|
اتسعت
دائرة التفاؤلات المشوبة بالحذر بأن تسفر
محادثات بكين السداسية (27-29 أغسطس 2003) إما عن
نتائج ملموسة، أو أن تدشن بداية حوار معمق
ومسئول باتجاه حل الأزمة النووية بالغة
التعقيد، والمتصاعدة منذ 12 ديسمبر 2002، وما
تنذر به من عواقب وخيمة، وربما كارثية، على
الأمن والسلم في شرق آسيا، وعدم دفع المنطقة
نحو حافة هاوية حرب نووية مدمرة. بيد أن هذه
الجولة قد انتهت دون إصدار بيان مشترك أو
نتائج جوهرية ملموسة.
وتتباين
القراءة التحليلية لمخرجات هذه المباحثات،
بحيث يمكن القول بأنها فشلت في تجسيد الهدف
الأمريكي من عقدها، وهو المتمثل في انتزاع
تعهد من كوريا الشمالية بالتخلي عن برنامجها
النووي، وفي المقابل طالبت كوريا الشمالية
بضرورة أن تتبادل واشنطن معها تقديم
التنازلات. ويتبدى الفشل في بقاء الأزمة في
حالة المراوحة في المكان. بل إن الفشل يتجسد
أيضًا في الإخفاق في تجسير الفجوة في المواقف
المتناقضة، وبالتالي مبادرة طرفي الأزمة
الرئيسيين لتحميل الآخر مسئولية إفشال
المحادثات، وبروز تعنت أطراف الأزمة،
وتمسكها بمواقفها.
من
زاوية أخرى فإن ضعف مستوى تمثيل الأطراف
المتعددة -نائب وزير خارجية- لم يتح لهم
القدرة على اتخاذ قرارات، ونزع سريع لفتيل
الأزمة الراهنة.
خطوة
أكثر تقدما
بيد
أن القراءة الأعمق ترى صورة مغايرة من زاوية أن
مجرد انعقاد المباحثات في صورة سداسية تمثل
خطوة أكثر تقدمًا
عن جولة سابقة ثلاثية
بين كوريا الشمالية والصين
والولايات المتحدة، جرت في 23 إبريل 2003، وذلك
في
سياق تأسيس قاعدة انطلاق للحل السياسي
والدبلوماسي، عبر إشراك الأطراف الأكثر
عناية بالأزمة: الكوريتين، والولايات
المتحدة، واليابان،
والصين، وروسيا. أي عبر مفاوضات متعددة
الأطراف، تشمل على هامشها،
أو خلالها،
محادثات ثنائية، وذلك في ضوء قبول كوريا الشمالية
بهذه الصيغة من المحادثات، وعدم الإصرار على
شكل معين للحوار، وما سبق وأبدته من حدوث
انفراج نوعي
وإظهار درجة من المرونة باتجاه الحديث عن
مباحثات "مباشرة" وليست "ثنائية"،
وهو ما كانت ترفضه واشنطن.
يأتي
ذلك في ضوء التزام طرفي الصراع الرئيسيين،
كوريا الشمالية والولايات المتحدة "بقواعد
اللعبة"، وعدم الذهاب بعيدًا
على طريق الصدام والمواجهة؛
الأمر الذي برز في عديد من التصريحات
المتبادلة، المؤكدة لأهمية حل الأزمة سلميًّا،
وعدم المغامرة بشن حرب في شبه الجزيرة
الكورية، خاصة من جانب الولايات المتحدة، في
بيئة متباينة كليًّا
عن نموذج العراق، بالنظر إلى توافق دول
الجوار على رفض الخيار العسكري ضد كوريا
الشمالية وعدم معاملتها بعصا القوة الغليظة،
ورفض الطاعة العمياء لإملاءات السياسة
الأمريكية، بدرجة القوة نفسها في عدم التساهل إزاء طموحات
بيونج يانج لامتلاك أسلحة دمار شامل أو
امتلاكها فعلا.
ومن
غير المنطقي تصور أن أزمة بكل هذه التعرجات
والتعقيدات
من الممكن أن تحل بصورة فورية، وفي
هذه الجولة بالتحديد، بالنظر إلى أن حل
الأزمة النووية يعد
بمثابة عملية ممتدة، ويتطلب
المزيد من تدابير "بناء الثقة" المفقودة،
ليس فقط بين الولايات المتحدة وكوريا
الشمالية، ولكن بين الأخيرة وكوريا
الجنوبية، واليابان على حد سواء.
النجاح
مسألة نسبية
وفي
هذا السياق، تداخلت اعتبارات عدة جعلت من الفشل أو النجاح مسألة
نسبية: فهناك قيود النهج العام لإدارة بوش في
مكافحة "الإرهاب" وفق إستراتيجية
كونية، ترفض المساواة أو التهاون أو المقايضة والتفاوض مع
"الإرهابيين"
أو الدول الداعمة "للإرهاب"
حسب تصنيف واشنطن، بما يؤثر في
فقدان المصداقية، حيث إن التصرف خلاف ذلك هو
بمثابة القول لإيران و"الدول
المارقة" بأن
بإمكانها تحدي
المجتمع الدولي
-حسبما تتصور وتصور الولايات
المتحدة ذلك-
دون أي
تبعات. وبالتالي، فإن وضعية كوريا
الشمالية ضمن التصنيف الأمريكي "لمحور
الشر" تفرض -ولحفظ
ماء الوجه-
عدم الإذعان لما تسميه "الابتزاز النووي"؛
وبالتالي تتمسك واشنطن بأن
كوريا الشمالية تتحمل المسئولية الكاملة عن
الأزمة الحالية، ويتوجب عليها القيام
بالخطوات الأولى، لما يمثله تهديدها النووي
من أخطار تتهدد العالم بأسره وليس الولايات
المتحدة فقط، وتصر على صيغة محادثات متعددة
الأطراف لإلقاء عبء مواجهة الأزمة على
المجتمع الدولي!
وعلى
الجانب المقابل، ترى كوريا الشمالية أن
الإدارة الأمريكية مسئولة كلية عن الأزمة
الراهنة وتداعياتها، بفعل التوقف عن تقديم
المساعدات وإمدادات الطاقة، وسياسة القوة
وتصنيف الآخرين ما بين "محور الشر" و"دول
مارقة وراعية للإرهاب"، وفق مرجعية
أمريكية تعبر عن المصالح أحادية الجانب، ومن
ثم تصر على حوار مباشر ومحادثات ثنائية مع
الولايات المتحدة.
وبمقدورنا
القول بأن المحادثات لم تفشل بالمعنى
المطلق، حيث إنها في حد ذاتها،
وبما تطرقت إليه،
كانت إيجابية ومثمرة، وحققت
تقدمًا،
رغم الخلافات التي مردها وضع الأطراف لشروط
صعبة تمثل الحد الأقصى، دفعة واحدة.
ومن مؤشرات ذلك، الحرص على إعلان تواصل المحادثات، في
جولة سداسية قادمة، ربما تكون في منتصف
أكتوبر 2003،
يتحدد زمانها ومكانها عبر القنوات
الدبلوماسية. وعلى الرغم من عدم صدور بيان
مشترك
فإن الأطراف توافقت على ست
نقاط رئيسية ذات دلالة مهمة،
تتمثل في:
-
الاتفاق على حل القضية النووية
الكورية بالسبل السلمية،
حفاظًا
على الاستقرار والسلام والأمن طويل الأمد في
شبه الجزيرة الكورية.
-
الاتفاق على جعل شبه الجزيرة
الكورية منطقة خالية من الأسلحة النووية، مع
الأخذ بعين الاعتبار المخاوف الأمنية لكوريا
الشمالية.
-
الاتفاق على بحث وصياغة خطة
شاملة لتسوية تلك القضية بأسلوب عادل ومعقول.
-
الاتفاق على ضرورة تجنب أي عمل
أو اتخاذ أي إجراء من شأنه تدهور الأوضاع،
طالما بقيت المسيرة التفاوضية مستمرة.
-
الاتفاق على ضرورة مواصلة
الحوار لتعزيز جسور الثقة وتضييق هوة
الخلافات وتوسيع الأرضية المشتركة.
-
الاتفاق على ضرورة مواصلة
المحادثات السداسية.
كما باتت واضحة مطالب الجانب الكوري الشمالي، مقابل التزامه
بتعهدات واستحقاقات، حيث حددت بيونج يانج
مطالبها في النقاط التالية:
-
توقيع معاهدة عدم اعتداء بين
بيونج يانج وواشنطن.
-
إقامة علاقات دبلوماسية كاملة
وطبيعية بين البلدين.
-
توفير ضمانات اقتصادية لبيونج
يانج من قبل كوريا الجنوبية واليابان.
-
استكمال تشييد المفاعلين
النوويين اللذين يعملان بالمياه الخفيفة
لتوفير احتياجات كوريا الشمالية من الطاقة
الكهربائية،
وفقًا
لما تعهدت به الدول الأطراف في اتفاقية جنيف
التي تم إبرامها في عام 1994.
وفي مقابل هذه المطالب، تتعهد بيونج يانج بأربعة
إجراءات هي:
-
التوقف عن إنتاج أسلحة نووية.
-
السماح لمفتشي الوكالة
الدولية للطاقة الذرية بإجراء عمليات تفتيش
على منشأتها.
-
التخلص نهائيًا من منشآتها النووية.
-
وقف إجراء التجارب الصاروخية
ووقف تصدير الصواريخ.
أمريكا
ليست طليقة اليد
والحقيقة
التي لا مراء فيها
أن الظلال العراقية ستلقي
بتأثيراتها في المرحلة المقبلة، على أكثر من
صعيد، حيث إن كوريا الشمالية تدرك أن ثمة سقفًا
للتصعيد، يلزمها
بعدم تجاوز "الخطوط الحمراء"،
وخاصة ما
يتعلق بتأثير الأوضاع
الاقتصادية الداخلية الخانقة.
كما
أن الولايات المتحدة أمام ظروف مختلفة عما
واجهته في العراق، فمن جهة تواجه كوريا
الشمالية وهي متورطة في مواجهة المقاومة
العراقية؛ وهو ما يجعلها غير قادرة على
التفرغ للملف الكوري.
ومن
جهة أخرى فإن الإدارة
الأمريكية ليست طليقة اليد في استخدام القوة،
لخصوصية منطقة تقع بين الصين وروسيا
النوويتين، وتجاور العملاق الاقتصادي
الياباني،
وما تمتلكه بيونج يانج من مقومات عديدة، حيث
تلوح بهراوة صاروخية نووية ذات مصداقية يعتد بها،
ولديها
أكثر من 1.2
مليون جندي، ضمن جيش يحتل المرتبة الرابعة
بين أكبر جيوش العالم، ويتمركز 65% من قوات
المشاة في المنطقة المنزوعة السلاح الفاصلة
بين شطري كوريا، منتشرين عند الحدود مع كوريا
الجنوبية التي تقع مباشرة في مرمى المدافع
والصواريخ الكورية الشمالية في مواجهة 60 ألف
جندي كوري جنوبي، وإلى جوارهم 37 ألف جندي
أمريكي، إضافة إلى امتلاك كوريا الشمالية عدة
صواريخ نووية، يبلغ مداها 8 آلاف كيلومتر
يمكنها بلوغ الساحل الغربي للولايات
المتحدة، ومخزونًا
من الأسلحة الكيماوية والبيولوجية.
وتدرك
واشنطن أن استمرارها في ممارسة ضغوط إضافية
على كوريا الشمالية يدفع الأخيرة إلى انتهاج
أكثر المواقف تشددًا.
ولم
يعد ممكنًا
أن تتمادى واشنطن في خداع نفسها إذا اعتقدت أن
في وسعها تركيع بيونج يانج أو خنقها عبر ضغوط
أو ابتزاز، حيث إن التحدي والتواصل فيه، في ظل
تزايد مصداقية رادع نووي،
بمثابة نوع من الجنون. ومن العقلانية عدم
مبادرة الإدارة الأمريكية بعرقلة التعاون
الاقتصادي بين كوريا الشمالية وكوريا
الجنوبية واليابان.
وعليه
تتبدى خطورة الإقدام على وقف أو تعليق مشروع
إنشاء مفاعلين نوويين يعملان بالماء الخفيف
لمدة عام، إذا لم تتخل بيونج يانج عن برنامجها
النووي، علمًا
بأن اليابان وكوريا الجنوبية والاتحاد
الأوروبي وافقوا من قبل على إنشاء محطة نووية
تضم المفاعلين، وتبلغ قدرتها ألفي
ميجاوات، بتكلفة 5
مليارات دولار، وينتجان كميات أقل من المواد
النووية التي يمكن استخدامها في صناعة أسلحة
أقل من تلك التي ينتجها المفاعل النووي الذي
بني في الحقبة السوفيتية.
"الصفقة
الشاملة".. السيناريو المرتقب
وسيناريوهات
المستقبل مفتوحة على الاحتمالات كافة، من
تصعيد محسوب إلى إنشاء قنوات دبلوماسية سرية
تستهدف إيجاد صيغة "صفقة شاملة"، تأخذ في
الاعتبار المصالح المشروعة لكوريا الشمالية،
وحل مشكلاتها الاقتصادية، وعدم حشرها في
الزاوية، والتعاطي الإيجابي مع مخاوفها
الأمنية، وإيجاد صيغة لاتفاق أو معاهدة عدم
اعتداء واحترام نظامها السياسي.
وستعمل
الصين خاصة على إحداث علاقات دبلوماسية
تدريجية بين واشنطن وبيونج يانج، وحث الأخيرة
على تبديد مخاوف الإدارة الأمريكية ودول
الجوار من تداعيات طموحاتها النووية،
ومساهمتها بإيجابية في هدف جعل شبه الجزيرة
الكورية خالية من أسلحة الدمار الشامل،
والمضي قدمًا في إجراءات التوحيد بين شطري
الجزيرة، وتطبيع العلاقات مع اليابان، كل ذلك
في ظل ضمانات ورقابة دولية.
ومن
الأهمية بمكان عدم الربط بين الحل السياسي
والأزمة الإنسانية الخطيرة التي تهدد ما بين 6
– 8 ملايين
نسمة من كوريا الشمالية، نتيجة النقص الحاد
في المواد الغذائية، خاصة في بلد يعتمد منذ
عام 1996، على المساعدات الخارجية لمواجهة الفجوة
الغذائية. وبالدرجة نفسها من الأهمية
يتحتم اتخاذ العديد من إجراءات الثقة بين
بيونج يانج وواشنطن عبر حوار بناء ومباشر جاد
وواقعي. ومن مؤشرات ذلك، بصورة أولية، إبداء
الاستعداد لدعم جماعي لاستثمار سنوي تقدر
قيمته بما بين 3 – 5 مليارات
دولار لمعافاة الاقتصاد الكوري الشمالي
المنهار.
وآفاق
المستقبل تتحدد بمدى مسئولية الأطراف كافة
للتوصل إلى إطار عمل، متعدد الأطراف، وتطوير
اتفاق جنيف عام 1994 وترسيخه، وإدراك أهمية
الإبقاء على زخم وقوة دفع التسوية السلمية
والدبلوماسية، والتواصل في
تجسير الهوة بين المطالب المتعارضة، عبر حل
وسط، يرضي
الأطراف كافة، بتوافر إرادة سياسية لتجسيد
ذلك، وإتاحة فرصة التعايش السلمي بين الأنظمة
المتباينة، ودرء الآثار الكارثية للخيار
العسكري، وأخطاء الحسابات والتقديرات،
والتوقف عن استعراضات القوة والتلويح بها،
قبل فوات الأوان.
اقرأ
أيضا:
**
خبير
في الشئون العربية- القاهرة.
|