بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

رواق الأفكار

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


المقاومة العراقية المسلحة.. وجهتا نظر:

العراق.. المقاومة المسلحة جهاد أم مقامرة؟

31/8/2003

 مثنى أمين الكردستاني**

بهاء صلاح الدين أمين الاتحاد الإسلامي الكردستاني.. الخيار السلمي لمواجهة الأمريكان

هل المقاومة هذه قتال في سبيل الله، و جهاد مشروع؟‍‍ وهل نقاوم الأمريكان سلما أم عنفا؟ وهل خروج أمريكا فورا وبدون مقدمات مطلوب؟ هل الحقوق دوما تؤخذ بالقوة والمواجهة العنيفة؟ وهل القتال خيار مفضل دوما؟ ... أحاول أن أعالج هذه الأسئلة من خلال هذه السطور التالية، انطلاقا من رؤية عراقية إسلامية شاملة تأخذ الأمور من جميع أبعادها، تؤمن بالعقل بدل العاطفة، و تؤمن بالمشروع بدل الشعار، وتنظر للنتائج لا المقدمات فقط.

     أتحسر كثيرًا عندما أرى أحكام الدين تُفهَم بعيدًا عن مقاصدها وغاياتها، عندما تفهم تلك الأحكام شكلاً دون روح، وسيلةً دون غاية، شعارًا دون مشروع، جزءًا غير متكامل.. إلخ.

    أتحسر كثيرًا عندما أرى العجز والسلبية يقعدان بالمسلمين إلى درجة أن يفكروا بأن أقصر الطرق إلى الجنة هو الانتحار لا الانتصار، وبأن الإنجاز الأعظم للمسلم هو أن يُحسِن الموت لا أن يحسن الحياة، يحسن الموت لكي يدخل هو الجنة، لا لكي ينتصر المسلمون، ويعتقد واهمًا أن الله- الذي لا يريد من الأنعام لحومها ولا دمائها ولا يناله شيء من ذلك ولكن يناله التقوى- يريد لحوم المؤمنين ممزقة، ويريد صَلبًا وفداءً ودمًا حتى يرضى، دون أن ندرك أن وراء الفداء والقتال غاية أعظم من أن يفكر إنسان لنفسه أنانيًّا كيف يدخل الجنة، وما هي أقصر الطرق إليها بعيدًا عن المتاعب! وأعظم من أن نقتل لمجرد القتل، إذا كان المقتول غير مسلم، وكأن القتال في سبيل الله يعني هواية صيد البشر المشرِك، لا إيصال الخير له وهدايته!

الجهاد(القتال) ليس مطلوبًا لذاته

    واهمٌ من يعتقد أن الإسلام يوجب على المسلمين قتالاً لا يؤدي بهم إلى انتصار، كوَهْم من يعتقد صحة صلاته بمجرد حلول الوقت وسماع الآذان دون النظر إلى الشروط الأخرى لصحة الصلاة، وإذا كانت الصلاة تؤدَّى على أي نحو مستطاع لأنها عبادة مطلوبة لذاتها، فإن الجهاد والقتال غير ذلك تمامًا؛ لأنه ليس من العبادات المطلوبة لذاتها، وليس غاية في حد نفسه، فإذا كانت الصلاة مطلوبة لوصل العبد بربه والخشوع أمامه وذكره المولى جل شأنه، فإن القتال في سبيل الله مطلوب لتحقيق الانتصار، ودفع العدو، وتوفير شروط نهضة المسلمين، وحقن دمائهم. والجهاد عبادة غير مقصودة لذاتها، ولا يُلجَأ إليها ابتداءً بل اضطرارًا؛ لأن الله الذي نعرفه هو السلام الذي يحب السلام، وهو الذي بعث دينه منهاج رحمة للعالمين وليس للمسلمين، وكم سعدت البشرية بعدل الإسلام ورحمته وسماحته وقيمه السامية، عندما كان المسلمون سادة البشرية وقادته، وكانوا يفهمون دينهم بشكل صحيح، ولا بد أن نفهم أن دينًا في قامة الإسلام وعظمته وخلوده لا يبيح الدماء والأوجاع وويلات الحروب، إلا عندما لا يكون هناك بديل آخر، وعندما تقصر كل وسيلة عن بلوغ الغاية.

    لقد آن للبشرية– وعلى رأسها المسلمون الذين يفترض بهم أن يكونوا قادة العالم- أن تعيد النظر في الحروب والقتال، وتدرك بأن الحروب اليوم ليست كالأمس، حيث كان يلتقي الواحد في الميدان بآخر ويتبارزان بالسيف، لا، إن الحروب الآن تعني قتل الآلاف بالضربة الواحدة، وتعني تضييعًا لموارد يمكن أن تخلِّص شعوبًا بأكملها من الفقر والجوع، وتعني تلويثًا للبيئة إلى درجة استمرار وجود الإشعاعات في الجو لملايين السنين.. إلخ، ولذلك فإن المُسلَّم به الآن هو أن الحروب الحديثة تعني هزيمة بدون انتصار لطرف على الآخر، بل هزائم وخسارات، وهدر إقليم بأكمله، وليست دولة أو اثنتين.

    إن العالم الآن لا يتحمل الفوضى والاقتتال، إن قليلاً من الفوضى والانفجارات يؤدي إلى انتكاسات اقتصادية وتنموية في بعض البلدان لا تعوَّض بعقود من الزمن، وتؤدي إلى رمي تلك البلدان في مؤخرة الصف، انفجارًا واحدًا في إندونيسيا أدى إلى انهيار في أسعار الأسهم في دول المجموعة الإقليمية حولها، وهز اقتصاد البلد، وسيؤدي إلى هروب رؤوس الأموال والاستثمارات، تلك الأموال التي جعل الله لنا فيها وبها قيامًا.

هل يحقق القتال مصالح المسلمين؟

   أنا لا أستطيع أن أفهم الجهاد إلا في إطار مصلحة المسلمين ومصلحة الدين نفسه، وواهمٌ من يرى أن الجهاد والقتال يُفهَم في غير إطار مصلحة الإسلام والمسلمين، فما هي تلك المصلحة؟

مصلحة الإسلام كدين هو في الانتشار، وإقبال الناس عليه، وربطه في أذهان البشر بالخير والرحمة والرفق والهداية والإيجابية والبناء واحترام الإنسان وحرياته، لا بربطه بالقتال والدماء والتفجيرات واستهداف المدنيين الآمنين، وترويع الأبرياء، وهدم الاقتصاد، وهدر الحقوق والحريات .. إلخ.

    إن أية عملية كالتي حدثت في (11/9/2001) في أمريكا– مثلاً- كفيلة بجعل الملايين من البشر يشمئزون وينفرون من مجرد سماع كلمة "الإسلام" و"الجهاد"، ويستحقرون المسلمين، ويتصورونهم وحوشًا متعطشة للدماء... إلخ (من دون أن يعني كلامي إثباتا لمسؤولية تلك الحادثة على أحد بعينه، و لكن تشفي البعض من الإسلاميين، و تهديدات جماعة بن لادن، و مهارة الحاقدين على الإسلام وسيطرتهم على الإعلام أدى لربط الحادثة بالإسلام).

    أما مصلحة المسلمين فهي أن يعيشوا سعداء أحرارًا، سعداء بالرفاهية التي لا بد أن توجِد يُسر الحال وراحة البال، والتنعم بخيرات الأرض ومعطيات العلم، وإفرازات الحضارة والتقدم البشري، وأحرارًا مستقلين في قرارهم الذي يمكِّنهم من إقامة الدين، وتنظيم مناحي الحياة وفق شريعة الله .. إلخ.

    نحن كمسلمين نجاهد، لا حبًّا في الدماء ولا صيدًا للبشر، وإنما لتحقيق غايات دنيوية وأخروية، وصولاً إلى واقع يسعد به الجميع، مسلمين وغير مسلمين.

 المقاومة العراقية في ميزان المصلحة

      بعد هذا السرد والكلام عن أصل القتال في سبيل الله، أعود إلى العنف في العراق، وما يسمى الآن بالمقاومة والجهاد، وأقول في ضوء ما سبق قوله عن مصلحة المسلمين والإسلام وأن الجهاد شرع لتحقيق تلك المصالح، فإنني أرى الآتي:

أن مصلحة الإسلام هي في حرية الدعوة، وتوفر فرصة لقاء الدعاة بالشعوب حتى يستطيعوا أن يعيدوا الناس إلى الهداية، وأكبر عائق لجميع التيارات الإسلامية في بلاد الإسلام هو عدم توفر الحريات الكافية للدعوة، وتقديم الإسلام كنموذج بديل، وأنا واثق تمامًا أنه لن تستطيع قوة في العراق بعد انهيار ذلك النظام المجرم أن تمنع الحرية عن العراقيين؛ لأن غالبية القوى السياسية في العراق إسلامية، سنية أو شيعية، وإن التفاف الناس في العراق حول الإسلام هو الخيار الذي لا خيار غيره إن أحسن الإسلاميون التصرف ولم يتهوروا، ولم يذهبوا لسياسات عنترة بن شداد ومذهبه في استعراض العضلات، ولم يجحدوا الآخرين، ولم ينكروا حق الجميع في الوجود.

وتجربة "الاتحاد الإسلامي" في كردستان العراق خير دليل على أن "الإسلام الوسط المعتدل"، إسلام الخير والرحمة، إسلام التعايش وسعة الصدر، إسلام الواقعية لا العنجهية، إسلام المشاركة لا الإقصاء، إسلام التفاهم لا الصدام، هو الذي يقبل به الجميع برحابة صدر، ولا يستطيع أحد نكرانه ومنعه (ظهر الاتحاد كحزب سياسي في 1994، وهو الآن ثالث قوة سياسية في كردستان دون منافس).

الأمريكان وموقفهم من الدعوة

    وثقوا أن الأمريكان- مهما كان موقفهم من التيارات الإسلامية- ليس أمامهم بديل غير الاعتراف بهذا الواقع الموجود على أرض العراق والتعامل معه، بدليل تنازلهم لمجلس الحكم عن أغلب صلاحياتهم، وهو المجلس الذي لم يعينه الأمريكان كما يزعم البعض، وإنما هو الممثل لأغلب القوى السياسية الحقيقية العراقية الوطنية، وفيه الدكتور محسن عبد الحميد والأساتذة صلاح الدين محمد بهاء الدين، ومحمد بحر العلوم، وعبد العزيز الحكيم، وإبراهيم الجعفري، وغيرهم وغيرهم من الإسلاميين الوطنيين، من السنة والشيعة.

    إن مصلحة الإسلام كانت في زوال الديكتاتورية والظلم والإبادة في العراق، وجاهل من يتباكى على ذلك العهد الذي مورس فيه بحق الإسلام والمسلمين أبشع جرائم الإبادة والقتل وانتهاك الأعراض والحرمات، إن خلاص العراق من ذلك الكابوس هو نقطة البداية لإصلاحه، ولم يكن ممكنًا إصلاح حال العراق إلا بزواله، من دون أن يعني هذا الكلام ترحيبًا بالحرب على بلدنا ولا ترحيبًا بالأمريكان الأجانب ولا بوجودهم واحتلالهم، ولكن تلك هي النتيجة الواقعية العملية التي ترتبت على ما حدث. خلاصة هذا الكلام أننا متفائلون في ما يخص المشروع الإسلامي في العراق، ونرى أن التحدي الأكبر ليس في الأمريكان وإنما في إمكانية الاستثمار الحكيم للفرص المتاحة لبناء العراق ماديا ومعنويا، و إخراجه من أيدي الآخرين بالعقل والرشد لا بالعنتريات وعرض العضلات وتعقيد الأزمات.

ما يجب أن نسعى إليه الآن

     وأما مصلحة المسلمين في العراق حاليًا، فهي إعادة إعمار العراق، وإعادة بناء حكومته الوطنية، و كتابة دستور جديد للبلاد يحقق العدالة والوحدة و يؤسس لنظام يعبر عن انتمائنا الحضاري  الإسلامي، وتوفير الأمن والاستقرار والقضاء على الانفلات الأمني والجرائم وترويع الآمنين، وتوفير الغذاء للفقراء والمواطنين، وإعادة تأهيل المستشفيات، وتوفير العلاج والدواء، وضمان مستحقات العاملين في الدولة ومرتباتهم التي هي قوت ملايين الأسر في العراق، وتوفير الخدمات البلدية، وماء الشرب الصالح، حتى لا يموت المئات بالأوبئة كما حدث في البصرة ويحدث في أنحاء كثيرة في العراق، إن توفير هذه الأمور الآن خير مقاومة لكل من يتربص ببلدنا و يريد به شرا، هذه الضروريات هي التي تؤسس لبقاء الحياة في العراق، بل بقاء العراق نفسه على قيد الحياة.

من آفات المقاومة الحالية

     إن سلطة الاحتلال هذه لا بد من التعامل معها بعقلانية ورشد لتحقيق وتوفير تلك الضروريات للعراقيين الذين يبادون من أربعين عامًا ويزج بهم في حرب كلما خرجوا من حرب،  قبل التفكير في أي أمر آخر، والضرورات تبيح المحظورات، وهذه التي تسمى مقاومة وجهادًا تستهدف هذه الضروريات، وتعيق إعادة بناء العراق، وتنشر الفوضى وتروع الآمنين، وتصيب المدنيين، والأخطر من هذا كله فإنها توفر الذريعة وتعطي الأمريكان الحجة في البقاء في العراق أطول فترة ممكنة، وسوف يقول الأمريكان للعالم: إن العراق غير آمن، وإن الاعتبارات الأخلاقية لا تسمح لهم بترك العراق في هذا الوقت بعد إسقاط نظام حكمه، وأن هناك إرهابًا لا بد من تحجيمه .. إلخ.

نحن نعتقد أن الإخراج الحقيقي للأمريكان هو في الإسراع بإعادة بناء حكومة العراق الوطنية و مصارعة الأمريكان في ذلك، وتوفير الخدمات والضروريات لمواطني أغنى دولة أوصلتهم سياسات النظام المقبور إلى حد الفقر والمجاعة والدمار الشامل، وبناء تجربة ديمقراطية عادلة توحد قرار الشعب العراقي وصفه، وتعيد الحركة والدوران إلى عجلة العراق المتوقفة، حتى لا يبقى مبرر للاحتلال الأمريكي.

شبهات وردها

    أنا أقول هذا الكلام، وهو ليس كلامي وحدي، وإنما هو موقف التيارات الإسلامية الراشدة في العراق، وكذا التيارات الوطنية المخلصة، وأنا وغيري من أهل العراق ندرك أن هناك الكثير من العقبات تحول دون تفهم الناس لهذا الموقف الغريب عندهم (كيف يقال لقتال العدو المحتل إنه ليس جهادًا شرعيًا؟!) وهذه العقبات هي:

1- إن تجربة الأمريكان في العالم عمومًا سيئة، وسياساتهم ظالمة، وعدوانيتهم طاغية، وعهودهم واهية، وأنانيتهم هي التي تقودهم، وقيمهم براجماتية نفعية، لا اعتبار فيها للقيم والمُثل .. إلخ، وكل هذا الكلام صحيح إلى حد كبير عند تقييم السياسة الخارجية الأمريكية.

2- إن صورة ومفهوم الاحتلال مرتبطان في ذهنية المسلمين والعالم الثالث عمومًا بصورة الاحتلال الذي شهده العالم في بدايات القرن الماضي، وبصورة الاحتلال الصهيوني لفلسطين.

3- إن صورة المقاومة الموجودة في العراق تشبه– ظاهريًا- صور المقاومة التي نفتخر بها في بلادنا، والتي أدت لإخراج المحتلين ولو ظاهريًّا وبشكل منقوص.

4- إن كتب الفقه الإسلامي تزخر بفتاوى وجوب قتال الكفار وطردهم إذا دخلوا أرض الإسلام.

5- يتوقع الناس أن العراق في يد الأمريكان ستتحول إلى دول مفتتة وشعب متغرب متفسخ، ووكر للجواسيس الإسرائيليين .. إلى آخر هذه الدعايات التي يروج لها البعض، جهلا أو تشاؤما أو تشويشا متعمدا.

وأحب أن أقول تعليقًا على هذه التخوفات المبررة عدة ملاحظات:

1- إننا في هذه الظروف الحالية، وفي هذا التوقيت المبكر (أي قبل تشكيل دولة في العراق تدير البلد وتستلم السلطة من الأمريكان) لا نعتقد أن خروج أمريكا الفوري وحلفائها ضروري، بل فيه قدر كبير جدًّا من الخطورة، وهناك من الاختلافات الداخلية، والتناقضات، وإفرازات "حزب البعث" وجرائم العهد البائد، والتعددية في المذاهب والأهواء والملل، ما ينذر بحدوث كارثة في العراق، بأن تتحول كل محافظة في العراق إلى دولة، وتؤسس هذه الدول ميليشيات، والسلاح متوفر بأعداد لا حصر لها من كل نوع، ثم تضرب كل دولة الأخرى، حتى تصبح العراق بركًا من الدماء وتنتهي من الوجود تمامًا.

ولنا مثل مضحك مبكٍ في تاريخ العراق زمن الاستعمار البريطاني، حيث إن قريتي "راوة" و"عانة" أعلنتا كل واحدة استقلالها كجمهورية إسلامية عندما انسحب الإنجليز من قريتيهما وتركوا بعض السلاح عندهم، وقامت كل جمهورية بغزو الجمهورية الأخرى على ضفتي الفرات، حتى عادت قوات الاحتلال وسيطرت على المهزلة الدموية.  فهل فقهنا هذا الدرس؟‍‍‍‍ وهل يعلم من يفتي لنا بالقتال هذه الحقيقة؟!

2- فيما يخص الأمريكان، فصورتهم ليست وردية عند العراقيين أيضًا، وأعتقد جازمًا أنهم ليسوا جمعية خيرية، وأنهم لا يفهمون إلا لغة مصالحهم، وأنهم بأنفسهم في مجلس الأمن لم يجدوا لأنفسهم سوى وصف الاحتلال، ولكن التخوفات المبالغ فيها أيضًا ليست حقيقية، وتقسيم العراق ليس واردًا في خططهم، ولا ذلك من مصلحتهم، وعمليًّا تنازل الأمريكيون أكثر من مرة للقوى العراقية رغمًا عنهم، وليس صحيحًا أن الأمريكان يفعلون ما يريدون؛ لأنهم ببساطة لا يستطيعون فرض كل ما يريدون.

الواقع أن الأمريكان لهم مصالح، وهذه المصالح بعضها سياسية وبعضها اقتصادية، والعراقيون لهم مصالحهم أيضا، ولكن من الخطأ الاعتقاد بضرورة أن جميع مصالحهم متناقضة مع مصالح الشعب العراقي، قد تكون متناقضة مع مصالح روسيا والاتحاد الأوربي، ولكن هذا لا يعنينا في شيء، فليس أحدهم أولى بنا من الآخر، إن الروس قتلة الشيشان المسلمين ليسوا بأولى من الأمريكان، كما لا ننسى أن الكثير من المصالح الاقتصادية يمكن التعاطي معها دون محاذير شرعية، وأية صفقة اقتصادية تكون في صالح العراق هي التي لا بد أن تمشي، ثم إن الترتيبات والتكتيكات المرحلية الذكية ضرورية لتجاوز الكثير من الأزمات (وهذه لغة يفهمها أهل الاختصاص السياسي والإستراتيجي، ولا يفهمها للأسف كثير من أهل الخطب والشعر الحماسي)،

باختصار: بيننا وبين الأمريكان صراع وشد، وننتزع حقوقنا انتزاعًا، شاءوا أم أبوا، ولكن وسائل السلم والسياسة والعقل لا زالت ناجحة ومجدية.

3- لقد انتهى عهد الاحتلال العسكري المباشر، وأمريكا لن تستطيع البقاء في العراق لو أحسن العراقيون صنعًا، وإذا كانت الحكومة العراقية القادمة لن تستطيع الخروج التام من الطوق الأمريكي، فإن ذلك لا يبرر التضحية بكل المنجزات التي يمكن تحقيقها في هذه المرحلة، والعراق لن تكون حالة شاذة في المنطقة، فكل دول المنطقة رغمًا عنها تقبل سياسات معينة؛ لأن الأمة في حالة وهدة حضارية مخزية، ولا يوجد فانوس علاء الدين السحري في العراق ولا في غيرها، ونحن الآن بصدد فقه الرخص وأحكام حالات العجز وعدم الاستطاعة ونحن نبحث لأمة منكوبة عن حل مقدور عليه، ولسنا بصدد البحث عن الخيار الأفضل في حال العافية والتمكن.

4- إن صورة عمليات المقاومة ليست نظيفة تمامًا، فبعض من يُسمَّون بالمقاومة هم لصوص وقطاع طرق ونهابون، وبعضهم بقايا القتلة والمجرمين المطارَدين، وبعضهم تدفعهم لذلك ثارات قَبَلية، أو رد فعل حركة محددة، والقليل منهم إسلاميون ولكن بعقليات غير حكيمة، ورغم أن هؤلاء القلة مخلصون، ولكنهم متهورون وينطلقون من شعارات لا مشروعات، وهم من تلك النماذج التي هددت استقرار بعض المجتمعات الإسلامية في مصر والجزائر، وحاليًّا في إندونيسيا وغيرها، ولم تستطع أن تقدم خيرا في أي مكان، بل قطعت الطريق على من يمكن أن يقدم شيئا ، وضيعت  القضية الأصلية وسط برك الدماء التي صنعتها.

ولا يخفى على المتابع ولا يفوته التأمل في المراجعات التي قام بها بعض هؤلاء ممن تبنوا نهج العنف في مصر، بعد ضياع عقدين من العمر، حيث رجعوا عن اجتهاداتهم واعترفوا بأخطائهم، وجماعتهم في أفغانستان لم يعجبهم لا برهان الدين، ولا حكمتيار، ولا قرضاي، فهذا مبتدع وذاك كافر والآخر خائن وعميل.. وهلم جرَّا، وهذه العقليات التي تشبه أفكارها مذهب  الخوارج خطيرة على بلدنا رغم أنها الآن في العراق تبرد بعض الصدور، التي يهمها التشفي من الأمريكان وإلحاق الأذى بهم، أكثر من همها وحرصها على بناء العراق ونصرة الحق فيها.

5- إن المعركة التي حدثت بين الأمريكان ونظام البعث لم تكن معركة الشعب العراقي، ولذلك فإنه تفرج متشفيًا بسقوط أقذر ديكتاتور في هذا العصر، ولم يقاوم، وقبل الحرب بأربعة شهور كتبتُ مقالة ونشرتُها، وقلت: إن هذه الحرب لن تستغرق أسبوعين، وكان غير العراقيين يستغربون مما قلت، ولكن هذا الذي حدث، كنت متيقنًا أن الشعب العراقي لن يدافع عن صدام وزمرته.

نحن العراقيين أدرى ببلدنا وأهله، ولا أدري لماذا في كل مكان "أهل مكة أدرى بشعابها" إلا في العراق، حيث نجد أهل الفتوى يتسابقون في إصدار الفتاوى لنا، وكأن أمريكا موجودة في العراق فقط، وليست تحتل المنطقة كلها، من بعد دخول صدام للكويت وتمكينه لهم من المنطقة كلها.

6- إن الجهاد مشروع للانتصار لا الانتحار، ولا بد أن يكون في توقيت تضمن به النصر، ولا بد أن يكون خيارًا جماعيًّا مرجعيًّا، تقتنع به غالبية الناس، حتى ولو لم يشاركوا فيه فعليًّا، ولا بد أن يكون القتال خيارًا أخيرًا، ولا بد أن يكون مستطاعًا ومجديًا.

إن القتال في سبيل الله الذي يتحدث عنه المجتهدون كان في ظروف زمانية ومكانية مختلفة، وفي ظل دولة الإسلام وخلافته التي كانت تعلن الحرب وتقودها، وفي ظل علاقات دولية مختلفة تمامًا، ولا يعني هذا إنكارًا لفرضية الجهاد، لأن "الجهاد" مفهوم أوسع من "القتال"، وهو ماض إلى يوم القيامة لا يتعطل أبدا، والقتال أيضا خيار قائم ومهم ولكن بشروطه وغاياته، وبعدم إخراجه من كونه آلية لتحقيق غاية دون أن تكون هي غاية مقدسة ولا حصر معنى الجهاد فيه.

    أخيرًا، أقول: إن مقاومة الأمريكان واجب ولكن العنف الآن لا يخدم قضيتنا، وليست الحقوق دوما تؤخذ بالقوة والعنف، وليست القوة قتلا وضربا فقط. وأقول لإخواننا السوريين والإيرانيين واللبنانيين وغيرهم: إن الشعب العراقي- وهو في هذا الحال- غير قادر على القتال بالنيابة عن أحد وإن فيه ما يكفيه، فلننظر إلى ما يجري بعيون إخراج العراق مما هو فيه دون النظر إلى أحلام أن تقود العراق معركة تحرير المنطقة بأكملها وهو في حال أشبه بالمريض الذي يحتاج غرفة العناية المركزة والأخطار الخارجية والداخلية تحدق به من كل ناحية.

أرجو من المهتمين بشأن العراق وحركته الإسلامية أن ينصحوا الشباب بوجوب التزام فتاوى الحركات الإسلامية ذات الرشد الفقهي والسياسي من أهل العراق، كما أرجو من إخواننا العلماء أن يتركوا الفتوى في كل بلد لأهله، فهم دون شك أقدر على رؤية الصواب، ولا يفتئتوا عليهم، وأظن أن هذا هو الطريق الواجب اتباعه لتكامل جهود العاملين والدعاة وعدم تشوش الرؤية، ولا ينبغي لقادة العمل الإسلامي أن يصوغوا الفتاوى لإرضاء العامة من الناس الذين يريدون خطابا معينا منهم، بل الواجب هو أن يرسموا الطريق لهم ويطالبوهم بالتزامه، وشكرًا لمن يؤيدني، وعذرًا لمن يخالفني، ولم يدفع كاتب المقال لما قال إلا الغيرة على الإسلام والوطن الإسلامي، الذي نريده قويًا مزدهرًا لا دمويًّا متناحرًا.

طالع:

اقرأ أيضا:


**  كاتب عراقي 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع