بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

بقية العالم الإسلامي

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


واشنطن تركل الكرة في الملعب التركي

09/08/2003

محمد عبد القادر**

لن نصبح أُجراء لأمريكا

قام وزير الخارجية التركي عبد الله جول أواخر الشهر الماضي بزيارة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، اكتسبت أهمية بالغة؛ نظرًا لعدة عوامل طغى تأثيرها إلى حد بعيد على ملامح العلاقات التركية الأمريكية التي شهدت توترًا شديدًا في فترة ما بعد الحرب الأمريكية على العراق، نادرًا ما حدث على مدار تاريخ العلاقات بين الدولتين، ولا يقارن في حدته إلا بالأزمتين اللتين شابتا علاقاتهما: الأولى في عام 1964 بعد رسالة الرئيس الأمريكي آنذاك ليندون جونسون الذي طالب فيها رئيس الوزراء التركي عصمت إينونو بعدم استخدام السلاح الأمريكي إذا ما اجتاحت القوات التركية شمال قبرص. والثانية في عام 1974 بعد التدخل العسكري التركي في قبرص.

عوامل "الغصة"

أولا: إن زيارة عبد الله جول إلى واشنطن جاءت في ظل رغبة أمريكية من أنقرة بإرسال قوات حفظ سلام تركية إلى العراق للمشاركة في حفظ الأمن؛ بسبب هجمات المقاومة في الآونة الأخيرة على القوات الأمريكية. ورغم ترحيب تركيا في بادئ الأمر فإن موقف المعارضة السياسية والموقف الشعبي الرافضين لهذا النهج يجعلان من إمكانية تمرير مذكرة حكومية من البرلمان التركي بهذا الشأن أمرًا يتسم بالصعوبة.

ثانيا: إن هذه الزيارة تأتي في توقيت تشهد فيه العلاقات التركية مع كل من دمشق وطهران اطرادًا ملحوظًا، خاصة فيما يتعلق بالتنسيق بين الدول الثلاث بشأن المسألة الكردية ومستقبل العراق. ولعل أبرز دليل على ذلك الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء السوري محمد مصطفى ميرو إلى أنقرة في الأسبوع الأخير من الشهر الماضي، والتي تعد الأولى لرئيس وزراء سوري منذ 17 عامًا، وتوقيع البلدين 4 اتفاقيات للتعاون فيما بينهما، فضلا عن موافقة قيادة الجيش التركي على بدء حوار عسكري وعلى مستوى عال مع إيران، وإعلان الجنرال أوزكوك أنه يرحب بالزيارة التي سيقوم بها قريبًا قائد الجيش الإيراني الجنرال محمد سليمي.

ثالثا: إن زيارة جول لواشنطن تأتي على خلفية الأزمة التي شهدتها العلاقات التركية الأمريكية مؤخرا، إثر قيام نحو 100 جندي أمريكي في السادس من الشهر الماضي بمداهمة مبنى للوحدات الخاصة التركية في مدينة السليمانية شمال العراق، واعتقال 11 ضابطا تركيًا من بينهم رائد وملازمان و8 ضباط صف، والاستيلاء على أسلحتهم ومعداتهم ووثائقهم؛ بدعوى الاشتباه في أنهم يخططون لعملية اغتيال محافظ كركوك الكردي عبد الرحمن مصطفى؛ وهو ما أوجد حالة من التوتر الشديد في علاقات الدولتين.

وقد عكست حدة التصريحات من الجانب التركي مدى المرارة من الإهانة التي شعر بها الشعب التركي جراء الاعتقال الأمريكي للجنود الأتراك؛ حيث اعتبروا أن السلوك الأمريكي مقصود، وأنه يأتي في ظل حجج وهمية، الهدف منها تقديم رسالة ذات مضمون ما إلى تركيا؛ وهو ما اعتبرته القيادة السياسة التركية -ممثلة في الحزب الحاكم أو المعارضة- أنه سلوك غير مقبول شكلا وموضوعا. كما تظاهر مواطنون أتراك طيلة أيام اعتقال الجنود الأتراك أمام سفارة الولايات المتحدة في أنقرة؛ احتجاجًا على اعتقال القوات الأمريكية الجنود الأتراك، ورفعوا لافتات كتب عليها "أفرجوا عن جنودنا"، و"لتخرج أمريكا"، و"لن نصبح أُجراء لأمريكا".

بداية الأزمات بين البلدين

على الرغم من انخفاض حدة الأزمة التركية الأمريكية الأخيرة بعد إطلاق سراح الجنود الأتراك وعودتهم إلى مواقعهم في السليمانية شمال العراق، واتفاق الدولتين على إجراء تحقيق مشترك في الحادث بعد مماطلة أمريكية دامت 60 ساعة عبّر بعدها الجيش الأمريكي والجيش التركي عن الأسف للخلاف الذي وقع بين البلدين، وعلى الرغم من اتفاق الدولتين أثناء الاجتماع الذي شارك فيه من الجانب الأمريكي الجنرال جيمس جونز القائد الأعلى للقوات الحليفة في أوروبا، وقائد القوات الأمريكية في الشرق الأوسط الجنرال جون أبي زيد على تنفيذ عمليات مشتركة ضد مقاتلي حزب العمال الكردستاني التركي (الذي تحول اسمه إلى كادك) المتمركزين في شمال العراق، وهو ما كانت ترغب فيه تركيا.. فإن البحث عن العوامل التي أدت إلى حدوث مثل هذه العثرة في علاقات الدولتين يستلزم الرجوع إلى ما تمخضت عنه الحرب الأمريكية في العراق على وتيرة العلاقات التركية الأمريكية، خاصة أنها مثلت اختبارا حقيقيا لمدى متانة العلاقات التركية الأمريكية، ومدى صحة مقولة أن هذه العلاقات غير معرضة إلى أي هزات في ظل الثوابت الإستراتيجية التي تشكل محددات هذه العلاقة، خاصة أنها من ناحية أخرى كانت بمثابة أول تحد حقيقي لنخبة العدالة ذات الجذور الإسلامية والتي جاءت في ظل إصرار أمريكي على خوض غمار هذه الحرب في ظل تعاون كامل من تركيا، إلا أن رفض البرلمان التركي المذكرة التي قدمتها إليه الحكومة التركية في مارس 2003 بشأن السماح للجيش الأمريكي بنشر 62 ألف جندي أمريكي لاستخدام الأراضي التركية كنقطة انطلاق لغزو شمال العراق أوجد غصة عميقة في العلاقات التركية مع واشنطن، كما أن موقف الجيش الذي لم يحرك ساكنا أثار حفيظة واشنطن، خاصة أنها تعول عليه الكثير.

وعلى الرغم من أن أنقرة سمحت لواشنطن باستخدام مجالها الجوى في الهجوم على العراق باستخدام أراضيها لتزويد قواتها الموجودة في العراق بالإمدادات.. فإن واشنطن لم تنسَ الموقف، ولم يمر عليها مرور الكرام، ورأت أنها ليست أحسن حالا من فرنسا أو ألمانيا. لذلك بدأت واشنطن في انتهاج أسلوب جديد مع تركيا، يعتمد على ركل الكرة في ملعب تركيا؛ بحيث تختار أنقرة الوضع الذي ستحظى به في مرحلة ما بعد سقوط النظام العراقي السابق، إلا أن واشنطن رأت أنها هي التي ستحدد الخطوط الحمراء، وليست أنقرة كما كانت تأمل تركيا قبل اندلاع الحرب على العراق، وهذا اتضح بجلاء من خلال:

أولا: التغير الذي طرأ على موقف واشنطن من مسألة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي؛ فبعدما كانت الإدارة الأمريكية الداعم الأكبر لأنقرة في محولاتها المستميتة للحاق بركب الاتحاد الأوربي بدأنا نلاحظ تحولا في التعاطي الأمريكي مع هذه المسألة، خاصة بعد التصريح الذي أدلى به كولن باول في أبريل 2003 بأن على تركيا أن تلتزم بمعايير كوبنهاجن حتى يمكنها بدء مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد قبل نهاية عام 2004. فبعدما كانت واشنطن تدعم مساعي تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي في السابق وفقًا لأهميتها الجيوإستراتيجية بالنسبة لها تتحدث الآن عن معايير كوبنهاجن.

ثانيا: مثّل الانتصار الأمريكي في الحرب ضد العراق بسقوط نظام صدام حسين فرصة مواتية لواشنطن لأن تعيد رسم خريطة قواعدها العسكرية المنتشرة في منطقة الشرق الأوسط، بعد أن فقدت قواعدُ عسكرية عديدة في الخليج وتركيا الكثيرَ من قيمتها، وأصبح الاحتفاظ بها محكومًا بالمزاج الأمريكي، وليس بالضرورة العسكرية الإستراتيجية. ولعل ما قاله بول وولفويتز نائب وزير الدفاع الأمريكي في حديثه لشبكة "سي إن إن تورك" الإخبارية في 6 مايو 2003 من أن واشنطن لا يمكنها البقاء في مكان ليست مرغوبة فيه، مشيرًا إلى أنه يرى أن عدم الاستفادة الآن من قاعدة أنجيرليك خير دليل على ذلك.

ثالثا: ما قاله بول وولفويتز نائب وزير الدفاع الأمريكي في حديثه لشبكة "سي إن إن تورك" الإخبارية حول اعتقاده أن تركيا ارتكبت خطأ برفضها فتح الأراضي التركية أمام القوات الأمريكية لشن حرب خاطفة على العراق من الأراضي التركية، وأنه يتوجب على تركيا الآن "أن تخرج وتقول لقد ارتكبنا خطأ"، "... إنني أود أن ألمس سلوكا مختلفا مغايرا لما عهدته".

رابعا: تأكيد مساعد وزير الخارجية الأمريكية والسفير السابق في تركيا مارك جروسمان -الذي ينظر إليه على أنه صديق تركيا في إدارة بوش للشبكة ذاتها- أن ما قاله وولفويتز ليست آراء شخصية، وإنما تعبير عن توجه واضح في إدارة بوش نحو أنقرة؛ حيث أيد انتقادات صقر البنتاجون الذي وصفه بأنه رجل مهم، ودعا إلى أخذ ما قاله على محمل الجد. وزاد عليه بقوله بأن تركيا ارتكبت خطأ باعتقادها أن الولايات المتحدة لن تستطيع شن حرب ضد العراق دون دعمها، مشيرًا إلى أن مسار تركيا هو الذي سيحدد مستقبل العلاقات بين البلدين، وأن عليها الاقتراب مجددا من الولايات المتحدة؛ وذلك لن يكون -كما قال وولفويتز- إلا بلعب دور في الضغط على سوريا وإيران.

خامسا: تحذير ريتشارد بيرل -مستشار وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاجون" السابق، في ندوة نظمتها مؤسسة البحوث الأمريكية "أمريكان إنتربريز"، ونشرتها الصحف التركية في الخامس من الشهر المنصرم- أنقرة من إقدامها على آراء مثيرة لدواعي القلق الأمريكي من إيران وسوريا، ووصف هذا الأمر في حال حدوثه بأنه سيؤدي إلى مشكلة كبيرة تهدد استقرار العلاقات التركية الأمريكية. وقال بأنه إذا ما توصلت الولايات المتحدة لقناعة بضرورة إيلاء أولوية لموضوع مكافحة الدول التي تقدم الدعم للإرهاب وامتلاك أسلحة دمار شامل؛ فإن واشنطن ستبحث في هذه الحالة عن الدعم التركي لها. وهدد الحكومة التركية قائلا بأنه إذا كانت آراء تركيا في هذه الحالة مغايرة للآراء والسياسة الأمريكية المرسومة بشكل واضح؛ فإنها ستكون حينئذ كارثة في العلاقات التركية الأمريكية.

لذلك يمكن القول بأن الرسالة الأمريكية من خلال أسلوب التعاطي مع الأزمة الأخيرة بين البلدين ما هي إلا تحذير ضمن سلسلة الرسائل واضحة المضمون التي وصلت إلى أنقرة من قبل وعقب انتهاء الحرب الأمريكية على العراق. وقد لا يكون المرء شاردًا إذا قال بأن هذه الرسائل في مجملها موجهة إلى جنرالات الجيش التركي الذي فقد الكثير من وجهة النظر الأمريكية.

مستقبل العلاقات التركية الأمريكية

انطلاقا من هذه المؤشرات التي توضح حالة العلاقات التركية الأمريكية بعد الحرب على العراق يتضح أن هذه العلاقات مرشحة للدخول في مرحلة جديدة لن تحدد معالمها أنقرة بقدر ما ستتحكم واشنطن في طبيعتها ومستواها، بناء على تقييمها الذاتي للسلوك التركي الفعلي إزاء القضايا الرئيسية المحتمل إثارتها في وقت لا يبدو بعيدًا. ولعل من أهم هذه القضايا مسألة استجابة أنقرة لمطالب أمريكية محتملة بسحب كل الجنود الأتراك الموجودين في شمال العراق، كما أن العلاقات التركية الأمريكية ستتوقف إلى حد بعيد على مدى قبول أنقرة لعراق فيدرالي لا تتدخل في شئونه -مثلها في ذلك مثل باقي جيرانه- وعلى موقفها من السياسات الأمريكية تجاه كل من سوريا وإيران ومدى استجابتها للإملاءات الأمريكية في هذا الشأن.

وعلى الرغم من ذلك فقد لا يكون من قبيل النزعة الإطلاقية القول بأن حرص تركيا على علاقاتها الإستراتيجية مع واشنطن النابع من إدراك الإمكانيات المحدودة في مواجهة الخيارات الأمريكية اللامحدودة سيكون الدافع الرئيسي للاستجابة للمطالب الأمريكية. ولعل أحد أهم مؤشرات ذلك عدم تجاوز رد الفعل التركي على حادث اعتقال الجنود الأتراك حد التصريحات الرنانة والسلوكيات الشكلية دون التصعيد إلى ما لا تحتمله قدراتها، على الرغم من أن الأتراك معتزون بوطنيتهم لأقصى حد.

وعلى الجانب الآخر فإن إدراك الولايات المتحدة أهمية الموقع الجيوإستراتيجي لتركيا وكونها نموذجا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا لدول المنطقة يحدو بها أن تعي أن اكتساب حليف محتمل ممثل في بغداد لا يعني خسارة حليف آخر تمثله أنقرة.

اقرأ أيضًا:


**باحث في الشئون التركية

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع