بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

بقية العالم الإسلامي

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


المقاومة الشيشانية.. روعة النجاح أم رقصة الطائر الذبيح؟

12/08/2003

 د.عاطف معتمد عبد الحميد*

قد لا يرى الكثيرون في سلسة الهجمات التي شنها المقاتلون الشيشان ضد الروس مؤخرًا أكثر من حلقة في مسلسل حرب الاستنزاف التي لن تغير من الأمر شيئًا، وقد يراها بعضنا نصرًا جديدًا يضاف إلى النجاح العسكري لحرب الأنصار والمريدين.. أما أخطر الآراء التي قد ترد إلينا فهي أن مسلسل الهجمات لا يعدو أكثر من الرقصة الأخيرة التي يرقصها الطائر الذبيح، وذلك عشية تحضير روسيا لانتخابات رئاسية في الشيشان، والتمهيد للإعدام السياسي لزعماء المقاومة بتشكيل حكومة موالية ودستور جديد يضمن بقاء الجمهورية "المارقة" ضمن الفيدرالية الروسية.

وقبل أن نترك لخواطرنا الاستئناس بأي من الأفكار الثلاثة السابقة، حري بنا أن نمعن النظر في مشهدين رئيسين سيطرا على مسرح الصراع الروسي- الشيشاني في العام المنصرم، وهما: التغير النوعي في سلوكيات حركة المقاومة، والتفنن الروسي في المراوغة السياسية. والمشهدان مترابطان معا ويؤدي كل منهما إلى الآخر.

تابع في هذا المقال:

التغير النوعي في حركة المقاومة

من مراجعتنا لمسلسل المقاومة الشيشانية خلال العام الفائت، وبالاستعانة بالشكل المرفق، نلاحظ أن المقاومة تسير بشكل منتظم بمتوسط 1.5 عملية شهريا (شهدت بعض الشهور خمس عمليات متتابعة)، وبخسائر في صفوف الروس متوسطها 31 قتيلا شهريًّا (شهد شهر مايو الماضي وقوع 105 قتلى، وذلك خلال احتفال موسكو بأكبر نصر عسكري لها في تاريخها وهو ذكرى هزيمتها لألمانيا الهتلرية).

ويسجل على هذه العمليات عديد من الملاحظات:

1- إصابتها ضحايا من المدنيين، سواء في روسيا أو في الشيشان. والسبب الرئيسي هو صعوبة حركة المقاومة بين العسكريين الروس من جهة، وتعمد الحركة لضرب المدنيين من جهة ثانية، فهي حينما تضرب مدنيين شيشانيين فإنهم غالبا ما يكونون من المتعاونين مع موسكو والمساهمين في الإرشاد عن أنصار المقاومة واجتياح بيوتهم. وفي هذا الشأن يعد رئيس الإدارة الشيشانية المؤقتة أحمد قاديروف واحدًا من الأهداف الرئيسية لضلوعه في الاعتقال ومداهمة منازل الشيشانيين (رغم تاريخه السابق في حركة المقاومة إبان حكم جوهر دوداييف الرئيس الشيشاني المُغتال).

أما استهداف المدنيين في روسيا فيبدو أن هدفه الرئيسي إبلاغ رسالة مفادها أن للمقاومة يدًا طولى تستطيع أن تتعدى بها الحدود الإقليمية لنفوذها. ويلاحظ في هذا الشأن حرص الحكومة الشيشانية المطاردة على شجب هذه العمليات والتبرؤ منها ربما كجزء من قواعد اللعبة السياسية.

2- وفي هذا الصدد يسجل غياب قادة المقاومة الشيشانية عن الإعلام الغربي، والروسي بالطبع، كما لا تتاح لهم الفرصة للتعبير عن وجهة نظرهم، فضلا عن عزوفهم عن إصدار البيانات أو إرسال الشرائط المسجلة على غرار النموذج الطالباني أو العراقي مؤخرًا. وتسعى موسكو إلى الضغط على دول العالم لتسليم بعض الشخصيات السياسية الشيشانية، وأشهرها:

* مولادي أودجوف المنظر الشيشاني لعمليات المقاومة، والذي يعيش في تركيا وترفض الأخيرة تسليمه.

* أحمد زكاييف المبعوث الأوربي للرئيس الشيشاني أصلان مسخادوف، والذي تمتع بضيافة عديد من الدول الأوربية إلى أن اعتقل في لندن وينتظر المحاكمة التي ستحدد تسليمه إلى موسكو أو توقيع العقوبة عليه وربما تبرئته.

* الرئيس الشيشاني السابق ياندرباييف اللاجئ السياسي في قطر، والمتهم بالدعم المالي لحركة المقاومة.

* الرئيس الشيشاني الحالي المطارد من القوات الروسية أصلان مسخادوف الذي يتحصن مع قادة المقاومة في جبال الشيشان جنوب البلاد، ويديرون شبكة من المقاومة عبر وسائط عدة للاتصال. وتثار في بعض الفترات اتهامات روسية لجورجيا بتقديم الدعم لقادة المقاومة الشيشانية خاصة بصواريخ أرض- جو المسئولة عن إسقاط المروحيات العسكرية الروسية.

3- وفيما يخص تقنية المقاومة فقد احتل إسقاط المقاتلين لمروحيات روسية المرتبة الأولى في عام 2002 بينما احتل الهجوم الاستشهادي المرتبة الأولى في النصف المنصرم من عام 2003؛ وهو أسلوب جديد لم يكن متبعًا من قبل ودخل إلى ساحة المقاومة بقوة منذ عملية مسرح موسكو في أكتوبر 2002. ويبدو أن ثقافة المقاومة الاستشهادية الفلسطينية صارت المنهج الأكثر بروزًا على المسرح الشيشاني في العام المنصرم.

4- ومن زاوية أخرى احتلت المرأة الشيشانية مكانة الصدارة في مستوى عنف عمليات المقاومة عبر مسلسل متوال من العمليات الفدائية. وقد قامت المرأة بعدة عمليات مؤثرة (17% من إجمالي عمليات العام ونصف العام المنصرمين) وركزت في الأساس على عنصر المباغتة واختارت العاصمة موسكو (شاركت 20 امرأة في عملية مسرح موسكو في أكتوبر 2000)، أو وسط تجمعات لجنود روس في الشيشان.

ولعل ما تعرضت له النساء الشيشانيات من قتل الزوج والابن والأب (1800 رجل قتلتهم القوات الروسية على مدى الأشهر الستة الماضية فقط)، ناهيك عن جرائم الاغتصاب والتشريد؛ هو الدوافع الرئيسة وراء قيام عناصر نسائية بتلك الأعمال شديدة الدقة والجرأة. فالتقاليد القوقازية الصارمة المدفوعة بمبادئ الشهادة الإسلامية وجهاد من قتلوا الأب والزوج تقف بقوة وراء تطوع الشيشانيات للعمل الاستشهادي اعتمادًا على اليسر النسبي في حركتهن داخل التجمعات الروسية في وقت يتعرض فيه القوقازيون لتوقيف مستمر في المدن الروسية وملاحقة متتابعة لسهولة التعرف على ملامحهم وسط العرق الروسي السائد.

واختزل فاليري فيرشاجين الباحث في شئون القوقاز الأمر بقوله: إن هؤلاء النسوة "فقدن على أيدي الروس كل ما يخفن عليه، وصار هدف الانتقام أسمى الغايات بعد أن أجبرن على السير في نفس المسار الذي سارت فيه النساء الفلسطينيات".

واعتبرت منظمة حقوق الإنسان الروسية "موموريال" -التي ترصد انتهاكات موسكو لحقوق الإنسان- أن ما تقوم به النساء الشيشانيات من "انتحار" عمل يرفضه الإسلام وترفضه التقاليد القوقازية التي تحترم المرأة وتقدس دورها "المدني"، أو كما رأى بعض المراقبين الروس فإن أصلان مسخادوف نجح في "غسل أدمغة هؤلاء النسوة، كما نجح قادة حماس في الوظيفة نفسها من قبل حينما قمن بالاستشهاد أو استقبلن نبأ استشهاد أبنائهن بالزغاريد".

5- أما عن جغرافية عمليات المقاومة فقد كانت العاصمة جروزني المكان الأول على مدى عام 2002. وشهدت نهاية عام 2002 والنصف الأول من 2003 خروج عمليات المقاومة إلى خارج جمهورية الشيشان وخاصة إلى العاصمة موسكو. وهنا قضية شديدة الحساسية في تجاوب الشعب الروسي مع قضية استقلال الشيشان، فمن ناحية هناك ملايين الروس الذين يؤمنون بحق الشيشان في الاستقلال وضرورة انسحاب روسيا منها (بلغت نسبتهم في عديد من استطلاعات الرأي أكثر من 55%)، بيد أن وصول العمليات "الاستشهادية" إلى المسارح والشوارع وساحات الاحتفالات يسحب جزءًا مهمًا من هؤلاء إلى فريق الكارهين لمسعى الاستقلال.

ولكن ألا يدري منفذو العمليات الفدائية هذه التداعيات؟ واقع الأمر أن هناك وعيا من قبل حركة المقاومة بهامشية الدور الذي يمكن أن يلعبه تعاطف المواطن الروسي مع الحق الشيشاني في الاستقلال، نظرًا إلى عدم فاعلية المشاركة السياسية للمواطن الروسي، وخاصة إذا مس الأمر قضايا الأمن القومي وشؤون المؤسسة العسكرية. وحتى الآن لم تفلح مظاهرة واحدة في الشارع الروسي في تغيير شيء من واقع الأمور في الشؤون الداخلية فضلاً عن إنهاك المواطن الروسي اقتصاديا؛ الأمر الذي يقلل فرص المشاركة في "ترف التظاهر".

وهكذا يبدو المكسب الأول لنقل العمليات الانتقامية إلى العاصمة موسكو جذب الانتباه إلى القضية ومحاولة تغير التشويه المعلوماتي الذي تمارسه روسيا.

6- وعلى مسار التعتيم الإعلامي استنكر بعض المفكرين الغربيين المتعاطفين مع القضية الشيشانية تناقض سلوكيات المجتمع الدولي تجاه ما يمارسه شارون في فلسطين وما يمارسه بوتين في الشيشان في الوقت ذاته. وفي ذلك أعطى جاكسون ديل في واشنطن بوست (29/4/2002) مثالا قارن فيه كيف يتابع العالم بشغف اقتحام المخيمات الفلسطينية عبر عدسات أكثر من 1000 صحفي في وقت لا يوجد سوى صحفيين فقط في الشيشان يتابعان ما يجري بها من انتهاكات. بل إن العالم أبدى قلقه لقيام شارون باجتياح بلدة صغيرة مثل جنين في أبريل 2002 ولمرة واحدة خلال ثماني سنوات في الوقت الذي كانت قوات بوتين تجتاح بلدة بنفس الحجم وهي "تسوتسان يورت" 33 مرة خلال 3 سنوات.

وهكذا فهناك ما يبرر حرص حركة المقاومة على الظهور على مائدة الأحداث العالمية، ساعية إلى تحقيق نصر معنوي يرفع من عزيمة المقاتلين ومؤيديهم، ولسان حال هؤلاء أن احتجاز الرهائن وقتل المدنيين عمل إجرامي لا جدال فيه، ويخالف مبادئ المحارب القوقازي المسلم! ولكن.. هل فيما تفعله روسيا "العظمى" -تقول المقاومة- من قتل وتشريد واغتصاب واعتقال، ما يتفق مع أي مبادئ للشرف العسكري، دع عنك الإنساني؟

وفي هذا الشأن قد يأتي هذا النوع من العمليات بهدف استعادة جزء من العقل الجمعي الإسلامي الذي انصرف عن القضية الشيشانية منذ مطلع العام الحالي مع أجواء الغزو الأنجلو أمريكي للعراق والسقوط المهين لبغداد، وما تلاه من خيبة أمل وزعزعة الإيمان في جدوى "المقاومة".

6- ويجب أن تعترف حركة المقاومة بما تسببه عملياتها خارج الشيشان من ضرر بليغ للشيشانيين في المدن الروسية الكبرى حيث يتعرضون للتوقيف والاعتقال، وتلفق لهم تُهم تعاطي المخدرات وتجارتها، ويلاحق أولادهم في المدارس فيفصلون لعدم التسجيل الرسمي، ويفقدون مصادر رزقهم.

وقد رصدت هيومان رايتس ووتش في تقريرها عن انتهاكات روسيا في الشيشان عرضا مفصلاً لنماذج من هذه الانتهاكات.

وحسب هذا التسلسل في الأحداث فإن صورة المقاومة قد تتعرض للتشويه لدرجة أعلن معها بوتين بعيد حادثة تفجير حفل موسيقى في موسكو (5/7/2003) أن "المقاتلين الشيشان أخطر عناصر شبكة الإرهاب العالمية". ولعل ذلك قد دفع بالبعض فسار وراء فكرة المؤامرة وافترض تدبير موسكو بعضًا من هذه الحوادث لتكريس حربها في الشيشان اعتمادًا على "خبرة" المخابرات الروسية في هذا النهج. (**)

وواقع الحال أن حركة المقاومة في موقف شديد الحساسية، وتقف حائرة أمام عديد من الملابسات التي تلقي عليها بالمسؤولية، وهي لا تملك أن تلقي بسلاحها بعد هذا المشوار الطويل من الصراع. كما أنها -وإن كانت تدري مدى شراسة الجيش الروسي في التنكيل بالشيشانيين بسبب نشاطها- تعلم في الوقت ذاته أن لغة القوة هي التي أجبرت روسيا عامي 1996-1997 على أن تقتنع، بعد مسلسل شيشاني من الضربات الموجعة ومعارك شوارع شديدة الجرأة، بإمكان قبول استقلال الشيشان، بل واضطر بوريس يلتسين نفسه أن يوكل مستشاريه للجلوس مع زعماء المقاومة للاتفاق على تأجيل قرار الاستقلال إلى عام 2001.

المراوغة السياسية الروسية

منذ أن بدأت حربها الثانية على الشيشان (1999-2001) تسير موسكو على محورين متوازيين هما: السحق العسكري لقوات المقاومة ومن يتعاون معها، والخداع السياسي في صياغة موقفها من مشروع الاستقلال الشيشاني. ولعله من المفيد أن ننظر إلى المحور الثاني عن كثب، وفيه سنجد موسكو قد دأبت على مدى العام الفائت في الترويج لثلاثة مشروعات سياسية ظاهرها إقرار السلام في الجمهورية التي أعيتها الحرب، وهذه المشروعات الثلاثة هي: دستور جديد للجمهورية، قرار بالعفو عن المقاتلين الشيشان، والتجهيز لانتخابات رئاسية.

الدستور

في شهر مارس من عام 2003 -وفي فترة كان العالم الإسلامي يحبس معها أنفاسه وهو يشاهد السقوط المتداعي للمدن العراقية- أجرت روسيا عملية انتخابية في الشيشان للتصويت على دستور جديد للشيشان. فالدستور "القديم" (الذي صيغ خلال فترة إعلان الاستقلال من جانب واحد في نوفمبر 1991) حدد علاقة روسيا بالشيشان بالانفصال التام، وتبع ذلك رفض الشيشان التوقيع على دستور الفيدرالية الروسية في يونيو 1992، باعتبار أن الأمر لا علاقة لها به (فهي دولة مستقلة آنذاك).

وبعد الحرب الشيشانية الأولى وقعت روسيا والشيشان اتفاقية في أغسطس 1996 أرجأت البت في استقلال الشيشان عن روسيا إلى عام 2001. وجلست موسكو في العام التالي (1997) مع حكومة أصلان مسخادوف، وتم التوصل إلى اتفاقية سلام بين الجانبين.

غير أن الحرب الثانية التي شنها الكرملين في سبتمبر 1999 حققت لروسيا التحلل من الالتزام بالتفاوض حول استقلال الشيشان قبل أن يأتي عام 2001، ولتتحرر روسيا نهائيًا من التفاوض حول أي شكل من أشكال الاستقلال الشيشاني. وقد أعلنت موسكو منذ حربها الثانية رفض التحاور مع أصلان مسخادوف وأعوانه، وصنفتهم هذه المرة بالعصابة الإرهابية، كإعدام سياسي بدا بديلا عن الإعدام الجسدي المستعصي على الجيش الروسي.

وهكذا شهدت الشيشان في مارس 2003 استفتاء (أو بالأحرى مسرحية ديمقراطية) على دستور جديد للجمهورية. وبدلا من أن يكون الخيار المطروح أمام المصوت الشيشاني هو "هل تفضل بقاء الشيشان ضمن روسيا أم استقلالها؟" جاء السؤال: "هل توافق على إقرار السلام في الشيشان؟!" وكان على شعب الشيشان الذي نزف الدم الغزير أن يقف متسائلاً: "أي سلام؟ ومن يمنحه لمن؟".

وبإعراض الهيئات الغربية عن حضور هذه اللعبة، أعلنت روسيا عن نتيجة الاستفتاء بموافقة أغلبية الشعب الشيشاني (واللاجئون منهم في جمهورية أنجوشيا المجاورة) على الدستور الجديد الذي نص على أن تبقى الشيشان ضمن الفيدرالية الروسية مع إقرار حقها في مجلس برلماني وحكومة منتخبة وتوسيع صلاحيات الحكم الذاتي! وهو أمر لم يقدم إلا تكريسًا لرغبة موسكو في بقاء الشيشان تحت سيطرتها حيث نص مشروع الدستور على "الاتحاد بين روسيا والشيشان، وأحقية رئيس روسيا في إبطال سلطات الرئيس الشيشاني".

وقد جرى التصويت على مشروع الدستور في غياب مراقبين من الدول الأوربية (حضر مندوبون من منظمة التضامن الأفروآسيوي!)، وسعى الشيشانيون من خلال التصويت إلى الحلم بحياة لن تكون بأي حال من الأحوال أسوا مما هو قائم.

العفو

في خطوة تالية قامت روسيا بطرح مشروع قانون على مجلس الدوما للتصويت على قرار حكومي بالعفو عن المقاتلين الشيشانيين الذين يسلمون أسلحتهم، بشرط ألا يكونوا قد ارتكبوا جرائم قتل من قبل. وبهذا الشكل كان مشروع القرار (الذي حظي بموافقة أغلبية البرلمان في 6/6/2003) استعراضا سياسيا، بدت معه موسكو ساعية إلى التسامح، وبانية للديموقراطية. وما لم يكن ظاهرا بوضوح في مشروع العفو، هو العفو عن مئات الجنود الروس المدانين بارتكاب جرائم في الشيشان، كاغتصاب النساء وقتل المدنيين وحرق دور الأبرياء والتمثيل بجثثهم. وقد سجلت منظمة العفو الدولية أحدث تقاريرها في مطلع يوليو 2003 بشأن مفهوم العفو عن الشيشان في أجواء انتهاكات القوات الروسية.

وبطريقة خلط الأوراق، بدا السؤال المنطقي "من يعفو عن من؟" وبامتلاكها الأحادي لوسائل الإعلام قامت روسيا بعرض صور متلفزة لعشرات الشيشانيين وهم يسلمون أسلحتهم وتعلو وجوههم علامات الخجل (المسرحية)، بطريقة كانت مشابهة للحرب النفسية لاستسلام الجنود العراقيين في الأيام الأولى من غزو العراق. وبحلول الأول من أغسطس 2003 انتهت المهلة التي "منحتها" موسكو للمقاتلين لإلقاء أسلحتهم دون أن يخرج المقاتلون من الغابات والجبال لتسليم أنفسهم. ويمثل قرار العفو الحلقة الوسيطة بين صياغة دستور للجمهورية وإجراء انتخابات رئاسية في نهاية العام 2003.

الانتخابات

أعلنت موسكو الخامس من أكتوبر 2003 يومًا لانتخاب الرئاسة الشيشانية بحيث تكون هذه الانتخابات نهاية جدل الارتباط العضوي بين الجمهورية (كمنطقة أطراف) وموسكو (كمركز للاتحاد الفيدرالي). وينتظر كثيرون أن يكافأ أحمد قاديروف رئيس الإدارة الشيشانية الحالية بدعم موسكو في هذه الانتخابات.

ويبدي بعض المراقبين تحفظهم من أن موسكو قد لا تدعم قاديروف أمام مرشحين آخرين من رجال الأعمال والساسة القاطنين في موسكو وذوي الأصول الشيشانية بحجة أن قاديروف ربما تقوى شكيمته وينقلب على موسكو، وهو الذي أكل على موائد مختلفة، فانتقل من صفوف حركة الجهاد والمقاومة إلى التصالح مع موسكو وقتال "الإخوان" السابقين.

غير أن وجهة نظرنا قد تتفق مع افتراض دعم موسكو لهذا الرجل رئيسا، وأن ذلك سوف يحقق مزيدًا من الضعف السياسي في الجمهورية. فالرجل معروف للشيشانيين بتلونه السياسي، وهو الذي دعاهم من قبل إلى أن يقتل كل فرد منهم 150 روسيا لتحل مشكلة روسيا مع الشيشان، وهو الذي كان المفتي السابق في حكومة جوهر دوداييف، وهو الآن الذي يدعوهم -بتاريخه الديني السابق وسلطته السياسية الحالية- إلى محاربة "الانفصاليين"، بل ويعتقل من يتعامل معهم ويهدم بيته.

وبهذا الشكل فإن سيناريو الاقتتال الداخلي بين حكومة عميلة وحركة مقاومة ربما يكون هو أكثر السيناريوهات توقعا في الفترة القادمة، وستحقق روسيا من ذلك حفظ ماء وجهها، وستترك الشيشانيين "يصفون حساباتهم" بأفغنة الأوضاع السياسية الداخلية، عبر دعم عسكري وتشكيل طابور خامس يضمن بقاء الشيشان في المأساة لردح من الزمن.

ولقد استطاعت موسكو بالفعل التخلص من جوهر دوداييف بدعم المعارضة الداخلية في عام 1994؛ وهو ما اضطر الأخير إلى التحالف مع الإسلاميين لمواجهة التدخل الروسي في الجمهورية.

على مفترق الطرق

بالمراوغة الثلاثية السابقة (الدستور- العفو- الانتخابات) ترمي روسيا بالشيشان في منعطف زلق لا تبدو معه آمال في الاستقرار. فالوضع ربما يسير بتدعيم أعمدة الصراع القديمة، وهي:

1- مزيد من تدعيم الحكومة الموالية لموسكو ماليا وعسكريا وإعلاميا، مع تغلغل داخلي في أوساط الشيشانيين بالترغيب تارة (تعويضات مالية عن الدور المهدمة، أو التعيين في وظائف حكومية كالشرطة الشيشانية) مستغلة مناخ البطالة والفقر، والترهيب تارة أخرى (التهديد بالقتل والاعتقال).

2- مطاردة عناصر المقاومة وتضييق الخناق عليهم، مع الاستعداد المبدئي لتحمل وقوع عملية كل عدة أشهر. ولا قلق لدى روسيا في هذا الشأن، فمعركة البقاء أعلى من خط الفقر تشغل بال الجميع، وحوادث القتل والاغتيال لأسباب سياسية أو مالية ليست بمستغربة على الشعب الروسي، ومساحات التظاهر معدومة أو مختنقة.

3- روسنة الشيشان بإتاحة فرص أكبر للتأثير الثقافي الروسي في الجمهورية بتقوية البث التلفزيوني لكافة قنوات التلفزة، وإحلال ثقافة التمييع ومسخ الهوية مع السعي لإقرار خطة طويلة الأمد لخلق جيل جديد يسعى إلى التعايش والمصالحة مع المركز.

وفي هذا الصدد يثير الانتباه توجه بعض المتابعين للشأن الروسي (صحيفة الأهرام، 19/7/2003) إلى التعويل على إمكان قيام حوار حضاري روسي-شيشاني في المستقبل، ويضربون لذلك أمثلة عدة منها الحوار الفرنسي- الروسي، والروسي- الألماني، رغم ما وقع بين هذه الدول من حروب ومآس سقط إثرها ملايين القتلى، وحرقت معها مدن بأكملها. وفى رأينا أن المقارنة لا تستقيم في الحالة الشيشانية، فالعلاقة بين فرنسا وألمانيا وروسيا علاقات ندية بين دول استعمارية مثلت دول المركز، بينما الحالة في تعامل روسيا مع الشيشان (المركز تجاه الأطراف) لا تتم عبر أي أسس من الندية بل تمثل ثنائية السحق-المعاناة معلمه البارز.

4- وسيظل الصمت الدولي هو استجابة العالم تجاه المأساة، ولن يمنع هذا من أن يخرج تقرير كل فترة لمنظمة من منظمات حقوق الإنسان عن انتهاكات القوات الحكومية. أما الجيران الأقرب للمنطقة (تركيا وإيران) فتعنيهم بالدرجة الأولى اعتبارات اقتصادية، وبالنسبة للجيران البعيدين الممثلين في دول العالم العربي فلدى هذه الدول ما يكفيها من مشكلات وربما لا يزيد الأمر عما هو حادث الآن من كتابة مقال هنا أو هناك والتبرع (الشعبي) لهيئات الإغاثة الإنسانية.

وسيستمر الرفض الرسمي لظاهرة "مجاهدي الشيشان العرب"، ولن يكون مصيرهم عند العودة أفضل من مصير "مجاهدي أفغانستان".

وستظل القناعة غير المعلنة بين الغرب وروسيا مفادها أن الأخيرة أكبر من أن تواجه بعمل عسكري من قبل القوات الأورو-أمريكية، لأنها أولاً تحارب داخل أراضيها، ولأنها تحارب "إرهابيين" شأنها في ذلك شأن دول "العالم الحر" الساعية لحماية الأمن والديموقراطية.

ومن زاوية أخرى، فيبدو أن الغرب يروقه انشغال روسيا بأزمة داخلية (إضافة إلى معضلة بناء دولة قوية خالية من الفساد)؛ وهو ما يصرفها -ولو إلى حين- عن المطالبة بدور محوري في القارة الأوربية، ناهيك عن رضا الولايات المتحدة بهذا الانشغال عن المطالبة بإعادة تشكيل النظام العالمي أحادي القطب.

وفي النهاية سيظل الشعب الشيشاني هو الذي يدفع أفدح الأثمان في صراع موسكو-المقاومة، بين تشريد وقتل واغتصاب. وسيظل يبحث عن إجابة لتلك الأسئلة الجدلية على شاكلة: هل يستحق دخول دولة جديدة في الأمم المتحدة بعلم ونشيد وممثلين دبلوماسيين كل تلك الأنهار التي أريقت من دماء، والتي ستراق في المستقبل؟ هل يستحق حلم تحقيق هذه الدولة محاربة دولة متغطرسة مفتونة بالتوسع والإمبراطورية؟ وهل ستنجو الشيشان المستقلة من الحرب الأهلية، والتناحر السياسي ومؤامرات روسيا؟ وهل ستملك الشيشان المستقلة مقومات دولة ينعم فيها الشعب بأبسط حقوق الحياة؟

المهم في الأمر أن الشعب الشيشاني يفاضل بين خيارات تقطر مرارة بين التبعية لموسكو -التي لن تلتفت للنهوض بجمهورية نائية كالشيشان ولن تعطيها حقوقها الثقافية والدينية- وبين مناصرة المقاومة التي تضيف بكل عملية من عملياتها متاعب جديدة للشيشانيين في كل مكان.

ولعل المؤسف أن الشعب الشيشاني لا يملك تحديد أقل الخيارات مرارة.

اقرأ أيضًا:


**شهدت روسيا في سبتمبر 1999 مسلسل تفجير البنايات السكنية في المدن الروسية الهامة (موسكو، سان بترسبرج، فلاديقفقاز وغيرها ) وهو ما أوقع مئات القتلى أسفل أنقاض هذه البنايات وعاش كل بيت في روسيا في رعب احتمال تفجيره بساكنيه. وروج الإعلام الروسي لرواية أن المقاتلين الشيشان هم المسئولون عن ذلك، وهو ما كان واحدا من أهم أسباب التسخين لزحف الجيش الروسي على الشيشان واكتساح مدنها. وبسبب دقة تنفيذ هذه التفجيرات وشدة تدميرها رأى كثير من المراقبين الغربيين أنها صناعة روسية. ولم يزل حتى الآن هذا الملف مغلقاً.


* خبير في الشؤون الروسية

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع