إلا خواء
هائل لا يمكن لأبناء الأمة سده بمجهوداتهم
الفردية التي لا ينظمها ناظم.
إن
ما نود تأكيده هنا هو أن فُرقة الأمة وتشتت
قواها حصيلة عوامل متعددة؛ منها غياب
التكوينات الأهلية والخيرية التي تقوم على
أساس التكامل فيما بينها، وتضبط أعمالها
بالمقاصد العامة للشريعة. وأن وحدة الأمة -بالمقابل-
هي حصيلة عوامل متعددة أيضًا، منها وجود
مؤسسات وتنظيمات خيرية/أهلية، تغطي مساحات
وأنشطة وخدمات مختلفة، وتسد حاجات اجتماعية
متنوعة، وتتكامل فيما بينها ضمن الإطار
الأوسع للمقاصد العامة للشريعة الإسلامية.
3
- حفز التعاون في المجالات الاقتصادية
والسياسية الثقافية بين شعوب الأمة:
يتجلى
هذا الدور الذي تسهم به مؤسسات ومنظمات العمل
الخيري الإسلامي بشكل واضح من خلال ما تخلقه
البرامج والنشاطات والمشروعات التي تنفذها
على المستوى الوطني؛ وذلك بهدف توسيع نطاق
المستفيدين من تلك المشروعات والخدمات ليشمل
عدة دول عربية أو إسلامية أخرى.
وقد
شهد العقدان الأخيران ظهور عدد لا بأس به من
الجمعيات والهيئات والشبكات الخيرية/الأهلية
التي تعمل داخل الوطن الأم وخارجه في عديد من
البلدان العربية والإسلامية، ومنها على سبيل
المثال: "جمعية العون المباشر" (لجنة
مسلمي أفريقيا سابقًا) وهي تعمل في أكثر من 30
دولة أفريقية جنوب الصحراء الكبرى. و"الهيئة
الخيرية الإسلامية العالمية"، وهي تعمل في
بلدان عربية وإسلامية كثيرة، ويغطي نشاطها
أيضًا الأقليات الإسلامية في الدول غير
الإسلامية. و"برنامج الخليج العربي" (أجفند)
لدعم المشروعات التنموية للأمم المتحدة الذي
يرأسه الأمير طلال بن عبد العزيز، وتغطي
مشروعاته بلدانًا كثيرة أيضًا: عربية
وإسلامية.
وإذا
ألقينا نظرة تحليلية شاملة على برامج ونشاطات
مثل تلك الجمعيات والمنظمات والشبكات
الخيرية يتضح لنا أنها تسهم في تغذية عوامل
الوحدة بين شعوب وبلدان العالم العربي
والإسلامي من أكثر من زاوية، أهمها الآتي:
1
- أن كل مجموعة منها متماثلة الاهتمامات تسهم
في الكشف عن تشابه المشكلات والتحديات التي
تواجهها المجتمعات العربية والإسلامية،
وكذلك التشابه الكبير في الحلول التي يمكن من
خلالها التغلب على تلك المشكلات والتحديات؛
سواء في مجال التنمية ومحاربة الفقر
والبطالة، أو في مجال الرعاية الاجتماعية
ومساعدة المحتاجين، أو في مجال الحريات
العامة وحقوق الإنسان. وكلما زاد اعتماد هذه
الجمعيات والمنظمات على المرجعية الإسلامية
في توجيه أعمالها ونشاطاتها زادت فعالية
الدور الذي تسهم به في التقريب بين شرائح
الأمة وتكويناتها الاجتماعية المتعددة. وليس
من الممكن اكتشاف هذه الأبعاد إلا بالممارسة
العملية، وعبر التجربة والاحتكاك المباشر
بحقائق الواقع ومتطلباته.
2
- أن المشروعات والبرامج المختلفة التي تقوم
بها هذه الجمعيات والمنظمات عابرة القُطرية
تتطلب تعبئة قدر لا بأس به من الموارد البشرية
والمادية اللازمة لوضعها موضع التنفيذ،
ولتوفير هذه الموارد تلجأ كل جمعية أو منظمة
إلى توظيف أعداد كبيرة من الكوادر والمتخصصين
من أبناء العرب والمسلمين للعمل لديها؛ الأمر
الذي يتيح الفرصة أمامهم لتبادل الخبرات
ولتوسيع مداركهم بأوضاع العالم العربي
والإسلامي واكتشاف عناصر الوحدة بين مختلف
شعوبه وأقطاره، وتكون الجمعية أو المنظمة في
هذه الحالة بمثابة جسر الوصل بينهم وبين
البلدان التي تعمل فيها.
كما
أن الموارد المادية اللازمة للمشروعات
والبرامج تسهم في هذا الاتجاه نفسه؛ من خلال
تشجيع بعض عمليات التبادل التجاري بين
البلدان الإسلامية، وتفضيل منتجاتها على
المنتجات الأجنبية، ونقل المساعدات والموارد
من بلاد الوفرة إلى بلاد الندرة مثلا.
3
- أن كل تقدم أو نجاح تحققه مؤسسات ومنظمات
العمل الخيري/الأهلي في تقوية الشعور بأواصر
الوحدة ودعمها بين البلدان العربية
والإسلامية.. من شأنه أن يحفز التعاون
والتنسيق في مجالات أخرى اقتصادية وسياسية
وثقافية تصب في هذا الاتجاه التوحيدي نفسه؛
وذلك بفعل تأثير قوة المثلemonstration Effect ، وقد
تقوم شبكة من التعاون والتنسيق بين منظمات
أهلية من جهة ومؤسسات وشركات اقتصادية ربحية
من جهة أخرى، وذلك من باب لزوم ما يلزم، وأن ما
لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وتكون المصلحة
متحققة لجميع الأطراف في جميع الحالات.
4
- إن التعاون الناجح بين مؤسسات ومنظمات العمل
الخيري/ الأهلي من شأنه أن يعزز التعاون
القائم بين المؤسسات الحكومية العربية
والإسلامية، وبين الحكومات نفسها، ومثل هذا
التعاون بدوره يصب في دعم قوى الوحدة
والترابط والتكامل بين شعوب الأمة من جهة،
وبين هذه الشعوب وحكوماتها من جهة أخرى،
يتدعم هذا الترابط مع اكتشاف حقول العمل
الميداني على الأصعدة كافة بين مؤسسات
ومنظمات أهلية وأخرى حكومية في إطار تعاوني
مشترك، وبعيدًا عن الصراعات والانقسامات
التي تعوق وحدة الأمة، ولا تحقق سوى مصلحة
القوى المتربصة بها.
4
- الإسهام في تحقيق درجة كبرى من التجانس في
التنشئة الاجتماعية:
لا
يقتصر دور مؤسسات وجمعيات العمل الخيري/الأهلي
فقط على توفير خدمة معينة، أو تنفيذ مشروع في
مجال ما، أو بلورة مطالب اجتماعية عامة أو
خاصة وتوصيلها إلى صناع القرار؛ وإنما تسهم
هذه المؤسسات بدور تربوي على درجة كبيرة من
الأهمية، ويصب هذا الإسهام في مجرى عمليات
التنشئة الاجتماعية التي يمر بها المواطنون،
والتي يجب أن يتركز جانب منها على تنمية قيمة
العمل الجماعي لديهم وعبر مختلف مراحل حياتهم.
إن
الفرد/المواطن في مجتمعاتنا العربية
والإسلامية يجد نفسه عضوًا في عديد من
الجماعات والتكوينات والتنظيمات، كما أنه
يعطي ولاءه إلى دوائر عدة في وقت واحد دون أن
يشعر بوجود تعارض أو تنازع فيما بين دائرة
وأخرى. وفي الوقت الذي يحمل فيه ميراث هذه
الجماعات وثقافتها بطريقة تلقائية؛ فإنه
يحمل ميراث مجتمعه وأمته الكبيرة وثقافتهما
التي ينتمي إليها بالطَرْقة نفسها أيضًا.
وإذا
كانت بعض هذه الجماعات والتكوينات إرثية؛ أي
يجد الفرد فيها نفسه دون اختيار منه مثل
العائلة، والقبيلة، والطبقة، والعرق،
والمذهب، واللغة.. فإنه سرعان ما يجد الفرصة
أمامه كي ينتمي بمحض إرادته إلى تكوينات
وتنظيمات أخرى مكتسبة وليست موروثة، مثل:
الجمعيات الخيرية، والتنظيمات النقابية
والحزبية، والجماعات الثقافية والرياضية،
وغير ذلك مما يدخل تحت عنوان المجتمع المدني/الأهلي.
وبحكم
هذا الانتماء الإرادي لمؤسسات المجتمع
المدني/الأهلي؛ فإن المنتمين إليها يخضعون
لتعليماتها وتوجهاتها، وعليهم الالتزام
بمبادئها وقيمها التي تدعو إليها أو تدافع
عنها، بل عليهم في كثير من الحالات أن يقوموا
بدور إيجابي في نشر هذه المبادئ والقيم
والتبشير بها على أوسع نطاق ممكن في المجتمع.
ومن
هنا يأتي الدور الذي تسهم به مؤسسات العمل
الخيري الإسلامي في عمليات التربية والتنشئة
الاجتماعية، جنبًا إلى جنب مؤسسات التنشئة
الأخرى مثل: المدرسة، والمسجد، والإعلام،
والفنون بمختلف أشكالها، والأسرة... إلخ.
وكلما كانت تلك المؤسسات مستندة في عملها إلى
المرجعية الإسلامية العليا بقيمها ومقاصدها
العامة، زاد أثر الدور التوحيدي الذي تقوم به
في المجتمع من خلال عملية التنشئة
الاجتماعية، والعكس صحيح أيضًا؛ أي أنه في
حالة اختلاف المرجعيات العليا التي تستند
إليها يقل دورها في تحقيق الوحدة والتجانس
بين فئات المجتمع، ومن ثَم بين شعوب الأمة
وجماعاتها بصفة عامة.
ومما
يؤكد ما ذهبنا إليه ما نشاهده في الواقع
المعاصر لمجتمعاتنا العربية والإسلامية؛ حيث
يجد الإنسان المسلم نفسه في ظل "الدولة
القُطرية" عرضة لعمليات تنشئة اجتماعية
ذات توجهات وتوجيهات مختلطة، بل ومتناقضة
ومتصارعة في بعض الأحيان؛ فمؤسسة الدولة
بنظمها التعليمية والإعلامية تحاول أن تعمق
ولاء الفرد للدولة القطرية نفسها، وأحيانًا
للنظام الحاكم، أو حتى لشخص الحاكم الفرد،
وفي سبيل ذلك يتم تقليص هامش حرية الحركة
المتاحة لأفراد المجتمع، وإزاء هذه الحالة
كثيرًا ما لا يجد الفرد أمامه فرصة للهروب من
حصار أدوات التنشئة الحكومية الرسمية إلا
المؤسسات الأولية الإرثية، أو بعض المؤسسات
التطوعية؛ الأهلية أو المدنية، إن كان
مسموحًا بها طبعًا.
وبسبب
اختلاف المرجعيات التي تستند إليها كل مجموعة
من مؤسسات التنشئة والتربية الاجتماعية، ومع
اختلاف وتنافر أنساق القيم والمعايير
الأخلاقية التي تحاول غرسها في الفرد منذ
طفولته تزداد عوامل الفُرقة والانقسام قوة،
وتضعف عوامل الوحدة والتجانس. وكثيرًا ما نجد
أنفسنا إزاء فريقين: أحدهما يتمسك بالتقاليد
والأصول الموروثة، والآخر يحاول نفي هذه
التقاليد والأصول باسم المعاصرة والحداثة.
والمحصلة هي في كل الأحوال ضرب الأسس القوية
لوحدة الأمة، وتركها عاجزة عن مواجهة
التحديات التي تواجه شعوبها على كافة
المستويات الداخلية والخارجية.
خلاصة
وتقويم
إن
ما سبق لا يعني أن مؤسسات وجمعيات العمل
الخيري الإسلامي أضحت فائقة الفاعلية
والكفاءة في إنجاز أعمالها وتحقيق أهدافها،
وإنما كل ما في الأمر أن ما ذكرناه يمثل
احتمالات قائمة وإمكانيات كامنة أكثر منها
متحققة على أرض الواقع، والأهم من ذلك أن
الدوائر الإعلامية والبحثية والسياسية
المعادية للعمل الخيري الإسلامي تدرك مثل هذه
الاحتمالات والإمكانيات وتصوغ خططها وتنظم
حملاتها ضد العمل الخيري الإسلامي كما لو كان
فائق الفاعلية والكفاءة في إنتاج كل تلك
الآثار الداعمة للوحدة الأمة الإسلامية.
وليت
الأمر كان كذلك؛ إذ الواقع يشير إلى أن
أولويات عمل كثير من منظمات العمل الخيري في
بلادنا تحتاج إلى إعادة ترتيب، وإلى كثير من
التطوير والإصلاحات. ولا يعقل أن تظل البرامج
والمشروعات تتم بدون وجود رؤية واضحة تحدد
الأولويات من منظور عملي. ومهما حسنت النوايا
فإنها في نظرنا لا تغني عن ضرورة بذل الجهد
لمعرفة متطلبات الواقع، وأيها مهم وأيها أكثر
أهمية لتكون له الأولوية على غيره.
ومن
المفيد أن نذكر هنا أننا إذ نؤكد على أهمية
بناء تصور صحيح لأولويات العمل الخيري فإننا
لا نأتي بجديد، ولا نخترع شيئًا غير مسبوق،
كما أننا لا ننقل عن الأجانب هذه الفكرة وإن
كانوا قد حققوا فيها إنجازات مهمة، وإنما
نذكر فقط بما قاله علماؤنا المسلمون منذ مئات
السنين، ومنهم مثلا الإمام أبو حامد الغزالي
الذي قال: "إن ترك الترتيب للقربات
والخيرات من جملة الشرور"، وأنه "لا يكفي
كون الفعل من جنس الطاعات ما لم يراعَ فيه
الوقت والشرط والترتيب".
اقرأ
أيضًا:
**
خبير بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية
والجنائية - القاهرة
|